Monthly Archives: December 2012

دور الإعلام في الشفافية وفي الوصول إلى المعلومات

خلال مؤتمر نظمته اليونسكو بالتعاون مع كلية الصحافة في جامعة كوينزلاند في اوستراليا في شهر أيار من العام 2010، تم اعتماد “إعلان الحق في الوصول إلى المعلومات” الذي أشار إلى أن ضمان الحق في المعلومات “أمر حاسم لاتخاذ قرارات مستنيرة، للمشاركة في الحياة الديمقراطية، لرصد الإجراءات العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ويمثل أداة قوية لمكافحة الفساد”. وتطرّق الإعلان إلى دور الإعلام في هذا المجال حيث اعتبر أن “الإعلام له دور فعال في تحقيق تمكين الشعب، وتعزيز ثقة المجتمع المدني، وتعزيز المساواة بين جميع الفئات في المجتمع”.
في لبنان لا تزال قيود كثيرة، على صورة قوانين أو تعليمات أو تسريبات ومصادر، تقف حائلاً دون أن يصبح الإعلام على نمط ما حدث في بلدان أخرى، المحرك الأول الذي يفرض إقرار حق المواطن في الإطلاع كمقدمة قانونية واضحة لثقافة المكاشفة والمساءلة، إلى جانب محركات أخرى مثل النقابات والإتحادات العمالية والأحزاب والجمعيات غير الحكومية.

Media

هناك إجماع في العالم اليوم على أن هناك ترابط بين الحق في الحصول على المعلومات وتداولها وبين الحقوق المدنية والسياسية وخاصة حرية التعبير. إذ يعتبر نقص المعلومات وغياب الشفافية وفرض الرقابة على وسائل الإعلام أحد أهم أسباب الأزمات السياسية والإقتصادية في العالم، حيث أن الفساد والديكتاتورية هما المستفيدان من عدم تداول المعلومات.
ويشير “مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة”، وهو مؤسسة دولية تعمل في مجالي تعزيز الأمن والديمقراطية، إلى أن هناك اليوم 250 مليون مواطن عربي محرومون من حق الحصول على المعلومة بالإضافة إلى آلاف الإعلاميين العرب الذين لا يُسمح لهم بالحصول على وثائق موجودة لدى المؤسسات الرسمية. مع العلم بأن من المتطلبات الأساسية للمواطنين العرب منذ بدء الربيع العربي، هو أن تخضع أجهزة الأمن للمساءلة وقوانين ديمقراطية ومعايير الشفافية.

حرية الإعلام والحق في الإطلاع

قبل الإشارة إلى سبل تحريك الإعلام لحق الإطلاع، لا بد من التذكير أن الإعلام بطبيعته قائم على فكرتي الإخبار والتوجيه في نصوص الخبر والرأي، وهو وإن لم تكتمل عناصره الموضوعية لإرساء ثقافة الشفافية، يساهم لا إرادياً بهذا الإرساء.
الشأن العام هو شأن العامة (The Public Business is the Public’s Business)، رُفع هذا الشعار في الخمسينات في بعض مستعمرات الكومنولث السابقة، حين تنامى الامتعاض من الحكومات السرية. يومها تم الضغط على الصحافة للمطالبة بحكومة مفتوحة. ومنذ ذلك الحين تأسس  حق الإطلاع والوصول إلى المعلومات الذي يضمن الشفافية وعليه تُبنى المساءلة في مناخ الصحافة، وأخذ مجراه إلى القانون في 4 تموز 1966 في الولايات المتحدة الأميركية في قانون حرية المعلومات (Freedom of Information Act)، ثم تطور إلى ما عُرف لاحقاً بالقوانين المشرقة (Sunshine Laws ).
لكن حق الإطلاع في الإعلام يتصل بمستويين: الأول حق بين المواطن والإدارة، وهو ما يمكن وصفه بحق التقصي، وهو إطلاع المواطن/ الصحافي على المعلومات الرسمية، أي في دوائر الإدارة. وهذا لا يتبلور إلا ضمن ثقافة سياسية ترى أن المصلحة الوطنية والأمن القومي لا يمكن أن يتكونا إلا إذا كان “القوم يعلمون”. والثاني حق بين المواطن والإعلام، وهو ما يمكن وصفه بحق التلقي وهو تلقي المواطنين للمعلومات الإعلامية بأمانة، وذلك يتعلق بمستوى النشر وأمانته في الصحف لكون الإعلام بطبيعته جهاز اطلاع. فليس مصادفة أن يكون الإعلام إسماً في اللغة العربية مرادفاً للإطلاع. لكنه للأسف يتجلى مرادفاً لغوياً أكثر من كونه مرادفاً للواقع!

حق التقصي
في حق التقصي هناك عوائق كثيرة أمام وصول المواطن والصحافي إلى كواليس الادارة، وأعقدها العائقين السياسي والقانوني. فهناك إشكالان على المستوى القانوني، الأول يتصل بالفراغ القانوني المتعلق بحق الإطلاع والوصول إلى المعلومات، والثاني يتصل بالقوانين المضادة التي تمنع الإطلاع.
فيما يتعلق بالفراغ القانوني (وإن يرى بعض المختصين أن القانون اللبناني عموماً يسمح بالإطلاع باستثناء بعض الحالات كسرية المداولات الحكومية، وسرية شؤون الدفاع، والأمن العام، والإجراءات القضائية أمام المحاكم، وسرية الحياة الخاصة والملفات الطبية، والتحقيقات المتعلقة بالمخالفات الضريبية والجمركية)، فإلى حين إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات، يحيل الفراغ الموجود حق الإطلاع إلى استنسابية المسؤولين وإلى عدم إلزامية إعطاء المعلومات. لذا لا يمكن أن تُحل هذه الأزمة إلا من خلال إصدار قانون خاص بحق الإطلاع.
ثانياً، هناك بعض القوانين المعيقة للإطلاع كتلك الموجودة في قانون الموظفين حول سرية الإدارة. وهنا يجدر بقانون حق الوصول إلى المعلومات في حال صدوره أن يحسم مسألة تناقض هذه القوانين لمصلحة الإطلاع قدر المستطاع.

حق التلقي
أما في ما يتعلق بحق التلقي من الإعلام، فلا بد من الوقوف عند مجموعة ملاحظات نقدية.
فالإعلام إجمالاً يرتبط بثلاثة عناصر: السوق، عرضاً وطلباً، وشبكة المصالح السياسية والتجارية للوسيلة الإعلامية أكانت محطة تلفزيونية أو جريدة مطبوعة أو موقعاً إخبارياً على الإنترنت، والثقافة السياسية للمحررين. ضمن هذه الثلاثية يقوم منطق النشر أو عدم النشر، بغضّ النظر عن الدور التوجيهي والأخلاقي الذي يفترض على الإعلام القيام به.

العرض والطلب
فيما يتعلق بـ”العرض والطلب” فيقتضي أن يحدده المشاهدون أو القراء. ولا نعرف على سبيل المثال ما هي نسبة القراء المعجبين بـ”أسرار الآلهة” وهل يكتفون بما يرد فيها؟ وهل إن الوسائل الإعلامية من صحف ومجلات وتلفزيونات ومحطات إذاعية على تواصل مع جمهورها وتسعى لضمان حقوقهم ومعرفة اهتماماتهم؟ وهنا تحمَّل المسؤولية للجهتين، الوسيلة الإعلامية التي يفترض فيها أن تشجع الجمهور على التبادل والمشاركة من أجل توسيع دائرة انتشارها ومعرفة سوقها أي رصد الجمهور، والجمهور الذي يفترض فيه التفاعل مع وسيلته الإعلامية للمشاركة في الرأي والأداء.
ويبرز على هذا المستوى نقصان يتعلقان بالوسائل الإعلامية: الأول يتعلق بتنوع غرفة التحرير (أي الموظفين فيها)، وهو يضمن تنوع التغطية الخبرية لاتنوع الآراء فحسب، بحيث تنقل الوسيلة الإعلامية تنوع الحساسيات السياسية والإجتماعية وغيرها بتوازن، وهذا بعد لا يتوافر في أغلبية وسائل الإعلام في لبنان على الرغم من أن النصوص القانونية المرعية تفرض هذا التنوع، لكنه بقي نظرياً وغير مطبق. والثاني يتعلق بمصلحة المشاهد أو المستمع أو القارئ إذا ما رأى أنه “مغبون” بسبب نشر خبر أو نص ما. وهذا ما أدى إلى انقسام الوسائل الإعلامية والجمهور وفق الإنقسام السياسي الحاصل بين تيارين سياسيين رئيسيين. ونادراً ما نجد أن متابعي وسيلة إعلامية كتلفزيون المنار مثلاً، يتابعون الأخبار والبرامج السياسية وحتى غير السياسية على تلفزيون المستقبل مثلاً، والعكس صحيح.

المصالح السياسية والتجارية للوسيلة الإعلامية
أما في ما يتعلق بالشبكة السياسية والتجارية للوسيلة الإعلامية، فيمكن الإشارة إلى الدور السياسي الذي تؤديه وسائل الإعلام على تنوعها نيابة عن الأحزاب، الأمر الذي يحوّلها في بعض المحطات الأزماتية إلى أحزاب تنوب عن الأحزاب الفعلية، وهذا ما يجعلها أداة إعلام تعبوي لا أداة اطلاع. وعلى الرغم من أن الصحافة المكتوبة تمارس هذه الأدوار فإن الإعلام المرئي والمسموع أكثر وضوحاً في توتراته منذ ان تقاسمته القوى السياسية، وقد ظهر التراشق الحاد فيه خلال مختلف الأزمات التي عصفت بلبنان منذ عام 2005 بل حتى قبل ذلك، آخذاً في معظم الحالات بعداً طائفياً.
إن المصالح السياسية والتجارية تحجب افتضاح بعض المسائل المتعلقة بالفساد، وهذا ما يفسر تماشي الإعلام في فتحه الملفات مع وتيرة السلطة السياسية، كما حصل مؤخراً مع فضيحة الأدوية المزورة. فالوسائل الإعلامية المحسوبة على 14 آذار أبرزت الموضوع بشكل كبير، يتلاءم مع خطورته على صحة المواطنين وسلامتهم، بينما عمدت الوسائل المحسوبة على 8 آذار إلى التخفيف من وطأة الفضيحة مركّزة على الأخبار التي تم تداولها عن سحب الأدوية الفاسدة من الصيدليات.
بالإضافة إلى ذلك فليس هناك في وسائل الإعلام إلا في ما ندر (يمكن هنا ذكر فريق عمل برنامج إنت حر على MTV كاستثناء) أي فريق استقصائي يعنى بالتحقيقات المعمقة التي تفضح الفساد وتساعد على تحفيز المواطنين للتحرك للمحاسبة على غرار الوسائل الإعلامية في البلدان الديمقراطية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دور الإعلام لا يكمن في المحاسبة بل في الإطلاع من خلال الإستقصاء والفضح، كي يقوم المواطنون هم بالمحاسبة.
ويجب عدم إغفال أن مجرد وجود صراع سياسي حاد كالذي نعيشه في لبنان حالياً يجعل من وسائل الإعلام منابر سياسية للقوى التي يتكوّن المجتمع السياسي اللبناني منها ويفرض نشوء حالة من المعرفة ضمن سقف من المحاسبة. لكن هذه المعرفة تأتي على نحو غير رسمي على طريقة المصدر أو التسريبات مما يمنع من تحويلها في أحيان كثيرة إلى ملفات قضائية. كما أن وجود مؤسسات صحافية خاصة يرفع من مستوى اطلاع المواطن، وهو ما تتميز به الصحافة اللبنانية العريقة، لا يساهم في تعزيز حق الوصول إلى المعلومات كمفهوم يتصل بالنظام الديمقراطي ككل، وبالشفافية كمفهوم عام.

الثقافة السياسية للمحررين
أما عن الثقافة السياسية للمحررين، فيغيب مصطلح حق الوصول إلى المعلومات غياباً شبه كلي عن التداول، في حين يكثر استخدام مصطلح حرية التعبير. وحرية التعبير بهذا المعنى آلية “أنانية دفاعية” للصحافي ضد السلطة، تحميه من قيودها. وهي “وظيفية” تخدم الصحافي وحده وليس المواطن، إذا ما قوبلت بحق الوصول إلى المعلومات الذي يشمل المواطنين ككل.
ولم ينشىء الجسم الصحافي حتى فترة قصيرة أي جهاز أو جمعية أو مجلة لتدعيم المهنة ونقدها لتحسينها. فكأن الصحافيين في صدد نقد الآخرين دائماً دون نقد الذات، وهذا ما يدل عليه شح النصوص المتعلقة بالقضايا الصحافية الكبرى، ومنها قضية إلغاء الإمتيازات السياسية اليومية، ومسألة النقابات، وقضايا الفساد في هذا القطاع. ناهيك عن أن بعض الندوات لا تخجل من دعوة رموز في الفساد الصحافي لمناقشة قضايا أخلاقيات المهنة! وهذا دليل على أن الفساد دخل إلى تفاصيل النظام السياسي والمجتمعي، بحيث فقد مناعته على جميع المستويات. “والكل بيته من زجاج، فلا تتوقعوا أن يتراشقوا”، كما قال أحدهم.
وتثقل الضوابط على الصحافي في غياب قوانين واضحة تحميه من “تعديات” أربعة: رقابة السلطة التنفيذية أو بعض أجهزتها، ورقابة رئيس التحرير أو المحرر المسؤول الضامن نسبياً لعدم الخروج عن الطاعة، ورقابة المؤسسات الإجتماعية والثقافة العامة. وكل هذه “التعديات” تنتج التعدي الذاتي الرابع وهو الرقابة الذاتية. وهذا لا يعني أن العلاقة بين المحرر ورئيس التحرير علاقة تبعية مطلقة، بل فيها هامش من الحرية يمكن استخدامه للنشر المتحرر، وهي علاقة تعاقدية تشبه إلى حد ما علاقة المالك بالمستأجر.

أخيراً إذا كان لا بد من اقتراحات فهذه بعضها:
– تحديث القوانين وإصدار قانون منفتح لحق الوصول إلى المعلومات.
– تفعيل القضاء بتحصينه من التدخلات السياسية ليشعر الصحافي بحماية القانون لا غيره.
– محاولة فتح الملفات المتعلقة بنقابتي الصحافة والمحررين لتقويم أعمالهما.
– تعميم ثقافة الحق بالوصول إلى المعلومات في الوسط الاعلامي من خلال توجيه ندوات متخصصة في هذا المجال.

وإذا كان الإعلام يتجنب القضايا المصنفة “كبرى”، وإذا كانت الممارسة تمنع المواطنين من الإطلاع والوصول إلى المعلومات في كثير من الأحيان، ففي أي نظام نعيش؟

دفاعاً عن الديمقراطية

تعتبر حرية الوصول إلى المعلومات حقاً إنسانياً أساسياً للتمتع بكل الحقوق الأخرى، خاصة الحق في حرية التعبير والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة وشرطاً أساسياً للحياة الديمقراطية. فالمعارف المتعلقة بالإنفتاح والإطلاع على المعلومات هي العامل الحاسم لتطبيق المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والترويج لهما.

FolderSeek

لذلك، تسعى الدول الطامحة إلى الديمقراطية إلى تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها بالإعتراف رسمياً بالطبيعة الأساسية والقانونية الخاصة بحق حرية المعلومات وتشريع هذا الحق لتأمين الإحترام الفعلي له. أما الدول الديمقراطية، فلا تحتفظ الجهات العامة فيها بالمعلومات لنفسها بل تقوم بدور المشرف على الصالح العام وتوفر لجمهورها الحصول على المعلومات كافة والذي بدونه تضعف الحقيقة وتبقى مشاركة الناس في تدبير شؤونها محدودة. كذلك، فلقد أقرت عدد من الدول بأهمية حرية المعلومات وتبنت قوانين تعزز الآليات التي تتيح للعموم طلب وتلقي المعلومات التي تحوزها الدولة. وثمة حوالي تسعين دولة تبنت قوانين من ذلك القبيل، العديد منها أقدمت على تلك الخطوة في العقد الأخير، إلا ان لبنان لا يزال متأخراً عن التوجه نحو ضمان الحق في الحصول على المعلومات.

لذا، ودفاعاً عن الديمقراطية ومن باب تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد في لبنان، نرى ضرورة إقرار مسودة قانون الحصول على المعلومات في أقرب فرصة كي لا تختنق الديمقراطية وتدفن عندنا! كذلك، دفاعاً عن مبدأ المحاسبة الذي بات في حالة غيبوبة، نشدد على ضرورة وجود هذا القانون لتوقيف الفساد المستشري في  أكثر مؤسساتنا، الرسمية منها والخاصة. كما لا يسعنا الدفاع عن الديمقراطية دون التطرق إلى التنمية نظراً إلى الترابط الوثيق بينهما، فكيف لنا بتنمية مستدامة تتضمن تنمية بشرية قائمة على تحسين مستوى الرعاية الصحية والتعليم والرفاه الإجتماعي في ظل استحالة الوصول إلى المعلومات . فيا خوفي من بدعة الديمقراطية اللبنانية التوافقية ونظامنا الطائفي الضامن لمصالح الطوائف، أن يكونا العائق الأساسي في تأخير إقرار مسودة قانون الوصول إلى المعلومات في لبنان!

 

لينا علم الدين

مركز الشراكة للتنمية والديمقراطية

الكسارات: تعددت الحلول، والنتيجة… طبخة بحص!

تتهاوى جبال لبنان تحت أنظار اللبنانيين من دون أي محاولة جدّية لمواجهة تشويه صورة وبيئة لبنان، حتى غدت المقالع والكسارات والمرامل هي “المحميات البيئية سياسياً” لمجموعة من الزعماء والقوى. وقد يتحول لبنان إلى هضبة بقاعية تشرف على سفح جبل وساحل من جهة سلسلة الجبال الغربية، وإمتداداً لبادية الشام من الجهة الشرقية، في حال استمر تساقط الجبال التي تختفي تحت دوي الإنفجارات وهدير الجرافات.

وقد ذكرت عدة دراسات أن العمل العشوائي وغير القانوني لهذا القطاع أدى إلى تشويه حوالى 5300 هكتار من الأراضي معظمها حرجية خضراء غير قابلة للاستصلاح أو إعادة التأهيل، وهي تسببت بتدمير للطبيعة وبتصحّر الأراضي سواء مبا شرة عبر اقتلاع الصخور والتر بة والرمول أو غير مباشرة عبر انتشار الغبار الذي يتسبب باختناق الأشجار والنباتات وإلحاق خسائر بالتنوع البيولوجي إضافةً إلى ما تسببت به التفجيرات من تشقق في المنازل وخزانات المياه وتصدّع في طبقات الأرض وزحل أماكن سكنية وزراعية وإحداث مشاكل في الضجيج وتلوث الهواء والمياه الجوفية والسطحية وتشويه المناظر وتخريب شبكات الطرق وانخفاض قيمة العقارات المجاورة لها.

Cover wordpress

التطور التاريخي لظاهرة الكسارات والمقالع

تعدّ قضية المقالع والكسارات ضرورة وضريبة للبنان في الوقت عينه. فهي ضرورة من أجل البناء والإعمار وهي ضريبة هذا الإعمار لما تتركه من آثار سلبية على الطبيعة.

ظاهرة الكسارات والمقالع في لبنان ليست جديدة، لكن مساحتها لم تتعدّ في السبعينات 0.05 من مساحة لبنان وقد ارتفعت بزيادة ثلاثة أضعاف في منتصف التسعينات. وإن إختلف توزيع المقالع بين محافظة وأخرى إلا أنها انتشرت بمعدل مقلع واحد لكل عشرة كيلومترات مربعة، وتركز القسم الأكبر منها في أقضية عاليه والمتن وجبيل وكسروان.

وقد تعددت التشريعات المتعلقة بالمقالع والكسارات من قانون، إلى مراسيم، إلى قرارات مجلس وزراء إلى قرارات وزير منذ عام 1932 وحتى الآن. وتبدلت السلطات المعنية بإعطاء التراخيص من مدير الصحة والإسعاف العام إلى المحافظ إلى وزير البيئة، إلى البلديات ومجلس الوزراء.

في العام 1995 بلغ عدد المقالع والكسارات نحو 464، بالإضافة إلى 246 مرملة غير مرخصة. وقد أورد تقرير البيئة الوطني لسنة 2006 الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي أن 710 كسارة تعمل في لبنان يوجد نصفها في جبل لبنان، وأن معظمها يعمل من دون إذن وهي تحتل أكثر من 3000 هكتاراً تؤمّن سنوياً ثلاثة ملايين متر مكعب من البحص. وهي لا تحترم القانون لجهة استخراجها للرمول والبحص أو لجهة إعادة تأهيل الموقع بعد إنهاء العمل فيه، فمن بين 750 كسارة ومقلعاً عملت في لبنان، ثلاث فقط أعادت تأهيل موقعها.

في حين استخدم فريق بحث في “مركز الاستشعار عن بعد” التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية الصور الفضائية  العائدة لعامي 1989 و2005 لتقويم الأثر البيئي لهذه العمليات ولرصد التوسّع الحاصل في مساحة الكسّارات والمرامل، بيّنت الدراسة زيادة في عدد هذه المنشآت من 711 قبل عام 1989 إلى 1278 عام 2005 ، مع تضاعف مساحتها من 2897 هكتاراً إلى 5283 هكتاراً.

مشكلة المقالع والكسارات والمرامل ومظاهرها

أمّن الغطاء السياسي استمرارية التشويه للجبال على الرغم من بعض المقاومة في بعض القرارات الوزارية التي كانت تصدر بوقف أعمال المقالع والكسارات والمرامل. وقد برهنت الحكومات المتعاقبة مع صدور عدة مخططات توجيهية، كان مصيرها الأدراج، أن تعاطيها مع هذا الملف غير جدي ذلك أن تنظيم هذا القطاع يضر بمصالح قوى كبيرة تتحكم به، حيث أن قرارات عدة بإقفال كسارات في مهل معينة كانت غالباً ما تنتهي بتمديد هذه المهل إلى وقت لاحق أو حتى أجل غير مسمى.

وبدعة تجديد المهل هذه قد تكررت مراراً، حتى أنه يمكن القول أنه خلال الأعوام العشرة الأخيرة عملت المقالع والكسارات متذرعة بهذه البدعة. وكانت وزارة الداخلية والبلديات على سبيل المثال قد وافقت على إعطاء 403 مهل إدارية لمقالع ورمول وكسارات إلى طلبات لاستصلاح أراضي موزعة على كل الأراضي اللبنانية في العام 2007 في خطوة شكلت انتهاكاً للمرسوم 16456 (تعديل للمرسوم رقم 808 – تنظيم المقالع والكسارات) الذي حصر ملف الرخص للمقالع بوزارة البيئة بعد استشارة ملزمة للمجلس الوطني للمقالع.

وقد أظهرت نتائج البحث في مركز الاستشعار عن بُعد انتشار 31% من هذه الكسّارات في منتصف التسعينات على الأراضي الزراعية والحرجية و26 % منها على المراعي. ومع التوسّع الذي جرى خلال السنوات العشر الأخيرة، أضحت مساحة الكسّارات المنتشرة على الأراضي الزراعية 16.9 % في حين انتشر 4.9 % منها على حساب الغابات التي فُقد منها 2620 دونماً، مع زيادة ملحوظة على أراضي المراعي والأراضي الهامشية. واللافت أن 168 هكتاراً (3.2%) من المقالع والكسارات انتشرت ضمن المناطق السكنية ممّا زاد من خطورة تلويث الهواء.

يتم استغلال معظم المقالع والكسارات والمرامل من دون إذن، وهي تحاول الحصول على عشرات الهكتارات الإضافية كل سنة. كما وان الكسارات المرخصة لا تحترم القوانين المرعية الإجراء الخاصة بالإستخراج وإعادة التأهيل.

وبسبب ضيق مساحة لبنان وبسبب تمدينه المتصاعد، يجب تقدير انعكاس انتشار الكسارات وكمية الردم على الإقتصاد والبيئة. لذلك لا بد من سياسة دقيقة لإدارة ومراقبة نشاط الكسارات، إذ ستؤدي حماية الغابات والمساحات الخضراء إلى زيادة كمية الأوكسيجين في الهواء مما يبطئ حركة التعرية، لكن على صعيد آخر قد يؤدي هذا الأمر إلى انخفاض كميات الرمل والبحص المستخرجة وإلى ارتفاع أسعارها. كما وأن وقف عمل الكسارات بحسب مجلس الإنماء والإعمار قد يؤدي إلى زيادة البطالة.

ويلفت أحد التقارير إلى أن خزينة الدولة قد خسرت من الرسوم التي كان يفترض أن تُجبى في الأعوام الخمسة عشرة الماضية ما يقارب مليارين ونصف المليار دولار أميركي والتي كان يمكن تحصيلها لو كان هذا القطاع يعمل في شكل قانوني ومنظم. في حين استفاد من الأرباح الصافية التي تجاوزت ثلاثة مليارات دولار أميركي قلة قليلة مدعومة. ويقدّر التقرير أن متوسط أرباح الكسارة المتوسطة الحجم هو 70 ألف دولار أميركي يومياً، مما يؤكد على أن كل يوم يمر من دون تنظيم هذا الملف تُفقد الدولة ملايين الدولارات فيه. أما قيمة التدهور البيئي في أسعار الأراضي والعقارات المحيطة بهذه المواقع جراء تشويه المنظر فبلغت ما يقارب المئة مليون دولار أميركي.

مناطق تواجد وتوزع المقالع والكسارات

لم تترك الكسارات جبلاً من جبال لبنان إلا وخلّفت فيه آ ثاراً تشويهية. فمن المونتيفردي إلى إنطلياس مروراً بنهر الموت صعوداً إلى ميروبا وحراجل في كسروان وعودةً إلى عاليه، إنهارت جبال كثيرة تحت اجتياح الجرافات والتفجيرات.

فالجبل الأخضر في المونتيفيردي نهشه مقلعان رُخّص لهما في الثمانينات وظلا يعملان لأكثر من 15 عاماً متتالية عبر تجديد الرخص. مما أدى إلى “استحداث” أودية زاد عمقها عن 60 متراً، حتى أن نهر الجعماني الذي كان يعبر هذه التلال طُمر مجراه نتيجة الصخور والأتربة والحصى التي انهمرت فيه إلى حين صدر قرار في عام 1996 قضى بوقف العمل في المقلعين لكن بعدما جرّدا المنطقة من مميزاتها الطبيعية.

ولم تكن مقالع إنطلياس أكثر رحمة، ولم تكتفِ باقتلاع آلاف الأشجار وبساتين اللليمون بل دمرت مغارة البلانة الأثرية التي عُثر فيها على أدوات صوانية تعود إلى الإنسان الأول.

ولم يسلم وادي نهر ابراهيم الأثري من زحف المقالع، فدمّرت فيه أكثر من 15 ألف متر مربع من المساحات المزروعة. لكن حظه في الإفلات من براثن المقالع كان جيداً، فقد قامت لجنة خبراء لبنانيين بتكليف من وزارة الثقافة بإدراجه مع عشرة مواقع طبيعية وأثرية في لبنان ضمن لائحة التراث العالمي وقد وافق مكتب اليونيسكو على هذا الطلب. عندها فقط أصدرت وزارة الداخلية في عام 1996 قراراً بإقفال كسارات نهر ابراهيم وأبو ميزان.

ومن عين داره إلى الشبانية والعازورية وكفرمتى وبيصور كان للجبل نصيبه من تشويه المقالع والكسارات.

ولم تغب المقالع عن محافظة الشمال. ففي بلدة دير عمار حوّل 13 مقلعاً حياة السكان جحيماً منذ مطلع الثمانينات. ولا يغيب عن بالنا ذكر التشويه الكبير الذي حصل في محيط قلعة المسيلحة الأثرية. كما تأثرت كثيراً مناطق جبل أيطو وطريق أيطو- سبعل وطريق مزرعة التفاح – راس كيفا – أيطو بعمل المقالع والتشويهات التي تركتها.

أما مقالع البقاع فشكلت 21 في المئة من المساحة الإجمالية لمقالع لبنان، وتركزت هناك في منطقة ضهر البيدر المشهورة بكساراتها، وكذلك مناطق جديتا وسفوح السلسلة الشرقية.

وتمركز في الجنوب 14 في المئة من مقالع لبنان، من لبعا في شرق صيدا إلى قضاء صور والقليعة والعيشية، وطريق النبطية – الريحان وحتى جزين.

أما كسروان، فقد كانت حصتها مع المرامل والكسارات “مميزة”، فبلداتها دفعت غالياً ثمن النشاط غير الشرعي لها خصوصاً في بلدات حراجل وميروبا ولاسا ووطى الجوز وبقعتو تا وكفرذبيان. وتعرّضت صخور فيطرون الطبيعية للتآكل والتدمير.

 

أخطار وأضرار عمل المقالع والكسارات

إن أخطار عمل المقالع والكسارات مردّها بشكل أساسي إلى استعمال كميات كبيرة من المتفجرات. فالإحصاءات المتوافرة غير دقيقة وهي تشير إلى أن 30 في المئة من مقالع الصخور و5 في المئة من مقالع الرمول تستخدمها، لكن الواقع على الأرض يؤكد أن العدد أكبر من ذلك. وتتراوح كمية المتفجرات المسموح باستخدامها حول 50 كيلوغراماً شهرياً لكل مقلع. لكن الكميات المستخدمة فعلياً تزيد عن الكميات المرخصة.

ومن الأخطار الأخرى الناجمة عن عمل الكسارات هناك ا لزلازل والإنهيارات ونزع الغطاء الأخضر والتلوث وتصدع المنازل.

–         الزلازل: يقع لبنان في منطقة معرضة لكثافة الفوالق التي تقطع باطن أرضه. ويكمن الخطر في احتمالات تحرك كتل أرضية لدى تعرض المنطقة لتموجات زلزالية نتيجة تفجيرات قوية شبيهة كما يحصل في بعض المقالع.

وقد أصبح أصحاب المقالع والكسارات يحفرون مغاور يضعون فيها أطناناً من المواد المتفجرة إلى درجة أن البعض منها يحدث ما يشبه الهزات الأرضية تبلغ 3.4 درجات على مقياس ريختر.

–         الإنهيارات: تأتي الإنهيارات نتيجة التقاعس عن اعتماد خطوات علمية وعملية مدروسة خلال اقتلاع الصخور مما يعرّض المنحدرات والصخور وأكوام الحجارة والرمول للإنهيار. وتساهم عمليات التعرية الطبيعية في انجراف التربة والنباتات من المواقع المحيطة بالمقالع والكسارات.

–         نزع الغطاء الأخضر: تعمل الآليات والجرافات على جرف المساحات الخضراء من دون أي اعتبارات. وهي تطاول الغابات وتفتعل الحرائق وتقضي على كل النظام الإيكولوجي والتنوع البيولوجي في نطاق عملها.

–         التلوث: يطال تلوث المقالع والكسارات والمرامل التربة والهواء والماء. فالقيّمون عليها لا يتابعون المعايير العلمية في التفجير والإقتلاع والطحن والنقل والتخز ين وحتى التخلص من النفايات المتنوعة، لذلك تنتشر آثارها السيئة على مساحات واسعة. ويحدث تفجير الصخور أطناناً من الغبار التي تؤثر على صحة القاطنين في الجوار، خصوصاً إذا احتوت الصخور على الغرانيت أو الصوان. ويتطاير الغبار في كل الإتجاهات ويكسو النباتات بطبقة كثيفة ويلوث العشب الذي ترعاه الماشية. وقد تصبح الأنهر موحلة ويمكن أن يعاني الناس الذين يشربون من مياه هذه الأنهر بالتهابات جلدية ومن مشاكل صحية أخرى. أما عمال المقالع والكسارات فيواجهون الخطر الأكبر إذ أنهم أقرب الناس إلى مواقع التفجير فيعاني بعضهم من التسمم وسرطان الرئة نتيجة تنشق غبار الغرانيت.

–         تلوث المياه الجوفية: تعَد طبقات الصخور الكلسية الصلبة من أهم خزانات المياه الجوفية في لبنان. وهي في الوقت نفسه المكان الصالح بامتياز للإستثمارات في ميدان المقالع والكسارات، الأمر الذي يؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والينابيع. والمثال على ذلك هو في كسارات إنطلياس التي تقع فوق خزان ضخم للمياه الجوفية وعلى بعد عشرات الأمتار من نبع فوار انطلياس الذي عكّرت المقالع والكسارات مياهه بحيث تظهر للعيان مياهه الموحلة على مدار السنة.

–         المياه الجارية ومجاري الأنهار وينابيع المياه: إن عدداً كبيراً من الكسارات يقع على ضفاف الأودية مباشرة، وغالباً ما يتخلص أصحاب المقالع والكسارات من نفاياتهم (التربة) برميها في الوديان. وبما أن الأودية متصلة بمجاري الأنهار في الغالب فمع كل هطول غزير للأمطار تعكر هذه التربة مياه بعض الأنهر إلى درجة كبيرة.

وتجدر الإشارة إلى استعمال مواد النيترات بكميات هائلة في عمليات التفجير التي تؤدي إلى تلوث الهواء بمادة NO2 السامة وإلى تلويث المياه الجوفية بمادة الأسيد نيتريك السامة.

–         تزعزع المنازل: يشتكي أهل عشرات القرى من التشققات والإنهيارات في منازلهم. وتكون الهزات الناجمة عن التفجيرات أشد تأثيراً في القرى ذات الأراضي الصخرية أو الترابية غير المتماسكة وفي المناطق التي تتكاثر فيها الفوالق، وما أكثرها في لبنان. هذه التحركات الأرضية تضعف الأسس والبنى التحتية والفوقية ويمكن أن تؤثر في منسوب المياه الجوفية.

–         تشقق خزانات المياه: ومن المعلوم أن أهالي وسكان قرى العديد من المناطق الزراعية المجاورة للكسارات تعتمد على خزانات الباطون لتجميع مياه الشتاء والإفادة منها في عملية الري. وتسبب عمليات التفجير المذكورة تشقق هذه الخزانات وهدر تلك المياه التي تمثل المصدر الحيوي الوحيد للأهالي في فصل الصيف.

–         تأثيره في المواقع الأثرية والسياحية: من المناطق التي أُلحق فيها الضرر على سبيل المثال: مغارة الإنسان الأول في إنطلياس والمغاور الطبيعية المحيطة بها، وقلعة المسيلحة التاريخية في البترون وهوة دارة في بلدة مجدل ترشيش، إضافة إلى الأضرار التي ألحقت بالمناطق والقرى السياحية المجاورة للكسارات.

–         تأثيره في النظافة العامة: تضطر ربات المنازل، وفي ذروة أ يام شح المياه، إلى القيام بالتنظيفات اليومية، وذلك طوال فصل الصيف، الأمر الذي يؤدي إلى هدر الوقت والمياه والطاقات إضافة إلى إجبار الناس على العيش داخل منازلهم المغلقة بإحكام حتى في أيام الحر.

–         إرتفاع هوة المقالع: إن ارتفاع هوة المقالع أصبحت تتعدى المئة متر في معظم المقالع مع أن القانون حددها بثلاثة أمتار.

–         مشاكل مختلفة أخرى: وهناك مشاكل متنوعة تنجم عن نشاط المقالع والكسارات منها انخفاض قيمة العقارات المجاورة وإلحاق الأذى بالأراضي المجاورة وباستعمالاتها السكنية والزراعية.

حلول مقترحة في ملف المقالع والكسارات

منذ العام 1997 وضعت دار الهندسة دراسة لمخطط توجيهي للمقالع والكسارات والمرامل إقترحت فيه حلولاً تقنية وبيئية ومنهجاً وطنياً لمعالجة هذا الملف مرفقة بخريطة لأربع مناطق يُسمح فيها باستثمار المقالع والكسارات والمرامل محصورة في السلسلة الشرقية. وتوزعت المناطق على الشكل الآتي: الأولى قريبة من عرسال، والثانية قريبة من الطفيل، والثالثة قريبة من دير الغزال والرابعة في ينطة – دير العشائر. وقد كلفت هذه الدراسة الدولة 800 ألف دولار أميركي لكنها لم تلقَ حينها موافقة من كل الأفرقاء فكان مصيرها النوم في الأدراج.

ثم صدر في العام 2002 المرسوم 8803 الذي تحدث عن الإطار الإداري والتنظيمي والفني لإدارة قطاع المقالع والكسارات. وحصلت لاحقاً عدة محاولات لتحسين الوضع في شكل يتجاوب مع متطلبات وحاجات السوق اللبناني ويحد من الفلتان الحاصل. وكانت نتيجتها أنه في العام 2006 صدر عن وزارة البيئة المرسوم ر قم 16456 الذي حدد بالإضافة إلى المناطق الأربعة المذكورة في المخطط مناطق غير مسموح استثمار المقالع والكسارات فيها نهائياً مثل المواقع الطبيعية والمحميات ومجاري الأنهر.

تؤثّر الكسّارات بحسب مركز الإستشعار عن بعد على تدهور الموارد الطبيعية في لبنان بسبب سوء إدارة هذا القطاع الحيوي للبنان، وأسلوب الإستثمار الذي لا يتلاءم غالباً مع الإعتبارات البيئية والسلامة العامة. ولم يلحظ برنامج استثمار الكسّارات، أو هو لم يفرض في أغلب الأحيان، إعادة تأهيل المواقع. وتوفيراً للمال العام، قام فريق البحث بوضع نماذج مبنيةّ على نظام المعلومات الجغرافية (GIS) لإظهار المناطق ذات الأولوية لإعادة التأهيل، حيث تتوفر ظروف ملائمة لإعادة إحياء الغطاء النباتي ومواجهة التأثير البيئي السلبي للمواقع المتدهورة. وقد عمل فريق البحث أيضاً على تطوير نموذج لتحديد المواقع الأكثر ملاءمة للكسّارات والتي تتسبّب بأقل ضرر ممكن للصحّة العامة والبيئة وتوفر إمكانية نجاح جهود إعادة التأهيل، وذلك باعتماد تقنيات تسمح بالإستثمار الإقتصادي على قاعدة بيئية تؤمّن إعادة التأهيل قبل انتهاء مدّة صلاحية رخصة الإستثمار.

يُجمع المعنيون على أن مشكلة هذا الملف لم تكن يوماً في المخطط التوجهي بل في توجيه هذا المخطط نحو توزيع مواقع المقالع والكسارات محاصصة، معتبرين أن سبب سقوطه في كل مرة يكمن في تدخل عدد من النافذين الذين يرغبون في امتلاك المقالع والكسارات نظراً للأرباح الوفيرة التي تؤمنها لهم. كذلك يتبين أن المشكلة لم تكن محصورة بالقوانين، وإنما بعدم تطبيقها إذ أن العديد من القوانين والقرارات كانت تصدر سنوياً بهدف تنظيم هذا الملف غير أنها كانت تُخرق ويتم التعدي عليها باستمرار. والمسألة ما كانت لتتفاقم لو أن إنتاج البحص كان من أجل البناء وليس لردم البحر في شكل يخالف الدستور ولمصلحة قلة من المستثمرين وعلى حساب حقوق الشعب اللبناني. فجاءت نتيجته تشويهاً مزدوجاً للبر وللبحر.

نصف مدارس طرابلس الرسمية لا تعتمد أي وسيلة لمعالجة المياه قبل استعمالها للشرب!

هل تعلم؟
أن 51% من مدارس طرابلس الرسمية لا تعتمد أي وسيلة لمعالجة المياه قبل استعمالها للشرب؟

Robinets

أظهرت دراسة عن البيئة والمياه في المدارس الرسمية في طرابلس أن المياه التي يشربها التلاميذ في 17 مدرسة من أصل 51 ملوثة من الناحية الجرثومية وأن 51% من المدارس لا تستعمل أي وسيلة لمعالجة المياه قبل استعمالها للشرب. كما أظهرت الدراسة أن 67% من المدارس في وضع مأسوي وخاصة فيما يتعلق بالمراحيض.

الدراسة أُعدّت من قبل الطالبتين في السنة الرابعة في قسم الصحة والبيئة في الجامعة اللبنانية – كلية الصحة العامة ريان عياش وبشرى طراد من ضمن أطروحة تخرّجهما عن موضوع “البيئة والمياه في المدارس الرسمية في طرابلس”. وقد أُجريت خلال الفترة بين شباط وأيار 2012 وشملت كل المدارس والثانويات الرسمية في طرابلس (51 مؤسسة تربوية). وقد اندرجت ضمن إطار مشروع “طرابلس مدينة صحية” الذي تنفذه بلدية طرابلس بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية بادارة عضو المجلس البلدي الدكتور جلال حلواني.

شملت الدراسة إجراء مسح ميداني عن واقع البيئة والمياه وتحليلاً مخبرياً للمياه التي يشربها التلاميذ وتركيب خزانات وفلاتر وأجهزة تعقيم بواسطة الأشعة ما فوق البنفسجية في 12 مدرسة بدعم من منظمة الصحة العالمية، وكذلك إجراء حملة توعية على أهمية الامتناع عن التدخين في أربع مدارس رسمية.

وتبيّن أن 90% من المدارس تعتمد على المياه الموزعة من مؤسسة مياه لبنان الشمالي، بينما العشرة الباقية تعتمد على آبار خاصة. كما أن 51% من المدارس لا تستعمل أي وسيلة لمعالجة المياه كجهاز فلتر أو استعمال تعقيم بواسطة الكلور أو الأشعة ما فوق البنفسجية، قبل استعمالها للشرب.

أما عن مطابقة المدارس للشروط العددية للمنشآت الصحية المفترضة (مراحيض، مغاسل، خزانات) وفقاً لعدد التلاميذ، فإن الدراسة أظهرت أن 12% من هذه المدارس وضعها سيئ جداً، 23.5% مقبول، 31% متوسط، 23.5% جيد، و10% جيد جداً. وترتكز الحالات غير المطابقة بشكل رئيسي في التبانة، القبة، بعل محسن والبحصاص.

وفيما يتعلق بجودة ونوعية المنشآت الصحية فقد كشفت الدراسة أن 67% من المدارس في وضع مأسوي وخاصة فيما يتعلق بالمراحيض، إذ أن هناك نقص في المياه بسبب عدم وجود خزانات، وسُجّل غياب الصابون والمناشف والأوراق الصحية في كل المدارس مما يدفع بالتلاميذ إلى عدم غسل أيديهم عند خروجهم من الحمّامات وتناولهم الطعام بعد ذلك مباشرة، وتنظيف المراحيض يتم أحياناً مرة واحدة في الصباح.

وأظهرت التحاليل المخبرية على المياه التي يشربها التلاميذ أن المياه في 17 مدرسة من أصل 51 ملوثة من الناحية الجرثومية (33.33%) مما يشكل خطراً على صحة التلاميذ، مع الإشارة إلى أن خمس مدارس من بين الـ 17 مدرسة تعتمد الآبار الفردية، أما الـ12 الأخرى فالسبب يعود إلى الحالة المزرية للخزانات التي يشرب منها التلاميذ.

وأمام النتائج التي توصلت إليها الدراسة فقد جهّزت منظمة الصحة العالمية 12 مدرسة بخزانات مياه وأجهزة فلترة وتعقيم بواسطة الأشعة ما فوق البنفسجية توزعت على القبة، بعل محسن، التبانة، والبحصاص.

وبينت التحاليل المخبرية بعد تركيب الأجهزة أنه لم يعد هناك تلوث في مياه الشرب.

قانون حظر التدخين في الأماكن العامة: هل هو القرار الصائب في التوقيت الخاطئ؟ (2)

إندلعت الحرب العالمية على التدخين منذ أوائل الثمانينات. وبعد أن كانت السيجارة علامة على الرقي والتحضر ومماشاة العصر خلال العقود التي سبقت، وكان المشاهير من نجوم السينما وغيرهم يظهرون في أفلامهم أو صورهم “الأيقونية” وهم يحملون سيجارة بين أناملهم. أضحت السيجارة وتدخينها مؤشراً على التخلف والجهل.
وصلت مسيرة الحرب هذه مؤخراً إلى لبنان. وفجأة أصبح اللبنانيون المشغولون بقضايا سياسية وإجتماعية وإقتصادية صعبة، وبحوادث الخطف وقطع الطرقات وحرق الإطارات، منغمسين في سجال حادّ حول منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة وفي وسائل النقل العام.

No Smoking

أسباب تشريعات حظر التدخين

تقوم أسباب فرض قوانين منع التدخين على حقيقة أن التدخين عملية إختيارية، أما التنفس فليس كذلك. من ثم تتم صياغة قوانين حظر التدخين لحماية الأفراد الذين يستنشقون الهواء من تأثيرات التدخين السلبي، والتي تتمثل بزيادة مخاطر الإصابة بـأمراض القلب، السرطان، داء انتفاخ الرئة، وأمراض أخرى كذلك. كما قامت العديد من الدول بصورة أو بأخرى بسن قوانين لحظر التدخين في الأماكن المغلقة على مر السنين الماضية، وقام بعض المشرّعين بنقل الدليل العلمي الذي يُظهر أن تدخين التبغ مضر للمدخنين أنفسهم ولهؤلاء الذين يستنشقون دخان التدخين السلبي.
هذا بالإضافة إلى أن تطبيق مثل تلك القوانين قد يقلل من تكلفة نفقات الرعاية الصحية على المدى القصير، تحسين القدرة الإنتاجية للعمل، وكذلك تقليل التكلفة الكلية للعمل في مجتمع ما، ومن ثمّ يصبح مجتمع العمل أكثر جذباً لأصحاب الأعمال المختلفين. ففي ولاية إنديانا الأميركية مثلاً، كتبت وكالة التنمية الإقتصادية للولاية ضمن خطتها لعام 2006 لتسريع النمو الإقتصادي على أنه لابد من تشجيع مختلف المدن المختلفة، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، على تبنّي قوانين أماكن العمل محظورة التدخين كوسيلة للارتقاء بالنمو الوظيفي في تلك المجتمعات.
ومن الأسباب الإضافية المهمة لفرض قيود على التدخين هو تقليل مخاطر إشعال النيران في المناطق ذات مخاطر التفجير والقابلة للاشتعال، نظافة الأماكن التي يقدّم بها أطعمة أو أدوية، تخفيض استهلاك الطاقة من خلال تقليص احتياجات التهوية وتكييف الهواء، خفض كمية المخلفات، العيش في بيئات أكثر صحية، ومنح المدخنين حافزاً للإقلاع عن التدخين.
وتعتبر منظمة الصحة العالمية أن لقوانين منع التدخين تأثيراً على تخفيض الطلب على التبغ من خلال إقامة بيئة يكون من الصعب إتاحة الفرصة فيها للتدخين بسهولة وللمساعدة على تحويل المعايير والتقاليد الإجتماعية بعيداً عن تقبل التدخين كعادة من سمات الحياة اليومية. فجنباً إلى جنب مع مقاييس فرض الضرائب، يُنظر إلى كلٍ من التعليم، التربية، سياسات حظر التدخين ومقاييس الإقلاع على أنها عنصر أساسي في تقليص معدلات التدخين والارتقاء بالصحة العامة. فعندما يتم تطبيقها بصورة صحيحة وحازمة، يُنظر إليها على أنها هدف هام للأجندة السياسية لتغيير سلوك البشر بعيداً عن السلوكيات والممارسات غير الصحية وتجاه حياة صحية يتمتع بها المواطنون.

الأساس الطبي والعلمي وراء حظر التدخين

لقد أسفرت أبحاث علمية عديدة عن وجود أدلة جازمة بأن التدخين السلبي يسبب نفس المشكلات التي يسفر عنها التدخين المباشر، والتي منها سرطان الرئة، أمراض القلب، أمراض التنفس مثل الإنتفاخ الرئوي، والتهاب القصبات الحاد والربو. كما أثبتت التحاليل العلمية أن الأفراد غير المدخنين طوال عمرهم ولكنهم يعيشون مع شركاء حياة يدخنون في المنزل يقعون تحت وطأة خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبةٍ أكبر (تتراوح من 20 إلى 30%) من الآخرين الذين يعيشون مع أفراد لا يدخنون على الإطلاق. في حين يعاني الأفراد غير المدخنين والمعرضون لدخان السجائر في أماكن العمل من خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة تتراوح من 16 إلى 19%.
و في دراسة نشرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية عام 2002 جاء أن الأفراد غير المدخنين معرّضين لنفس مخاطر الإصابة بالسرطان بسبب المواد المسرطنة الناتجة عن دخان تبغ المدخنين النشطين. حيث يحتوي دخان السجائر على 69 مادة مسرطنة، وخاصة البنزوبيرين وما يُعرف بالـ”هيدروكربونات العطرية متعددة النوى”)، بالإضافة إلى منتجات مفتتة مشعة مثل البولونيوم. كما أظهرت أبحاث العديد من شركات التبغ وجود مواد مسرطنة بوفرة وبتركيزات عالية في التدخين السلبي أكثر من الدخان المنفوث من السجائر مباشرةً.
ومن المنظمات العلمية التي تؤكد على تأثيرات التدخين السلبي المعهد الوطني الأميركي للسرطان، معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، وكذلك منظمة الصحة العالمية.

جودة الهواء

ستحسّن قوانين حظر التدخين في المطاعم والمقاهي والحانات جودة الهواء في مثل تلك المؤسسات. فعلى سبيل المثال، وفي إحدى الدراسات المسجلة على موقع CDC الإلكتروني جاء أن قانون منع التدخين في أماكن العمل المغلقة والأماكن العامة والذي يجرى تطبيقه في كافة أرجاء ولاية نيويورك قلل بصورة ملحوظة من مستويات استنشاق “الجسيمات العالقة” في أماكن الضيافة في غرب نيويورك. كما أن مستويات استنشاق الجسيمات العالقة تقلصت في كل مكان كان يُسمح بالتدخين فيه قبيل تطبيق القانون، ومنها تلك الأماكن التي لوحظ وجود فقط المدخنين السلبيين من غرفة مجاورة كأساسٍ للتقييم. واختتمت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها دراستها بتوضيح أن هذه النتائج جاءت مماثلة للدراسات الأخرى والتي أظهرت أيضاً تحسناً ملحوظاً في جودة الهواء الداخلي بعد تطبيق حظر التدخين.
في حين أظهرت دراسة أخرى أُجريت عام 2004 أن حانات نيوجرسي ومطاعمها يوجد بها معدلات مرتفعة من الهواء الداخلي الملوث بنحو تسع مرات عما هو موجود في مدينة نيويورك المجاورة، والتي سنت قانون حظر التدخين.
كذلك أظهرت الأبحاث أن جودة الهواء المحسنة يمكن ترجمتها إلى نقص فرص التعرض للسموم فيما بين الموظفين. فعلى سبيل المثال أظهرت الأبحاث التي أُجريت فيما بين موظفي المؤسسات النروجية التي سنّت قوانين حظر التدخين تحسناً من خلال تخفيض مستويات النيكوتين في بول العمال المدخنين وغير المدخنين عند مقارنتها بالمقاييس السابقة لهم قبيل تطبيق الحظر.
كما نشر برنامج أبحاث قانون الصحة العمومية في عام 2009 دليلاً مختصراً للبحث الذي يُقَيِّم تأثير القانون الخاص أو السياسة على الصحة العامة. حيث أوضح أنه: “يوجد دليل دامغ وقوي يدعم حظر التدخين والقيود التي تُفرَض على المدخنين والتدخين كنوع من تدخلات الصحة العامة الفعالة الهادفة إلى التقليل من خطر التعرض للتدخين السلبي”.

تطور تطبيق حظر التدخين في العالم

في عام 1575 صدر واحد من أوائل قوانين حظر التدخين في العالم وهو حظر “المجلس الكنسي المكسيكي” الذي حظر ومنع استخدام التبغ أو التدخين في أية كنيسة في المكسيك أو المستعمرات الإسبانية في منطقة البحر الكاريبي. كما حرَّم السلطان العثماني مراد الرابع التدخين في إمبراطوريته عام 1633. وكذلك أصدر البابا اوربانوس السابع حظراً للتدخين في الكنيسة عام 1590، حتى أنه هدد بالحرمان الكنسي لأي فرد “يُدخن أو يتناول التبغ في في شرفة أو داخل أي كنيسة، سواء أكان ذلك من خلال مضغه، تدخينه في غليون أو استنشاقه على صورة مسحوق عبر الأنف”.
ومن ثم تم سن قوانين حظر التدخين بعد ذلك عبر أرجاء المجتمع الأوروبي المدني. حيث تم سن تلك القوانين في كلٍ من بافاريا وبعض أجزاء النمسا في أواخر القرن السابع عشر. كما تم حظر التدخين في برلين عام 1723. وكان مبنى الحكومة القديمة في ويلينجتون، بنيوزيلندا هو أول مبنى في العالم تطبّق فيه سياسة منع التدخين في عام 1876. وكان هذا بسبب المخاوف من تهديدات اشتعال الحرائق، حيث أنه كان ثاني أكبر مبنى خشبي في العالم.
ويعتبر أول حظر حديث للتدخين على صعيد وطني هو ذلك الذي فرضه الحزب النازي في كل جامعة ألمانية، مكتب بريد، مستشفى عسكري، ومكتب للحزب النازي، وذلك تحت كنف معهد أستيل لأبحاث مخاطر التدخين، والذي أُنشئ في عام 1941 بأوامر من أدولف هتلر. وقد نشر النازيون حملات مناهضة للتدخين على نطاق واسع حتى انهيار النظام في عام 1945.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين، حيث انتشرت وتكاثرت الأبحاث والدراسات التي يتم إجراؤها على مخاطر التدخين السلبي، شرعت شركات التبغ في بدء حملات “التوعية للملاطفة والكياسة”. حيث قلصت مخاوف الأفراد من كمية المبيعات، مما دعا مجال الصناعة إلى خلق برنامج إعلامي وقانوني تشريعي يُركز على “تسوية الخلافات”. وقد تم تشجيع التسامح والكياسة كسبيل لخفيف حدة التوتر فيما بين المدخنين وهؤلاء ممن يعيشون حولهم، في أثناء تجنب حظر التدخين. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تم تشجيع الولايات لتمرير قوانين تجنب فصل أقسام المدخنين. حيث سنّت ولاية مينيسوتا في عام 1975 قانون مينيسوتا للهواء النقي في الأماكن المغلقة، مما يجعلها أول ولاية أميركية تمنع التدخين في غالبية الأماكن العامة. في البداية، كانت المطاعم مطالبة بوجود أقسام لعدم التدخين بها، إلا أن الحانات تم استثنائها من ذلك القانون. وبحلول الأول من أكتوبر 2007، سنّت مينيسوتا حظراً للتدخين في كل المطاعم والحانات عبر أرجاء الولاية، فيما أطلقت عليه “قانون الحرية في التنفس”. هذا وأصبحت منتجعات مدينة آسبين السياحية في ولاية كولورادو أول مدينة في الولايات المتحدة تمنع التدخين في المطاعم وذلك منذ عام 1985. وفي عام 1990، أصبحت مدينة سان لويز أوبيسبو بكاليفورنيا أول مدينة في العالم تمنع التدخين في الأماكن المغلقة في الأماكن العامة، ومنها الحانات والمطاعم.
و بحلول نيسان 2009، كانت هناك 37 ولاية تطبق نوعاً ما من حظر التدخين. ونجحت بعض المناطق في كاليفورنيا في الشروع في جعل مدناً بكاملها خالية من التدخين، كل مكان بها ما عدا دور الإقامة. كما قامت أكثر من 20 مدينة بسنّ قوانين الحظر في المتنزهات والشواطئ.
في نيوزيلندا، تم إصدار تشريع في كانون الأول 2003 لتنفيذ حظر تدريجي للتدخين في المدارس، ملاعب المدارس، وأماكن العمل. أما في آذار 2004، طبقت جمهورية ايرلندا حظراً على التدخين في الأماكن العامة. وفي النروج، تم الإلتزام بتنفيذ تشريع مماثل في حزيران من العام ذاته. كما أصبحت المملكة البريطانية جميعها خاضعة لحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة في عام 2007، وذلك عندما أصبحت إنكلترا آخر منطقة تتبنى تشريعاً تجعله قيد التنفيذ لحظر التدخين. وتم حظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة في ولاية فيكتوريا باوستراليا في تموز 2007. في حين أعلنت نيبال حظراً للتدخين في الأماكن العامة بالإضافة إلى فرض حظر على هؤلاء ممن هم دون سن السادسة عشر في حزيران 2010.

قانون حظر التدخين في الأماكن العامة: هل هو القرار الصائب في التوقيت الخاطئ؟

إندلعت الحرب العالمية على التدخين منذ أوائل الثمانينات. وبعد أن كانت السيجارة علامة على الرقي والتحضر ومماشاة العصر خلال العقود التي سبقت، وكان المشاهير من نجوم السينما وغيرهم يظهرون في أفلامهم أو صورهم “الأيقونية” وهم يحملون سيجارة بين أناملهم. أضحت السيجارة وتدخينها مؤشراً على التخلف والجهل.
وصلت مسيرة الحرب هذه مؤخراً إلى لبنان. وفجأة أصبح اللبنانيون المشغولون بقضايا سياسية وإجتماعية وإقتصادية صعبة، وبحوادث الخطف وقطع الطرقات وحرق الإطارات، منغمسين في سجال حادّ حول منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة وفي وسائل النقل العام.Smoking

وخلال أسابيع سبقت بدء سريان القانون، فتح هواء الإذاعات والتلفزيونات وصفحات مواقع التواصل الإجتماعي لحملات مناصرة للقانون، وأخرى مناهضة له واصفة إياه بـ”القانون العنصري والهمجي”!. بل تحوّل الإعتراض بالكلام إلى جبهات محصنة من الإحصائيات والإحصائيات المضادة ما بين المجتمع المدني المناصر للقانون وأصحاب المقاهي والمطاعم المعارضين والمتضررين من القانون على حد قولهم وبحسب دراسة إقتصادية خرجت بأرقام إقتصادية مرعبة.
القانون 174 والذي أتى صدوره منذ عام تقريباً، يعاقب ابتداء من 3 أيلول “كل مستثمر أو مسؤول في إدارة في أي مكان عام مغلق، تتم فيه مخالفة منع التدخين عن قصد أو إهمال أو تقصير، بغرامة تراوح بين ضعفي الحد الأدنى للأجور (البالغ 675 ألف ليرة لبنانية) إلى ستة أضعاف”. كذلك “يعاقب بغرامة تراوح بين عشرين ضعف الحد الأدنى للأجور، إلى ستين ضعفاً، كل من يخالف حظر الإعلانات ووضع التحذيرات الصحية على منتجات التبغ”.
وتتكفل الضابطة العدلية المختصة بتطبيق ومراقبة حسن سير هذا القانون والمؤلفة من قوى الأمن الداخلي، مفتشي وزارة الصحة، مفتشي مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد، والشرطة السياحية. علماً أنه توجد شكوك جدية بقدرة عناصر الضابطة على إنجاز مهمتهم بشكل عادل وشامل، لاسيما مع انخفاض عددهم. وستكون هيئات المجتمع المدني التي سعت منذ البداية إلى إقرار هذا القانون جاهزة للمساعدة من خلال نشرها لأكثر من سبعين مواطناً ومدنياً سيعملون كـ”مخبرين” يسجلون التقارير بشكل ميداني وحي من المقاهي والمطاعم وكل الأماكن المغلقة.

فحوى ومراحل القانون

بالعودة إلى فحوى القانون، فإنّه ينصّ على منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة، سواء المقارّ الرسمية، كالقصر الجمهوري والسراي الحكومي والمجلس النيابي، أو الشركات الخاصة وأماكن العمل والمستشفيات.
إعلامياً، يمنع القانون وضع الإعلانات المروجة للتدخين على الطرقات وأسطح الأبنية وواجهات المحلات، ومنع الإعلان أو الدعاية، أو صناعة وبيع وعرض أي بضائع توحي بمنتج تبغي، وهي المرحلة الّتي انطلقت منذ شهر آذار الفائت. وفي هذا السياق، يشير مدير البرنامج الوطني للحد من التدخين في وزارة الصحة، الدكتور جورج سعادة، إلى أنّ شركات التبغ عمدت إلى وضع الإعلانات في داخل المحال التجارية، ولكن الوزارة تعمل على ملاحقتهم، لافتاً الانتباه إلى غياب دعايات التبغ في الأماكن العامة أو في وسائل الإعلام، باستثناء المحال التجارية، وقد تم تثبيت قرار عدم قانونية الدعاية داخل الأماكن التجارية، وستتم ملاحقة المخالفين.
على صعيد آخر، ينص القانون على تغريم المخالف الّذي يدخن في مكان عام مغلق بمبلغ 135 ألف ليرة، وتغريم المسؤول، أو صاحب المحل، غرامة تبدأ من مليوني ليرة. وقد فرض القانون على المؤسسات وضع لافتات تحذر من التدخين، تحمل عنوان “التدخين في هذه الأماكن العامة ممنوع ومخالف للقانون”، يغرّم أصحاب المؤسسات الذين لا يلتزمون وضعها. ويشير سعادة إلى أن وزارة الصحة أرسلت مراسلات إلى المؤسسات والأسواق التجارية، تذكّر بضرورة البدء بتطبيق القانون في الوقت المعلن عنه. وقد طبع مكتب الحد من التدخين خمسة آلاف لافتة وُزّعت على المراكز العامة التابعة للدولة، فيما حازت المؤسسات الخاصة على نماذج عنها للعمل على تحضير لافتات خاصة بها.
وقد سبق أن خاض عدد من المطاعم والمجمعات التجارية في الحمرا والأشرفية تجارب ناجحة في منع التدخين. على أن تلتزم باقي المطاعم والمقاهي بهذا المنع من الآن فصاعداً، باعتبارها كمرحلة ثالثة من تطبيق القانون. ويشمل حظر التدخين “إشعال أي منتج تبغي داخل أي مكان ذي طابع سياحي أو ترفيهي مغلق (مطاعم، مقاهي، فنادق، ملاهي) ويُسمح للفنادق بتخصيص نسبة عشرين في المئة من عدد الغرف فقط للمدخنين، ويحظر تغليف أو تعريف أي منتج تبغي بعبارات مضللة (خفيفة، لطيفة، “سوبر لايت”…) ويجب أن يدوّن على كل علبة، تحذير يغطي نسبة أربعين في المئة من مساحة أي وجهة للعلبة”.
أما بالنسبة للتعريف بالمكان المغلق وفق القانون فهو ” أي مكان يغطيه سقف واحد ويحدّه أكثر من حائطين بصرف النظر عن نوع المواد المستخدمة في بناء السقف أو الحائط، وبصرف النظر عما إذا كان البناء دائماً أو مؤقتاً.
ومن المفترض أن الرابع من أيلول العام الماضي كان موعـد تطبيق المرحلة الأولى من القـانون، وشمل منـــع التدخين في الأماكن العامـــة المغلقة مثل القصر الجمهوري والــسرايا الحكومي ومجلس النواب والشركات الخاصة وأماكن العـمل والمستشفيات والملاعـب الرياضية. أما المرحلة الثانية فكان موعدها في آذار الفائت وتضمنت “منع وضع الإعلانات المروجة للتدخين على الطرق وأسطــح الأبنية وواجهات المحال، ومنع الصور في رعاية أي نشاط ثقافي، رياضي، سياسي، تجاري، أو اجتماعي، ومنع الإعــلان أو الدعاية عبر كل وســائل الإعلان، ومنع صناعة، استيراد، ترويج، بيع، وعـرض أي بضائع توحي بمنتج تبغي”.

ردة فعل المدخنين وأصحاب المقاهي

كالعادة في لبنان عند بروز أي مسألة يجري الإصطفاف الحاد بين المواطنين، من القضايا السياسية والإقتصادية الحساسة إلى مباريات المونديال! هذا الأمر لم يختلف مع مسألة تطبيق قانون حظر التدخين في الأماكن العامة، حيث اصطف اللبنانيون مجدداً على طرفي نقيض: مناصرون ومعارضون.
المناهضون للقانون من المدخنين لا يترددون في انتقاد الجهات الرسمية وتذكيرها بأنها مقصّرة تجاه قضايا أخرى، وبأنها تتجاهل قوانين كان يمكنها إعلاء شأن المواطن وحقوق المرأة والإنسان عامة. لا بل يصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار هذا القانون تمييزياً ضدهم.
أما بالنسبة لنقابة أصحاب المقاهي والمطاعم فقد تحدثت هذه عن أرقام تشير إلى تهديد هذا القطاع وخسارة كثير من فرص العمل. ووفق النقابة “تحقق المطاعم والمقاهي والحانات والنوادي الليلية عائدات بقيمة 735 مليون دولار سنوياً”. ومن شأن القانون في صيغته الحالية أن يقلص العائدات إلى 282 مليون دولار، ما يمثل 7.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع السياحة وقد يشكل انتكاسة كبرى لمجمل الإقتصاد اللبناني. وتتوقع النقابة أن يتسبب القانون بخسارة 46 مليون دولار من الإنفاق السياحي، ما يهدّد بفقدان 2600 وظيفة بدوام كامل. كما تتوقع أن تتقلص ائدات المطاعم والمقاهي والحانات والنوادي الليلية بنسبة 25 في المئة بشكل عام.
من هنا فقد باشرت النقابة منذ اليوم الأول لتطبيق القانون بالمطالبة بتعديله. ومن الاقتراحات التي قُدمت لسماح لألف مطعم لبناني بتقديم النرجيلة من أصل خمسة آلاف مؤسسة سياحية تعمل على الأراضي اللبنانية وتصنّف كمطاعم. براي النقابة فإن هذا التعديل “البسيط” سيسمح للمواطن باختيار نوع المطعم الذي يريده ويؤمّن “المساواة” بين المدخنين وغير المدخنين.
غير أن ردة الفعل الأولى من الجهات الرسمية المختصة، وخاصة في مجلس النواب، كانت أنه لا زال من المبكر جداً الحديث عن تعديل لقانون لم يمر على تطبيقه إلا فترة قصيرة جداً بحيث لم يتبين بعد مدى آثاره السلبية التي يجري الحديث عنها من قبل أصحاب المطاعم والمقاهي.
من جانب آخر تشير منظمات المجتمع المدني التي سعت إلى إصدار وتطبيق القانون وستعمل من الآن فصاعداً على حسن تنفيذه إلى أن الخسائر الإقتصادية التي يُحكى عنها، يقابلها تسجيل موت 3500 شخص سنوياً في لبنان بأمراض ناتجة عن التدخين، وتضيف بأن قيمة الفاتورة الصحية للأمراض المتعلقة بالتدخين تبلغ 300 مليون دولار سنوياً. واعتبرت نائبة رئيسة “جمعية حياة حرة بلا تدخين” رانيا بارود أنه “كان من المتوقع أن يقوم أصحاب المصالح بهذه الهجمة على القانون، وسبق أن حصل الأمر عينه في بلدان عدة، إنما في نهاية المطاف على الكل أن يخضع للقانون. ولا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تحول المقاهي والمطاعم إلى مراكز للانتحار الجماعي”.
وتشرح أنه “أُمهل أصحاب المطاعم والمقاهي سنة كاملة ليغيروا استراتيجيتهم احتراماً لـ62 في المئة من غير المدخنين، إلا أنهم لم يصدقوا أن القانون سيطبق وتعاملوا معه بخفة”. وتعتبر بارود أن “الدراسة التي أجريت بطلب من نقابة أصحاب المقاهي والمطاعم غير دقيقة ويقابلها دراسات عدة من منظمة الصحة العالمية والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة هارفرد ووزارة الصحة تدحض مضمونها، وتؤكد أن المطاعم تستعيد زبائنها بعد فترة وجيزة مستقطبة فئات مختلفة من الزبائن”.
ولا يمكن وفق بارود أن “نُشرّع كل منتج لمجرد أن له مردود مالي مهم، وإذا ما اتبعنا هذا المبدأ يكون علينا إذاً التساهل مع الحشيشة والمخدرات، بحجّة أنها تعود بأرباح هائلة”. تضيف: “من واجب الدولة حماية مواطنيها، ومن واجبها حماية عامل في مقهى للنراجيل يضطر يوميا إلى تشغيل النراجيل وتحضيرها لزبائنها، أضف إلى آثار تدخينها السلبي، علماً أن الأرقام العالمية تشير إلى موت مئتي ألف عامل سنوياً في القطاع السياحي جراء التدخين السلبي”.
إلى ذلك، تشير الجامعة الأميركية في بيروت في دراسة أعدتها لإعادة توضيح الأمور ووضعها على مسارها الصحيح ومد الدولة اللبنانية والرأي العام اللبناني والإعلام بالمعلومات العلمية الدقيقة المستندة إلى دراسات ذات منهجية علمية صحيحة، إلى أن “شركة الإستشارات التي كلفتها النقابة إجراء الدراسة لم تأخذ وقتاً كافياً لإجراء دراسة علمية بل اكتفت  بفترة زمنية لا تتعدّى الشهر الواحد وهي فترة غير كافية علمياً لإجراء هكذا نوع من الدراسات، كما أنها استندت إلى ورشة عمل واحدة فقط ضمت 65 صاحب مؤسسة سياحية”، وتوضح أن لا منهجية علمية متبعة في الدراسة التي أعلن عنها اصحاب المطاعم والمقاهي.
وتؤكد الدراسة أن 62% من اللبنانيين هم من غير المدخنين، وتشدد على أن الإيرادات الإقتصادية سترتفع نتيجة ارتفاع عدد الزبائن من غير المدخنين والذين يبحثون عن مكان خال من التدخين. وتوضح أن 200 ألف شخص يتوفون سنوياً بسبب التدخين السلبي فقط.
وتلفت الدراسة إلى أن  تطبيق القانون سيؤدي إلى انخفاض الفاتورة الصحية نتيجة انخفاض نسبة التدخين، بالإضافة إلى ارتفاع دخل الأفراد وارتفاع قدرتهم الشرائية نتيجة لانخفاض نسبة التدخين لديهم  والصرف المتعلق بالصحة، عدا عن ارتفاع في دخل المؤسسات نتيجة الإنتاجية النشطة وانخفاض عدد الإجازات المرضية.