Monthly Archives: November 2012

الوصول إلى المعلومات على قدم وساق

بقلم ربيع الشاعر

مدير عام الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية “لا فساد”

لقد حققت الشبكة الوطنية للوصول إلى المعلومات إنجازاً كبيراً في الأسابيع الماضية حيث تمكنت من اقناع لجنة الإدارة والعدل في المجلس النيابي من وضع اقتراح القانون المتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومات على جدول أعمالها بعد ثلاث سنين على إيداعه قلم المجلس من دون حراك! وبالفعل فقد شكلت لجنة مصغرة من أربعة نواب بدأت بدراسة المواد 28 لاقتراح القانون بمعدل جلسة كل أسبوع وقد توصلت إلى الاتفاق حول ثلث المواد حتى الآن بحيث إذا استمر عمل اللجنة على هذا المنوال من المتوقع جداً أن يتم الانتهاء من دراسة الإقتراح في لجنة الإدارة والعدل في غضون شهرين على أبعد تقدير وإحالته الى الهيئة العامة لمجلس النواب لإقراره خاصة وقد وعد الرئيس بري بذلك بعد لقائه مع أعضاء الشبكة بمناسبة اليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات في 28 أيلول الماضي. وكأن الخبر السار  لا يأتي دائماً وحيداً فبدوره صوّت مجلس الوزراء على التعديلات التي يقترح إدخالها على حق الوصول إلى المعلومات وأرسلها إلى مجلس النواب مما لا يترك المجال للنواب في المماطلة بأي حجة كانت.

ربما هذا من أكثر اقتراحات القوانين التي سيتم الإسراع في دراستها وبتها في تاريخ ولاية هذا المجلس مما يؤكد أن الشبكة قد لعبت دورها في الضغط على النواب على أكمل وجه. فمنذ شهر تقريباً قررت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية-لا فساد تفعيل عمل الشبكة (والتي تضم حوالي 80 شخصاً يمثلون وزارات وجمعيات ومنظمات ونقابات وغيره) كونها ترأس لجنة اللوبي فيها. وأعدت مع جمعية مهارات مجموعة من ورش تدريب الصحافيين على أهمية الحق في الوصول إلى المعلومات ودعوتهم لدعم تحركها. كما أعدت مع مركز قرطاج للبحوث إحصاءاً شمل أكثر من 1155 شخصاً تبين فيه استعداد الناس بنسب عالية لدعم أي تحرك يدافع عن حقها في الوصول إلى المعلومات بعدما شكا حوالي 75% من المشاركين بالإحصاء من اضطرارهم للجوء إلى الواسطة أو دفع رشوة للوصول إلى المعلومات من مؤسسات الدولة وإداراتها.

ما هو الحق في الوصول الى المعلومات؟

هو حق كرسته المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هذا العهد الذي بات له مرتبة دستورية في لبنان إذ تنص مقدمة الدستور عن التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما نصت عليه المادة 10 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقّع عليها لبنان في العام 2009. إلاّ أنه وللأسف يبقى حق الوصول إلى المعلومات كغالبية باقي الحقوق من دون آلية قانونية تضمن احترامه مما يعزز الشفافية في إدارات الدولة  ويشجع على المساءلة ويسهّل في مكافحة الفساد.

فكيف تحمي القوانين المواطن اللبناني وهو لا يستطيع أن يحصل على نسخة منها إلاّ في حال شراء الكتب والمراجع القانونية أو استشارة الخبراء؟ في وقت باستطاعة أي شخص من أي مكان في العالم الإطلاع على القوانين الفرنسية مثلاً عبر شبكة الانترنت! وما الفائدة من كل التعاميم التي يصدرها الوزراء ما دامت غير منشورة ومعممة على جميع الناس؟ من باستطاعته معرفة عدد الموظفين ورواتبهم وتعويضاتهم إلاّ قلّة من المسؤولين؟ كيف يمكن للنائب أن يراقب عمل السلطة التنفيذية وهي لا تنشر تقاريرها ولا موازناتها ولا مصاريفها ولا سياستها؟ كيف يمكن للمواطن أن يباشر في معاملة إدارية وهو لا يعلم عدد المستندات المطلوبة ونوعها أو مدة إنجازها أو الإدارات التي هي بحاجة لتصديقها؟ وفي النهاية ترفض المعاملات الإدارية من دون تعليل أو تؤول إلى جوارير النسيان لأنه لم تدفع رشوة لتسريعها. وقد جاء الإحصاء الذي أجرته الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية-لا فساد بالتعاون مع مركز قرطاج للبحوث والمعلومات مع عينة من 1155 شخصاً ليؤكد أن نسبة حوالي 75% من المواطنين يلجؤون إلى الواسطة والرشوة للوصول إلى المعلومات في مختلف إدارات الدولة اللبنانية.

أمّا الإحصاءات فحدّث ولا حرج! فلا أرقام ولا مصداقية فيها. فما هي مثلاً نسبة الوفيات بمرض السرطان  المتزايدة في كل أنحاء لبنان؟   ما هي نسبة مختلف أنواع السرطان وأعمار وأجناس المصابين به؟ هل من إمكانية للحصول على هذه الأرقام وغيرها التي هي مستند أساسي لتطوير الأبحاث العلمية والوقائية حفاظاً على أرواح الناس؟

لماذا لا يمكن الإطلاع على مداولات مجلس النواب ومجلس الوزراء غير السرية! كيف يمكن للمواطن أن يقترع بديمقراطية في حزيران 2013 وكل هذه المعلومات وغيرها محجوبة عنه؟ إن التيارات السياسية تتراشق الاتهامات عن عمليات الفساد والمناقصات المشبوهة والإثراء غير المشروع ولا إمكانية للتحقق من العقود وكيفية إجراء المناقصات ومدى احترام شروط التنفيذ، كما لا إمكانية لمراقبة أموال العاملين بالشأن العام من وزراء ونواب ومنتخبين وموظفين وقضاة وأمنيين وغيرهم!

إن لائحة الإفادة من حق الوصول إلى المعلومات تطول حيث الضبابية والاستنساب هما المعيار في مختلف قطاعات الدولة اللبنانية. وقد آن الأوان لإقرار اقتراح قانون الوصول إلى المعلومات الذي أعدته الشبكة الوطنية للحق في الوصول إلى المعلومات ووقعه مجموعة من النواب المنضوين في منظمة “برلمانيون لبنانيون ضد الفساد” وقدّموه إلى المجلس النيابي منذ ثلاث سنوات. مشكور النائب روبير غانم رئيس لجنة الإدارة والعدل على وضع اقتراح القانون على جدول أعمال اللجنة وشكراً لكافة أعضاء هذه اللجنة الذين شكلوا لجنة مصغّرة للإسراع في دراسة اقتراح القانون. إلا أننا في هذه المناسبة ندعو السادة النواب المعنيين للسماح لممثل عن هيئات المجتمع المدني بحضور هذه المناقشات والإسهام في الدفاع عن هذا الحق الذي أقرته دول عربية أخرى كالأردن في العام 2007 واليمن في العام 2012. كما أن المغرب  جعلت منه مبدأ دستورياً حيث نصت المادة 27 من الدستور الجديد في تموز 2011 على أن “للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العمومية. ولا يمكن تقييد الحق في المعلومة”. ناهيك عن أن الرئيس التونسي الجديد قد أصدر فور انتخابه مرسوماً يحمل الرقم 41 بشأن النفاذ إلى الوثائق الإدارية التي في حوزة المؤسسات العامة.

إقتراح القانون المقدم من الشبكة الوطنية للحق في الوصول الى المعلومات

لقد جاء في الأسباب الموجبة لاقتراح القانون أن الحق في الوصول إلى المعلومات من شأنه أن يعزز الشفافية في الإدارة ويساهم في الجهود الرامية لمكافحة الفساد كما يشرك المواطنين في عملية صنع القرار عبر:

“1- تمكينكل شخص من ممارسة الحق في الوصول إلى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة.

إن ممارسة هذا الحق تتم دون إثبات مصلحة مباشرة في الحصول على المعلومات. وتعتبر معلومات ومستندات إدارية جميع الوثائق التي تحتفظ بها الإدارة، بصرف النظر عن الحالة التي تُحفظ فيها ومصدرها. ويقصد بالإدارة الدولة وإداراتها العامة، المؤسسات العامة، الهيئات الإدارية المستقلة، الهيئات والمجالس ذات الطابع القضائي أو التحكيمي بما فيها المحاكم العدلية والإدارية والطائفية، البلديات واتحادات البلديات، المؤسسات والشركات الخاصة المكلفة بإدارة مرفق أو ملك عام، الشركات المختلطة، الجمعيات ذات المنفعة العامة، وسائر أشخاص القانون العام.

2- إلزام الإدارة بموجب النشر الحكمي السنوي لبعض التقارير والمستندات الإدارية.  ويجب أن تتضمن التقارير السنوية للإدارة معلومات حول آلية عمل الإدارة والصعوبات التي تعترض سير العمل والمشاريع التي نفذت والتي لم تنفّذ وأسباب عدم التنفيذ وأية معلومات أخرى ترى الإدارة ضرورة نشرها.

3- إلزام الإدارة بموجب تعليل قراراتها لإتاحة المجال أمام المواطنين بالوصول إلى اسباب القرارات التي حدت بالإدارة إلى اتخاذها وذلك تأميناً للشفافية وتجنباً للاستنسابية والتعسّف والحد من المراجعات القضائية. ولا تعفى الإدارة من موجب التعليل إلا في حالة إعلان الطوارئ والظروف الإستثنائية أو خلال ممارسة الإدارة لسلطتها الاستنسابية على أن تشير صراحة إلى ذلك في القرار غير المعلل.

4- تنظيم أصول وإجراءات طلب المعلومات. على الإدارة أن تسهّل عملية الوصول إلى المعلومات عن طريق حفظها المعلومات بشكل منظم وبترتيب يسهّل استخراجها ووضع سجلّ بالطلبات وتكليف موظف النظر في طلبات الوصول إلى المعلومات.

أما بما يتعلق بحسن احترام وتطبيق هذا الحق فقد أوكلت هذه المهمة بحسب اقتراح قانون الشبكة إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد المنوي إنشاؤها، بينما مشروع الحكومة اكتفى باللجوء إلى مجلس الشورى لتقديم الشكاوى والتحقيق فيها واتخاذ القرار بشأنها.

بغضّ النظر عن الجهة المعنية بالبت بالشكاوى والتي من المستحسن أن تكون هيئة خاصة أسوة بباقي الدول ومنعاً لإغراق مجلس الشورى بدعاوى تفوق طاقته، إلاّ أننا قد نتفهم في الوقت الحالي أن تحال هذه الشكاوى إلى المجلس خوفاً من أن يتم التصويت على القانون ويبقى معلق التنفيذ بحجة الإختلاف على تعيين أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تماماً كما حصل بموضوع وسيط الجمهورية الذي تم التصويت عليه عام 2005 وحتى الآن لم يتم تعيينه.

في الختام لا يمكن أن يستمر لبنان بتخلف مستمر في إرساء دولة الحق والقانون حيث لم يعد الطموح مقارنته بدول كفرنسا أو كندا أو اليابان بل أصبح أصبحنا نكتفي بالمطالبة بالتشبه بدول كتونس واليمن والاردن سبقتنا أشواطاً في احترام حقوق مواطنينها بمجالات عدة.

إن الإنتخابات النيابية المقبلة هي فرصة ذهبية يجب أن نستغل فيها السياسيين تماماً كما يستغلونا. فهم الآن بحاجة الى أصواتنا أكثر من أي وقت مضى وعليه علينا أن نرفع الصوت عالياً بوجه كل متقاعس منهم عن القيام بواجباته تجاهنا. ففعالية التشريع في هذا المجلس كانت أقرب إلى الصفر حيث لم يفِ بأي من وعوده البراقة. وآن الأوان ليعوض عن بعض كسله وتخاذله ويصوت على قانون الحق في الوصول إلى المعلومات ليصار بعدها إلى العمل على تطبيقه ولكن هذه قصة أخرى من المبكر بعد الغوص في غمارها!

العنصرية في المجتمع اللبناني: مرض الكراهية

العنصرية في المجتمع اللبناني: مرض الكراهية

بقلم: ماهر عوض

عندما حططت رحالي للمرة الأولى في مطار “غولييلمو ماركوني” في مدينة بولونيا الإيطالية، في أواخر آب من العام ٢٠٠١ أي قبل أيام قليلة من التاريخ الذي غيّر صورة العالم، أي ١١ أيلول ٢٠٠١، إستقبلني أحد الشبان اللبنانيين الذين  كانوا قد سبقوني إلى هناك قائلاً: “أهلاً بك  في بولونيا، إحدى أشد المدن عنصرية في إيطاليا”. دار ذلك الحديث في الحافلة التي كانت تقلنا من المطار إلى محطة القطار أي قبل أن أمشي خطوة واحدة في شوارع المدينة التي عشقت فيما بعد.

الحادي عشر من أيلول وصل إلى بولونيا بعيد وصولي إلى هناك، حاملاً معه تهديدات جعلت الكثيرين ممن ذهبوا حديثاً يعودون من حيث أتوا، خوفاً من ردات فعل الشعب الإيطالي العنصرية.

وبدأت رحلتي في المدينة، بدأت أسير في شوارعها، أتفحص وجوه المشاة المتنوعة: هذا كهل أفريقي، ذاك شاب مغربي، وتلك فتاة هندية، وهذه سيدة صينية… وبين هذا وتلك، يطالعك وجه من وجوه سكان البلاد الأصليين، أي “الطليان”. ومع مرور الزمن، بدأت أتعرف أكثر على هذه البلاد، وعنصرية شعبها… التي اكتشفت فيما بعد أنها ليست سوى “الخوف من الغريب”.

لسنا الآن بصدد التعمق في تفاصيل ما ذكرت، وكأني كلما رأيت أو سمعت أو قرأت عمّا يجري في لبناننا من جرائم متعلقة بالتمييز العنصري ينتابني شعور بالغضب الممزوج بالحزن والدهشة والإشمئزاز. فالعنصرية هي آفة تجتاح المجتمع اللبناني كي لا نقول أنها عادة متأصلة فيه. وقد برزت المشكلة في السنوات الأخيرة لعدة أسباب، أهمها تزايد عدد العمال العرب والأجانب في البلد، إضافة إلى الدور الذي أصبحت تلعبه منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تسليط الضوء على هذه الظاهرة.

تتوزع العنصرية في لبنان إلى قسمين: العنصرية الداخلية والعنصرية الخارجية.

 

العنصرية الداخلية

 

هي عنصرية اللبنانيين فيما بينهم والتي تتجلّى بوضوح في حياتنا اليومية. فلا تكاد تطلع شمس نهار إلا ونسمع أو نرى تصرفاتنا العنصرية واضحة كعين الشمس. ولعلنا جميعاً نذكر ما قيل مؤخراً عن الإعلامية الكبيرة مي شدياق على أنها “نصف إنسان” إشارة إلى إعاقتها الجسدية التي تسببت بها محاولة الإغتيال المعروفة. ولكن أيّاً تكن أسباب إعاقة الإنسان،لا يحق لأحد الإستهزاء به أو تذكيره بإعاقته. فتصرف كهذا ينم عن تخلف وهمجية لا مجال لتبريرها مهما كانت الظروف ومهما كان عمق الإختلاف السياسي. ولكن ما قيل في شدياق هو ذرة في مجرة! فلا غضاضة في القول بأن اللبنانيين “يتباهون” بعنصريتهم فيما بينهم، والتي في كل فترة من الزمن تصطبغ بصبغة مختلفة قد تتوازى مع الظروف السياسية في البلاد. فخلال الحرب الأهلية كانت العنصرية مسيحية- إسلامية، وأصبحت الآن سنية- شيعية أو في أحسن الأحوال “عنصرية” مبنية على واقع الإختلاف السياسي بين فريقي 8 و14 آذار.

أضف إلى ذلك التمييز المناطقي الذي قد تصل حدته في بعض الحالات إلى مستوى عنصري! فلكل سكان منطقة من لبنان أحكام جاهزة ومسبقة ينعتون بها أبناء باقي المناطق. ولا داعي لذكر هذه النعوت هنا لأن بعضها يخرج عن نطاق الآداب العامة!

وللأسف الشديد، فإن هذه المشاعر العنصرية تتأجج لتبلغ ذروتها في أيام الإنتخابات أو الأزمات السياسية والأمنية وذلك بتشجيع من المرشحين والسياسيين الذين لا يجدون وتراً أسهل وأقوى من الوتر الطائفي للعب عليه. فيشتد الشحن الطائفي والمناطقي على حد سواء. وكم من مرة سمعنا خطاب هذا المرشح او ذاك، الذي ينصّب نفسه فيه منقذاً ومخلّصاً لطائفته في خضم خوض الهجوم على “اللبناني الآخر” إلى درجة شيطنته.

العنصرية الخارجية

أما بالنسبة للعنصرية الخارجية فحدّث ولا حرج! لأن اللبناني “بارع” في هذا المجال. فمنذ مرحلة الثمانينات، ومع تدفق الأجنبيات إلى لبنان من سريلانكا والفيليبين واثيوبيا للعمل كخادمات في منازل الميسورين من اللبنانيين، تلك الخادمات شكلنّ الحل بعدما بات من الصعوبة الحصول على خادمة مصرية أو فلسطينية أو سورية، كما كانت الحال قبل الحرب، وذلك لأسباب إقتصادية وسياسية ونفسية، وبسبب تدني تكلفة تشغيل الخادمة الآسيوية، وميل اللبنانيين المحموم إلى المفاخرة الإجتماعية. وقد تحولت هذه الحالة إلى ظاهرة عامة تعم لبنان.  فقلما يخلو منزل من “صانعة”، وأصبح من المعيب طبعاً أن تسير السيدة اللبنانية في الشارع غير متبوعة بـ “صانعتها” التي تحمل الأكياس وراءها. وسرعان ما تحولت هذه “الصانعة” إلى عبدة بكل ما في الكلمة من معنى، فهي عرضة لكافة أنواع الإهانات من ضرب وتعذيب وسجن واغتصاب واستهزاء وما إلى هنالك. كيف لا والشروط القانونية والإدارية الخاصة بمستخدمات المنازل الأجنبيات تتركهنّ في وضع هش وضعيف أمام سوء المعاملة والإستغلال. فليست هناك ضوابط تحدد لهؤلاء ساعات العمل بموجب عقد واضح وصريح، وبعضهنّ يعمل على مدار الساعة، منذ النهوض من الفراش صباحاً وحتى العودة إليه مساءً. ومع غياب عقود العمل يتعذر الحديث عن أي نوع من أنواع الضمان الصحي أو الإجتماعي. أما إذا تعرضت للضرب أو التعذيب أو الإغتصاب وأتيحت لها الفرصة للذهاب إلى مخفر الدرك فهي غالباً ما تصبح عرضة للـ “مسخرة” من عناصر هذا المخفر لأنهم في الغالب لا يتعاملون معهنّ على أساس إنساني، وقد يتم توقيفها بدلاً ممن تدعي عليه  وخاصة إذا كان هذا الأخير أحد الوجهاء!

منذ عامٍ ونيف، كنت ماراً في أحد شوارع طرابلس “الشيك” وإذا بي أرى إحدى هؤلاء الخادمات تقف على ناصية هذا الشارع وهي ترتدي الزي الخاص بها كخادمة، تطلق صريخاً حاداً وتحمل صورة سيدة لبنانية أنيقة بين يديها وتتلفظ بكلمات غير مفهومة. كان الوقت قرابة الظهيرة والشارع مكتظ بالمارة، لكن أحداً منهم لم يلتفت إليها، وإن التفت فتكون هذه الإلتفاتة مصحوبة بابتسامة صفراء تنم عن عدم اكتراث.

دنوت منها بلطفٍ وحذر لما أثارته في نفسي من فضول وشفقة ممزوجين مع بعض الخوف الناتج عن تجاهل الجميع لها وكأنها حيوان جائع!  ولم تكد تلحظ وجودي حتى هدأت وصمتت لبرهة ثم عادت وتكلمت ولكن هذه المرة نطقت بلغة عربية مفهمومة مشيرة إلى الصورة: “مدام بيضربني… مدام بيشدني من شعري… مدام ما بيطعميني… مدام بينيمني عل بلكون.. أنا ما بدو يرجع لعند مدام … أنا بدو يروح على فيليبين”. فأمسكت بيدها واصطحبتها إلى اقرب مخفر للدرك دون التفكير بما قد يترتب على هذا الامر من تداعيات ومتاعب أنا بغنىً عنها. ولدى دخولنا إلى المخفر، أخذ العناصر يحملقون بي. وشرحت باختصار سبب مجيئنا إلى المخفر دون أن أحظى بالإهتمام الذي كنت أتوقع، إلى أن جلسنا نا وهي ونظر أحد العناصر إلى الصورة التي كانت تحملها فصرخ مذعوراً: إنها “صانعة” مدام X فحبذا يا أستاذ (موجهاً كلامه لي) لو أنك تبتعد وتبعدنا عن هذه المصيبة! وقد تبين لي فيما بعد أن مدام X هي زوجة أحد كبار المسؤولين في المدينة. فنفضت يدي من الموضوع وأكملت نهاري وكأن شيئاً لم يكن.

وليست حادثة “صانعة مدام X” بالفريدة من نوعها، فهناك الكثير من الحوادث المشابهة. فالمجتمع اللبناني بكافة شرائحه وفئاته شديد العنصرية تجاه هؤلاء “البشر”! فمن منا لم يسمع عن المسابح المنتشرة على طول الشاطئ اللبناني من الشمال إلى الجنوب والتي تمنع دخول الأجنبات إليها. وليس جميع الأجنبيات، وإنما الأجنبيات من الفئة التي نتكلم عنها مع العلم أن القانون ينص على أن الدخول إلى هذه المسابح مسموح لكل من يدفع تعرفة الدخول.

ولا ننسى واقعة مضيفة الطيران في شركة طيران الشرق الأوسط التي نهرت بالميكروفون في مطار بيروت الدولي مجموعة من الفيليبينيين قائلة: “filippino people stop talking”. أو عن الإثيوبية  التي انتحرت بعد أن تحولت حياتها إلى جحيم بسبب سوء المعاملة ملقية بنفسها من نافذة منزل مخدوميها أو عن عاملة البوتيك الأنيق في وسط بيروت التي طردت زوجة سفير إحدى دول جنوب آسيا ظناً منها أنها “صانعة”!

ومن منا لا يرى بأم عينه الإستهزاء الذي تتعرض له هذه الفئة عندما تمشي في الشارع! فالأغلبية الساحقة تتعامل معهن على أنهن “ملطشة للرايح والجايه”. لكن لو أننا نغمض أعيننا ونفكر قليلاً بهؤلاء البشر وبالظروف الجائرة التي أجبرتهم على المجيء من بلدان بعيدة، تاركين وراءهم أهل وأصحاب وأحباب بحثاً عن الرزق مقابل أجور متدنية (السريلانكية قرابة 150 دولارًا، والفيليبينية قرابة 200 دولار أميركي) وهي مبالغ لا تسمن ولا تغني من جوع. لو أننا نفكر بأن الغالبية الساحقة منهن تأتي من مناطق ريفية ولا يفقهن شيئاً من أساليب الحياة العصرية ولا حرفاً واحداً من لغتنا  ولا حتى أسلوب الحياة التي نعيشها ولو  أننا تعاملنا معهن على أساس أنهن مستخدمات ولسن عبيداً ولو أننا نتصرف معهن على أنهن بشر ذوي مشاعر وأحاسيس ولسنَ روبوتات مصنوعة للعمل بدون توقف، لكان الحال أفضل بكثير. وأنا على يقين بأننا نحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد والثقافة للوصول إلى تلك المرحلة من الوعي. مع العلم بأن العديد من هؤلاء قد يرتكب أفعالاً جرمية تستحق العقاب. فنحن على علم تام بأنهنّ بشر ولسن ملائكة وفي الكثير من الأحيان تكون هذه الجرائم على قدر كبير من الإحتراف.

الجدير بالذكر أنه وبسبب غياب أنظمة حماية النازحات من قبل حكوماتهن أو حكومات الدول التي تستقبلهن، ظهرت شبكات غير رسمية لعاملات المنازل في لبنان وهذا ما دفع بالعاملات المستقلات إلى إنشاء مجتمعات للتواصل الاجتماعي للنساء عبر تأمين الملجأ للواتي يهربن من مستخدميهن وإلقاء الضوء على أوضاعهن إلى جانب المجموعات المدنية ومنظمات حقوق الانسان.

والحل هو البدء بإصدار قوانين تحفظ حقوق هذه الفئة من الناس. والأهم تغيير النظرة العنصرية تجاه “الآخر” سواء كان سريلانكياً أو هنديا أو سورياً أو سودانياً أو حتى لبنانياً.

الحق في الوصول إلى المعلومات – 2

Muwaten Cover - 25

الوضع الراهن في لبنان يالنسبة لحق الوصول إلى المعلومات:

تفتقد الإدارة اللبنانية حالياً إلى الشفافية فالمعلومات التي تملكها الحكومة غير متاحة للمواطنين بشكل عام ويبقى الوصول إلى المعلومات في الوقت الراهن الإستثناء للقاعدة.

بالتالي، تخرق الممارسات الحالية الحق في الوصول إلى المعلومات المنصوص عنه في الدستور اللبناني ومن خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان. بشكل خاص، تنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الحق في “السعي إلى الحصول على المعلومات وإستلامها ونقلها”، في حين أن المادة 13 من معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (التي صادق عليها لبنان في تشرين الأول 2008) تنص على تنفيذ هذا الحق من خلال وصول المواطنين إلى المعلومات.

في المبدأ، لا تتيح القوانين اللبنانية والممارسات الإدارية الوصول إلى السجلات الحكومية، لكن ذلك لا يعني أنها معادية بشكل مطلق لتطبيق حق الوصول إلى المعلومات فهناك أحكام متفرّقة تنص بوضوح على الكشف.

نقدم في الجزء التالي نبذة عن الإطار القانوني والتنظيمي اللبناني الحالي الذي يحكم نشر المعلومات وتعليل القرارات الإدارية وتقديم المعلومات عند الطلب. يعزّز هذا الموجز للقوانين القائمة فهم التعديلات التي يسعى إليها قانون الحق في الوصول إلى المعلومات المقترح والتحدّيات القادمة.

  • نشر المعلومات

يقع وضع القواعد وإصدار القرارات الفردية ضمن صلاحيات الإدارة ومهامها، إلا أن هذه القرارات لا تنشر بمجملها. تبلّغ الإدارة القرارات الخاصة بفرد ما إلى الأفراد أو الهيئات المعنية ولا تجعلها بمتناول جميع المواطنين. أما بالنسبة للمراسيم وسائر الأعمال التنظيمية الصادرة عن السلطة التنفيذية، فيجب من حيث المبدأ نشرها في الجريدة الرسمية. بالمقابل، لا تُنشر عادةً الأعمال الإدارية مثل التعاميم أو التوجيهات التي تشكل تفسيراً للقوانين والأنظمة النافذة، أو تفاصيل إجرائية للإنفاذ، أو حتى بنوداً تنظيمية، مما يعيق الفهم الشامل للإطار القانوني والتنظيمي وبالتالي يحدّ من تمتّع الأفراد بحقوقهم بشكل فعّال.

بالإضافة إلى وضع القواعد وإصدار القرارات، تنفّذ الإدارة مهامها من خلال أداء الواجبات التي يحددها القانون. على سبيل المثال، تنفق الإدارة الأموال العامة التي تخصصها الحكومة وتبرم عقوداً للسلع والخدمات وبشكل عام، تتفاعل مع الهيئات العامة والخاصة والأفراد. تعتبر التقارير مفيدة لفهم وتقييم ما حققته الإدارة والصعوبات التي واجهتها. تعدّ بعض الهيئات العامة مثل البنك المركزي أو التفتيش العام أو ديوان المحاسبة تقريراً سنوياً وتنشره في الجريدة الرسمية. ولكن في غياب شرط يُلزم جميع الإدارات العامة بإعداد هذه التقارير ونشرها، يصعب تقييم إنجازات الإدارة ومساءلتها عن أعمالها ونشاطاتها.

  • تعليل القرارات الإدارية

حالياً لا تلزم الإدارة بتعليل قراراتها. وبالتالي قد يعتبر الأفراد المعنيون أو الهيئات القانونية المعنية بهذه القرارات أنها غير مبرّرة أو غير عادلة. غير أن هناك إستثناءات للقاعدة أعلاه وقد حُدّد بعضها منذ زمن بعيد: ينبغي مثلاُ تعليل القرارات الرسمية التالية: قرار وزارة الداخلية والبلديات بإغلاق الأماكن التي تنظم فيها إجتماعات لجمعية يعتبر الوزير نشاطاتها غير قانونية وقرار وزير التربية والتعليم العالي رفض طلب رخصة لفتح مدرسة خاصة وقرارات البنك المركزي الخاصة بدمج مصارف.

في المقابل، سيلزم إقتراح القانون الإدارة بتعليل وبصورة دائمة أسباب القرارات التي تمسّ بحقوق الأفراد.

  • تقديم المعلومات عند الطلب

إن عدد السلطات العامة الملزمة بتقديم المعلومات عند الطلب محدود حالياً. أما الأحكام الأكثر تقدماً التي ترعى هذه السلطات فجاء معظمها من القانون المقارن في قطاعات مثل البيئة أو الإتصالات حيث أجريت إصلاحات مؤخراً.

في المقابل، يلزم إقتراح القانون الإدارة بالإحتفاظ بسجلات شاملة وتوفيرها للمواطنين عند الطلب. يتم تحديد المعلومات بشكل واسع وسيحق للإدارة حجب المعلومات على أساس السريّة حصراً في الحالات المنصوص عنها بشكل صريح ومحدّد في القانون.

‌أ-       الخطوات اللاحقة:

يشكل تنفيذ قانون الوصول إلى المعلومات شرطاً مسبقاً للتوصل إلى حكومة شفافة في لبنان، إلا أن تنفيذ القانون وحده لن يكون كافياً لتحقيق هذا الهدف. في ما يلي الأعمال القانونية والتنظيمية اللازمة لوضع القانون قيد التنفيذ.

  • سن قانون هيئة مكافحة الفساد

يشير إقتراح قانون الوصول إلى المعلومات إلى هيئة مستقلة مهمتها الأساسية تقديم الإرشاد للإدارة حول تطبيق القانون وتلقّي الشكاوى المتعلقة بعدم الإلتزام بالقانون.

من الضروري التدقيق في القوانين والأنظمة التي ستحكم بنية الهيئة المستقلة وعملها، وذلك بهدف إنشاء هيئة رقابة مستقلة متينة. تتضمن هذه الأنظمة على سبيل المثال تلك المتعلقة بتمويل الهيئة وتعيين أعضائها (لا سيما الطرف الذي سيعيّنهم) وفترة تعيينهم.

تبيّن تجارب الدول التي طبقت القانون أن عدم إنشاء سلطة مستقلة لمراقبة تنفيذ قانون الوصول إلى المعلومات يحدّ من فعاليته. لذلك، فإن الجهود ضرورية للضغط من أجل تأسيس هيئة مستقلة ستسهّل التطبيق الكامل للحق في الوصول إلى المعلومات، ذلك بالإضافة إلى وظائفها المتعلقة بمكافحة الفساد.

  • تعيين أعضاء الهيئة

يتطلب إنشاء الهيئة الفعلي مرسوماً تطبيقياً وتعيين أعضاء لها. تجدر الإشارة إلى أنه تم إقرار عام 2005 قانون وسيط الجمهورية- الذي هدف إلى وضع منهجية لحلّ النزاعات بين المواطنين والإدارة اللبنانية. غير أن غياب المراسيم التطبيقية أدى إلى عدم تعيين وسيط للجمهورية، وبالتالي إلى إبطال فعالية القانون. من أجل تجنّب حالة مماثلة بالنسبة لقانون الوصول إلى المعلومات والهيئة، من الضروري الضغط لوضع المراسيم التطبيقية وتعيين أعضاء الهيئة بأسرع وقت ممكن بعد إقرار القوانين.

  • تعيين موظفي المعلومات

يلزم إقتراح قانون الوصول إلى المعلومات الإدارة بتعيين موظفي المعلومات المسؤولين عن تقديم المعلومات المطلوبة للمواطنين والعمل كنقاط إتصال بين المواطنين والإدارة.

عند إقرار قانون الوصول إلى المعلومات، سيكون من الضروري الضغط على الإدارة لتعيين موظفي معلومات مؤهّلين لكي يساهموا في تعزيز ثقافة الشفافية في كل إدارة. بما أن بعض الجامعات اللبنانية تقدم شهادات متقدمة في علم المعلومات، يمكن تعيين موظفين مؤهّلين في هذه المراكز.

  • إعداد سجلات شاملة

يجب أن تعدّ الإدارة سجلات شاملة لتقديم المعلومات ضمن المهل الزمنية المحددة في إقتراح القانون، مما سيتطلب إعداد منظمة معلومات إلكترونية وحفظها وتدريب الأشخاص الذين سيعملون على هذه السجلات.

عند إقرار قانون الوصول إلى المعلومات، سيكون من الضروري ممارسة الضغط على مجلس الوزراء والبرلمان لتخصيص الموارد المالية الكافية لبناء القدرات والمعدات، وتطوير أنظمة المعلومات الإلكترونية وتدريب العاملين في القطاع العام.

  • نماذج الطلبات والمعلومات العامة

ينبغي صياغة نماذج طلبات وإرشادات واضحة وسهلة الفهم للطلبات. لتحقيق المزيد من الفعالية، يجب أن تقوم الهيئة بإعداد هذه الوثائق، مع إمكانية منح كل إدارة حرية إعداد نماذج طلبات تتماشى مع المستندات التي تحفظها.

1-    تحديات تطبيق الوصول إلى المعلومات:

من الضروري تمييز التحديات المحتملة ومعالجتها في سبيل إنفاذ قانون الوصول إلى المعلومات بنجاح. عوائق الإنفاذ الأكثر شيوعاً على المستويين العالمي واللبناني:

‌أ-       سرية الحكومة:

غالباً ما ينظر إلى الحكومات على أنها مترددة في نشر المعلومات التي تتعلق بسياساتها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. لكن القلق الأبرز المتعلق برفض الإفصاح عن المعلومات يعود إلى الضرر الذي قد يلحق بالأمن القومي. ومع أن الأمن القومي مصدر قلق دائم، إلا أن إمتناع الحكومات عن الإفصاح عن المعلومات على هذا الأساس سيؤثر على ثقة المواطنين في الحكومة. حتى الدول التي تعتمد قوانين الوصول إلى المعلومات والآليات لدعم الحكومة المفتوحة ما زالت تعاني من شعور المواطنين بقلة المعرفة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يشير مسح للآراء أجري عام 2005 بأن 70% من المواطنين شعروا “ببعض القلق” أو “بالقلق الشديد” حول سرية الحكومة وأن أكثر من نصفهم إعتبروا أن على الحكومة توفير الوصول إلى سجلاتها بشكل أوسع. إعتبرت التقارير الإخبارية حول مسح الآراء أنه يوجد رابط بين نتائج المسح والقلق المتزايد في شأن سرية الحكومة منذ أحداث 11 أيلول 2001.

في شباط 2009، إستخدم وزير العدل البريطاني جاك سترو حق الفيتو لإبطال قرار محكمة المعلومات بنشر محاضر إجتماعين مثيرين للجدل لمجلس الوزراء أجريا في آذار 2003 حول المشاركة البريطانية في حرب العراق. في لبنان، يجب مراقبة هذه المسألة عن كثب نظراً للقلق حول الأمن والتوترات السياسية.

‌ب-   التأخيرات:

توازي المعلومات المتأخرة المعلومات المرفوضة. عادة، تلزم قوانين الوصول إلى المعلومات الهيئات الحكومية بالإستجابة للطلب ضمن مهلة محددة، بمعدل أسبوعين أو أربعة. ينص إقتراح قانون الوصول إلى المعلومات اللبناني على أن تستجيب المؤسسة الحكومية المعنية 15 يوماً بعد تقديم الطلب. ويمكن تمديد هذه الفترة لمدة 15 يوماً إضافياً، بحيث يكون المجموع 30 يوماً على الأكثر. تشير الدروس المستفادة من الدول التي طبّقت قوانين الوصول إلى المعلومات لعدة سنوات أنه من الضروري تحديد مدة زمنية في القانون، بين الطلب وإستلام المعلومات. في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، لا يحدد القانون مدة زمنية محددة لإستجابة المسؤولين لطلبات المواطنين. وأدى هذا إلى الكثير من التأخيرات، ويستغل المسؤولون هذه الفرصة لعدم الإستجابة بوقت مناسب.

‌ج-    الرسوم:

تسمح الكثير من قوانين الوصول إلى المعلومات للهيئات الحكومية بطلب رسوم من المواطنين الذين تقدموا بطلبات للحصول على المعلومات. غير أن الرسوم تحدّ من الرغبة والقدرة على طلب المعلومات من الهيئات الحكومية، وخصوصاً في حالة الأسر المحدودة الدخل. في إيرلندا، على سبيل المثال، وبعد تطبيق رسوم على الطلبات والإستئنافات، إنخفض عدد الطلبات إلى أكثر من 50. في أستراليا، رسوم الإستئناف عالية جداً لدرجة أن القليل يستطيع تحمّل تكاليفها. تكمن الممارسة الفُضلى في الحد من الرسوم لتغطية التكاليف الواقعية فقط، أو عدم فرض الرسوم بتاتاً. من هذه الناحية تشير المادة 20 من إقتراح القانون الوصول إلى المعلومات اللبناني بأن الوصول إلى الوثائق الإدارية يتم من دون مقابل في الأماكن التي يمكن العثور عليها، ما لم تمنع ذلك أسباب الحفظ الفعليّ للوثائق في الأرشيف. كما أن الجهة المعنية ستتلقّى نسخة أو صورة عن النسخة المطلوبة على نفقتها الخاصة، بشرط ألا تتعدى هذه التكلفة تكلفة النسخ أو التصوير أو الكلفة المحددة بحسب القانون.

‌د-      قلة وعي المواطنين:

في معظم الدول النامية، لا يتمتع المواطنون بدراية كاملة في كل ما يتعلق بحقوقهم وكيفية تطبيقها، وذلك حتى في الدول التي تعتمد قوانين الوصول إلى المعلومات منذ أكثر من عقد. في هذا الإطار، يجب على المواطنين أن يكونوا على وعي بأن هذا الحق معترف به دولياً ومكرّس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إذا قصّرت الحكومات في التوعية الشاملة حول قوانين الوصول إلى المعلومات والحقوق المتعلقة بها، على منظمات المجتمع المدني والإعلام أن تعمل على تثقيف المواطنين وتروّج لإستخدام القوانين.

‌ه-      البيروقراطية الناقصة:

في بعض الدول التي تطبّق قوانين الوصول إلى المعلومات، قد تعيق تعقيدات البيروقراطية الحكومية هذا الحق فبالرغم من نشر بعض السجلات والوثائق الرسمية، تعمّم هذه الوثائق بحسب أنظمة هرمية صارمة. على سبيل المثال، إذا طلب مواطن معلومات من دائرة معيّنة، وتلك الدائرة تعمل تحت سلطة ديوان أعلى، قد يتأخر الوصول إلى المعلومات أو قد يرفض تماماً. ومع أن هذا قد يحصل في الدول التي تطبّق قوانين الوصول إلى المعلومات، إلا أن البيروقراطية المتأصّلة من أهم المعوقات في الدول التي لا تعترف بحرية المعلومات. تعاني الحكومة اللبنانية من مستوى منخفض من التجاوب الإداري نظراً للمشاكل المتعلقة بالفساد والمستوى العالي من إحتكار المعلومات. يجب معالجة هذه المسائل بموازاة مسألة إصلاح الوصول إلى المعلومات.

2-    فوائد قانون الحق في الوصول إلى المعلومات للجهات المعنية:

يقدم الوصول إلى المعلومات فوائد عديدة للجهات المعنية، فهو:

– يحدّ من الفساد.

– يعزّز مساءلة الحكومة.

– يسمح لمشاركة المواطنين في إتخاذ القرارات الحكومية.

– ينشئ بيئة إستثمارية أكثر أماناً.

– يعزّز الثقة بين المواطنين والدولة بالرغم من أن الوصول إلى المعلومات له أثر على كافة فئات المجتمع.

من المفيد أن ننظر إلى المنافع من وجهة نظر مختلف الجهات المعنية، أي:

– الأفراد (المواطنين)

– المنظمات غير الحكومية

– الإعلام

– البرلمانيين والسياسيين

– العاملين في القطاع العام

– القطاع الخاص

يحدد كل من الأقسام التالية فوائد محددة مع دراسات حالات تبيّن أثر قوانين الوصول إلى المعلومات على كل قطاع.

أ-  الأفراد:

  • كيف يمكن للأفراد الإستفادة من قانون الوصول إلى المعلومات؟

–     الوصول إلى المعلومات يسمح للأفراد بمراقبة عملية إتخاذ القرارات في الحكومة بشكل أكثر فاعلية.

–  يعزّز المسار الديمقراطي حيث سيتمكن المواطنون من المشاركة في النقاشات العامة ومن حقّهم الديمقراطي بالتصويت بناءً على وقائع يمكن التحقّق منها وليس على التكهّنات.

–   يعرّض الحكومة للمساءلة حيث أنه سيسمح للأفراد بمقارنة وعود السياسيين مع ما تحقّقه الحكومة فعلياً.

– يوفّر الوصول إلى أسباب القرارات الإدارية التي تمسّ بحقوق المواطنين كما يحمي في الوقت عينه الإفصاح عن المعلومات الشخصية.

‌ب-   المنظمات غير الحكومية

  •       كيف يمكن للمنظمات غير الحكومية الإستفادة من الوصول إلى المعلومات؟

– لمزيد من الأبحاث والمراقبة المبنية على معلومات دقيقة.

– إتخاذ القرارات وتحديد الأولويات التنظيمية بشكل أفضل.

– المزيد من الثقة لدى المشاركة في عمليات إتخاذ القرار الحكومية.

– المزيد من المساهمة في المداولات حول السياسات العامة.

– إنتاج معلومات جديدة يمكن تبادلها مع الحكومة وفرقاء آخرين من المجتمع المدني.

‌ج-    الإعلام:

  • كيف يمكن للإعلام (المطبوع والمرئي والمسموع والإعلام الجديد) أن يستفيد من الوصول إلى المعلومات؟

– نشر معلومات أكثر دقة وموضوعية حول المواضيع ذات الصلة وبالتالي تعزيز مصداقية الإعلام تجاه المواطنين.

– الإلتزام بمهمة المراقبة من خلال مراقبة المسارات السياسية بناء على معلومات دقيقة.

– التأثير على عملية إتخاذ القرار من خلال الحصول على المعلومات في الوقت المناسب.

د-      البرلمانيون والسياسييين ما هي أهمية المعلومات بالنسبة للبرلمانيين والسياسيين؟

– تمكين المشاركة في المداولات حول السياسات العامة بناءً على معلومات دقيقة.

– صياغة أسئلة تشريعية.

– بناء الثقة وتمكين التواصل مع الناخبين بناءً على معلومات دقيقة.

– مراقبة أعمال الحكومة نيابةً عن الناخبين.

‌ه-      العاملون في القطاع العام:

  • كيف يستفيد العاملون في القطاع العام من قانون الوصول إلى المعلومات؟

– سيساعد القانون العاملين في القطاع العام على القيام بدورهم بفعالية أكبر وبالتالي على تحسين صورتهم لدى الرأي العام.

– إن شروط الكشف التلقائي لبعض المنشورات ستزيد من وعي المواطنين حول مواضيع عديدة وستظهر إنجازات الإدارة.

– سيعزّز هذا القانون آليات التنسيق بين الإدارات العامة.

– يمكن للعاملين في القطاع العام إستعمال القانون للإفصاح عن معلومات تتعلق بالإحتيال أو الفساد أو السلوك غير الأخلاقي داخل الإدارة.

‌و-     القطاع الخاص:

  •         كيف سيساعد هذا القانون أصحاب المؤسسات التجارية؟

– سيؤدي تبني القانون إلى الوصول إلى معلومات تتعلق بالأنظمة والقرارات التي تتخذها المؤسسات والهيئات الحكومية (مثل خطط الشراء، والإحصاءات، ومعلومات عن السوق).

– يروّج القانون لاستقرار الأسواق الإقتصادية ويبني الثقة في قطاع الأعمال.

– يساهم تعزيز الوصول إلى المحفوظات الحكومية في مواجهة دعاوى قضائية أو شكاوى إدارية تقدمها الحكومة أو أفراد ضد الشركات.

– يزيد القانون من مستويات الشفافية والمساءلة في العلاقات التجارية بين الشركات والحكومة، وفي الحكومة كمظم لقطاع الأعمال.

المرجع:

الوصول إلى المعلومات – دليل متعدد القطاعات للبنان

إصدار الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومات