Monthly Archives: October 2012

الحق في الوصول إلى المعلومات – 1

إن حكومة ينتخبها الشعب لا تتيح لهذا الشعب الوصول إلى المعلومات التي تتعلق بشؤونه العامة ومصلحته العليا، أو لا توفر له وسائل الحصول على هذه المعلومات، ما هي إلا مقدمة لمهزلة أو حتى مأساة في إدارة شؤون الدولة، أو ربما الإثنين معاً. إن المعرفة سوف تتفوق على الجهل دائماً، والشعب الذي يريد أن يحكم نفسه بنفسه يجب أن يسلّح نفسه دائماً بالمعرفة.

(المفكر السياسي الأميركي والرئيس الرابع للولايات المتحدة جيمس ماديسون)

إن ملاحظة ماديسون هذه لا تزال صالحة اليوم كما كانت عندما قام بكتابتها منذ ما يقرب من 200 سنة. فالوصول إلى المعلومات لا يزال أشبه بحقل ألغام في جميع أنحاء العالم. وكما لاحظ ماديسون، فالمعرفة هي القوة. وأولئك الذين يملكونها يملكون أيضاً القدرة على التحكم بشؤون بلادهم والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بها.

إن مفهوم الوصول إلى المعلومات لا يزال مثيراً للجدل حتى في البلدان المتطورة، إذ تفضّل معظم الحكومات القيام بأعمالها في السرّ. حتى الحكومات المصنفة على أنها “ديمقراطية” تفضّل القيام بمجمل أعمالها بعيداً عن عيون الناس. كما تستطيع الحكومات دائماً أن تجد أسباباً للإبقاء على السرية في عملها، ومنها: ضرورات الأمن الوطني، والنظام العام، والإهتمام الشعبي الواسع. وغالباً ما تعتبر الحكومات الوثائق الرسمية ملكاً لها بدلاً من أن تعدّها وسيلة تملكها وتحفظها نيابةً عن الشعب.

لكن الصعوبات الأكبر تبرز في ما يعرف ببلدان العالم الثالث، التي خضعت لاستعمار الدول الغربية لسنوات طويلة مع ما صاحب ذلك من من الممارسات السرية في الحكم والحماية الشديدة لأي نوع من المعلومات المتعلقة بالشأن العام أكانت هذه المعلومات مهمة أو ثانوية، ومع خضوع حكام هذه البلدان ليس لإرادة وحاجات سكان البلاد بل لعواصم القوى المستعمرة البعيدة. وبعد نيلها الإستقلال، ورثت هذه الدول أنظمة إدارية ومسؤولين وموظفين مهووسين بالسرية حول كل ما يتعلق بالشؤون العامة للمواطنين.

الأمر ذاته ينطبق على دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى التي وقعت تحت الإستبداد الشيوعي لفترة طويلة من الزمن، وكذلك الدول في باقي أنحاء العالم التي خضعت لمختلف أشكال الاستبداد والإقطاعية. فكانت نتيجة هذه السرية في ممارسة الحكم ازدهار الفساد والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان وانعدام ثقة المواطن في الدولة أو الطبقة الحاكمة.

للأسف فهذا المناخ لا يزال مستمراً في العديد من البلدان، من بينها أكثرية الدول العربية. على أن الوضع بدأ يشهد تحسناً منذ تحولات الربيع العربي بداية العام الماضي. كما أن أمام لبنان فرصة لتحقيق مستوى أكبر من الشفافية في كيفية تسيير الشأن العام من قبل المسؤولين في الحكومة والوزارات والإدارت وصولاً إلى البلديات والمؤسسات العامة عبر إقرار مشروع قانون حق الوصول للمعلومات، الذي ما زال ينتظر في أدراج مجلس النواب منذ ربيع 2009.

حق الوصول إلى المعلومات: النشأة والتطور

تعرّف منطمة الشفافية الدولية الوصول إلى المعلومات بأنه “الحق الممنوح بموجب القانون- وغالباً ما يكون ذلك من خلال تشريعات حرية الوصول إلى المعلومات– للوصول إلى الوقائع والمعلومات الأساسية من الحكومة وأي هيئة عامة أخرى. تشمل هذه المعلومات على سبيل المثال الميزانيات والموافقة على المشاريع والتقييمات وفي الوقت عينه، يحق للمواطنين طلب نشر مستندات معينة”. بعبارات أبسط، تتمحور المسألة حول مدى وصول المواطنين إلى المعلومات الداخلية التي تملكها الدولة والإجراءات التي يمكنهم إتباعها إذا لم تكن الحكومات والهيئات العامة مستعدة لتوفير هذه المعلومات لهم.

–         كانت السويد الدولة الأولى التي تعتمد هذا الحق من خلال “قانون حرية الصحافة” عام 1776. فقد نص “مبدأ العلانية” على أن جميع المعلومات والوثائق التي تنتجها أو تستلمها المؤسسات العامة (الحكومة المحلية أو المركزية وجميع المؤسسات العامة) يجب أن تتوفر لجميع المواطنين. كما ينص هذا المبدأ على أن جميع المؤسسات العامة يجب أن تبذل قصارى جهدها لمنح أي شخص أي معلومات قد يرغب بها بأسرع وقت ممكن.

–         كانت فنلندا أول من تبنّى التشريع الحديث عام 1951 الذي حدّد شروط الوصول إلى المعلومات (أو ما يُعرف بحرية المعلومات) داخل المؤسسات العامة.

–         تبنّت الولايات المتحدة “قانون حرية المعلومات” عام 1966.

–         تبنت فرنسا قانون ينص على وصول المواطنين إلى المستندات الإدارية عام 1978.

–         عام 1990، لم تكن سوى 13 دولة تتمتع بتشريعات خاصة بالوصول إلى المعلومات، ولكن بحلول آذار 2004، كانت أكثر من 50 دولة قد تبنّت قوانين شاملة لتسهيل الوصول إلى السجلات الحكومية. ولغاية عام 2010 كانت أكثر من 85 دولة قد تبنت هذا النوع من القوانين ومن بينها الأردن الذي يعدّ الدولة الأولى في الشرق الأوسط التي أقرت قانون الوصول إلى المعلومات في 2007.

–         تضمن المادة 19 من “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، والذي تبنّته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1948، الحق في حرية التعبير والمعلومات بحسب المعايير التالية:

“لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية إعتناق الآراء من دون أي تدخل، وإستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت من دون تقيّد بالحدود الجغرافية”.

–         ومع أن إقرار قوانين الوصول إلى المعلومات يعتبر أداة قانونية فاعلة، يبقى التطبيق هو الأساس. لا تتمتع سوى 15 دولة من بين تلك التي تبنّت تشريعات الوصول إلى المعلومات بسجل تطبيق جيد. بهدف المضيّ قدماً في تطبيق القانون، يجب تحسين العلاقة بين الهيئات العامة والمواطن. لذلك، ينبغي على الهيئات العامة تبنّي عادات وثقافة جديدة تقتضي توفير المعلومات عند الطلب، ومن ناحية أخرى، يجب على المواطنين طلب هذه المعلومات. إلا أن الحكومة لن تصرّح بمعلومات بناءً على طلب المواطنين فقط فالمطلوب هو نشر المعلومات حكماً لضمان إلتزام الحكومة المبكر بالسياسات التي تحددها.

–         منذ العام 2003، يحتفل العالم باليوم الدولي لحق المعرفة يوم 28 أيلول. وكجزء من حملات رفع الوعي والإحتفال باليوم السنوي الثالث لحق المعرفة سنة 2005، نشرت مبادرة المجتمع المفتوح للعدالة عشرة مبادئ حول الحق في الوصول إلى المعلومات التي كانت قد طوّرتها مع منظمات شريكة. أصبحت هذه المبادئ أساسية لصانعي السياسات عند صياغة تشريعات الوصول إلى المعلومات وهذه المبادئ هي التالية:

1-  الوصول إلى المعلومات حق للجميع.

2-  الوصول إلى المعلومات هي القاعدة والسريّة هي الإستنثاء.

3-  ينطبق الحق على الهيئات العامة كافة.

4-  يجب أن يكون تقديم الطلبات سهلاً وسريعاً ومجانياً.

5-  يقع على عاتق المسؤولين واجب مساعدة طالبي المعلومات.

6-  ينبغي تعليل الرفض.

7-  تسمو المصلحة العامة على السريّة.

8-  يتمتع الجميع بحق إستئناف القرار السلبي.

9-  ينبغي على الهيئات العامة نشر المعلومات الأساسية حكماً.

10-   يجب أن يتمتع الحق بحماية هيئة مستقلة.

–         ركّزت المادتان 10 و13 من الإتفاقية الدولية لمكافحة الفساد على الحق في الوصول إلى المعلومات. ومع أن لبنان صادق على الإتفاقية في 16 تشرين الأول 2008، ما زال يفتقد إلى أدوات تطبيقها، ومن بينها قانون حول الحق في الوصول إلى المعلومات. يعتمد الإفصاح عن المعلومات في لبنان بشكل كبير على رغبة الأفراد داخل المؤسسات العامة وغالباً ما يكون المواطنون اللبنانيون خارج عملية إتخاذ القرار وغير مطلعين على نشاطات الحكومة. لذا هناك حاجة لإطار قانوني يسمح للمواطنين اللبنانيين بمراقبة عملية إتخاذ القرارات في الحكومة بفعالية أكبر.

–         في لبنان، تأسّست الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومات بهدف الترويج لهذا الحق. تجمع الشبكة، التي أطلقتها منظمة برلمانيون لبنانيون ضد الفساد والجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية وجمعية الدفاع عن الحقوق والحريات (عدل)، بالتعاون مع جمعية المحامين والقضاة الأمريكييين مبادرة سيادة القانون، ما بين 17 هيئة ومؤسسة حكومية وغير حكومية لصياغة قانون حول الحق في الوصول إلى المعلومات والضغط لإقراره في البرلمان وتطبيقه في لبنان، ومؤخراً انضم “المركز اللبناني لتعزيز المواطنية” إلى هذا التحالف من خلال إقامة دورات توعية وتدريب حول حق الوصول للمعلومات إضافة إلى أنشطة مختلفة منها عقد لقاءات مع هيئات المجتمع المدني في طرابلس والشمال وصولاً إلى إعادة إصدار نشرة “المواطن”.

الإطار القانوني لتطبيق الوصول إلى المعلومات في لبنان

في نيسان 2009 تم إعداد إقتراح قانون ورفعه إلى مجلس النواب، وهو يتضمن القواعد والإجراءات الخاصة بالوصول إلى المعلومات. تم وضع اقتراح القانون هذا بعد التقييم الدقيق للقوانين والتشريعات القائمة والمرعية الإجراء في لبنان بالإضافة إلى قوانين وممارسات الدول الأخرى حول الوصول إلى المعلومات.

‌أ-       نبذة عن إقتراح القانون

  •         ما هي الغاية من هذا القانون؟

يسعى القانون إلى تعزيز الشفافية في الإدارة ومكافحة الفساد وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة من خلال تكريس حق فعلي في الوصول إلى المعلومات.

  • ماذا يُعنى بـ “المعلومات”؟

تشتمل عبارة “المعلومات” على المستندات الخطية، الملفات الإلكترونية، التسجيلات السمعية البصرية أو الصور التي تحفظها الإدارة العامة. وهي تتضمن على سبيل المثال التقارير الوزارية، محاضر إجتماعات، إحصاءات، أوامر وتوجيهات وزارية، عقود حكومية، محاضر جلسات برلمانية أو إجتماعات لجان برلمانية، آراء وقرارت ومشاريع برامج إدارية، التقارير السنوية لمجلس شورى الدولة، مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي، أو ديوان المحاسبة مثلاُ، بالإضافة إلى مستندات في مؤسسة المحفوظات الوطنية.

   من هي الجهة الملزمة بتوفير المعلومات؟

إن الإدارات الحكومية المركزية والمحلية على السواء هي الملزمة بتوفير المعلومات المطلوبة.

    من الذي يحق له بالوصول إلى المعلومات بموجب القانون؟

أي شخص- سواء كان لبنانياً أو أجنبياً، طبيعياً أو معنوياً- يحق له بالوصول إلى المعلومات. ليس هذا الشخص ملزماً بتبرير طلبه للإدارة أو بشرح كيف ينوي إستخدام المعلومات التي يطلبها منها.

  •       هل من حدود للحق في الوصول إلى المعلومات؟

ينص القانون على قائمة محدودة من الإستثناءات للحق في الوصول إلى المعلومات. وتشمل هذه القائمة على سبيل المثال أسرار الدفاع الوطني أو معلومات تندرج ضمن حياة الأفراد الخاصة.

  •         في الممارسة، كيف يمكن الوصول إلى المعلومات التي بحوزة الإدارة؟

على مقدّم الطلب توجيه طلب خطي إلى الإدارة المعنية. تكلّف كل إدارة موظفاً لمساعدة مقدم الطلب عند الحاجة. على الإدارة أن تردّ على هذا  الطلب ضمن مهلة خمسة عشر يوماً ويجوز تمديد هذه المهلة لخمسة عشر يوماً إضافياً في حال كانت القضية معقّدة. يتم الوصول إلى المعلومات مجانياً ولا يتحمّل صاحب الطلب سوى تكاليف النسخ عن الوثائق التي طلبها.

  •        ما هي الوثائق التي يجب نشرها؟

الوثائق التي يجب نشرها هي التالية:

–       التقارير السنوية عن أنشطة الإدارة.

–       الوثائق ذات الطابع التنظيمي أو تلك التي تفسّر القوانين أو الأنظمة المرعيّة الإجراء أو تعزّز فهمها (مثلاً التعاميم والأسباب الموجبة للقوانين والأنظمة).

  • §        أين ينبغي البحث عن الوثائق التي تلزم الإدارة بنشرها؟

تنشر الوثائق في الجريدة الرسمية وعلى المواقع الإلكترونية.

‌ب-   حول الهيئة المستقلة:

  • ما هو وضع الهيئة القانوني؟

تشكل الهيئة جزءاً من السلطة التنفيذية. ينص القانون على أن هذه الهيئة هي هيئة إدارية مستقلة بمعنى أنه لا يحق للحكومة أي لأي طرف آخر إصدار توجيهات أو تعليمات لها.

  •         ما هو دور الهيئة؟

للهيئة مهام عديدة. يتوقع منها بشكل خاص معالجة القضايا المحددة بموجب إقتراحي القانون حول مكافحة الفساد وحماية كاشفي الفساد. أما بموجب قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، فدور الهيئة الأساسي هو تلقي الشكاوى حيث فشلت الإدارة في الإمتثال للقانون. إن القرارات الصادرة عن الهيئة بعد إنتهاء هذه العملية ملزمة للإدارة ويمكن إستئنافها أمام مجلس شورى الدولة.

‌ج-    ماذا يُعنى بـ “الإدارة”؟

يحتوي إقتراح القانون على تعريف واسع لـ “الإدارة” يضم الهيئات العامة بالإضافة إلى عدد محدود من الهيئات الخاصة، لا سيما تلك التي تحكمها هيئة عامة أو تلك التي تشارك في توفير خدمة عامة أو إدارة أملاك عامة.

‌د-      الإستثناءات بحسب إقتراح القانون:

لا يمكن للإدارة الكشف عن كافة المعلومات للمواطنين. إذ يجب الأخذ بعين الإعتبار لعدد من المعايير والحدود المقبولة للحق في الوصول إلى المعلومات. وكما في حال أي حق آخر، يجب أن يمارس حق الوصول إلى المعلومات مع مراعاة الحقوق والمصالح الأخرى:

–         يجب الإحتفاظ بسرية بعض المعلومات لحماية المصلحة العامة. تشمل هذه المعلومات على سبيل المثال البيانات التي يمكن أن تهدّد الأمن القومي أو العلاقات الخارجية السريّة للدولة أو سلامة العملة الوطنية، في حال نُشرت.

–         في بعض الحالات، يجب حجب المعلومات لحماية حقوق الفرد الأساسية مثل الحق في الخصوصية المنصوص عنه في المعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان.

–         يجب ممارسة حق الوصول إلى المعلومات مع مراعاة المصالح المهنية والتجارية: لا يمكن تجاهل السرية المنصوص عنها في القوانين والأنظمة وقواعد السلوك التي تحكم بعض المهن، لا سيما القانونية والطبية، من دون التأثير على ممارسة بعضها. وفي الوقت ذاته، يعتبر البعض أن حقوق حاملي براءات الإختراع تستحق الحماية لتشجيع الإستثمار ومكافأة جهود المخترعين. بالتالي، فلا يمكن أن يحصل المرء على المعلومات التي تملكها الإدارة عندما يكون ذات علاقة ببراءات الإختراع.

تتعلق الإستثناءات الأخرى بالقواعد والمتطلبات العامة التي تحكم عمل بعض المؤسسات، فعلى سبيل المثال:

–    إن الكشف عن وقائع تتعلق بتحقيق جنائي قد يؤثر سلباً على نتيجة تلك التحقيقات وفي النهاية يؤثر سلباً على نتيجة تلك التحقيقات وفي النهاية يؤثر سلباً على المحاكمة بحدّ ذاتها.

–    يمكن أن يؤدي الكشف عن بعض مداولات مجلس الوزراء إلى تعريض الوزراء للضغط غير المبرّر له من أطراف أخرى.

إن الطلبات المتكرّرة للمستندات قيد الإعداد قد تشكل مصدر إزعاج للإدارة وتتسبب بتأخير عملها وإعاقته.