الكسارات: تعددت الحلول، والنتيجة… طبخة بحص!

تتهاوى جبال لبنان تحت أنظار اللبنانيين من دون أي محاولة جدّية لمواجهة تشويه صورة وبيئة لبنان، حتى غدت المقالع والكسارات والمرامل هي “المحميات البيئية سياسياً” لمجموعة من الزعماء والقوى. وقد يتحول لبنان إلى هضبة بقاعية تشرف على سفح جبل وساحل من جهة سلسلة الجبال الغربية، وإمتداداً لبادية الشام من الجهة الشرقية، في حال استمر تساقط الجبال التي تختفي تحت دوي الإنفجارات وهدير الجرافات.

وقد ذكرت عدة دراسات أن العمل العشوائي وغير القانوني لهذا القطاع أدى إلى تشويه حوالى 5300 هكتار من الأراضي معظمها حرجية خضراء غير قابلة للاستصلاح أو إعادة التأهيل، وهي تسببت بتدمير للطبيعة وبتصحّر الأراضي سواء مبا شرة عبر اقتلاع الصخور والتر بة والرمول أو غير مباشرة عبر انتشار الغبار الذي يتسبب باختناق الأشجار والنباتات وإلحاق خسائر بالتنوع البيولوجي إضافةً إلى ما تسببت به التفجيرات من تشقق في المنازل وخزانات المياه وتصدّع في طبقات الأرض وزحل أماكن سكنية وزراعية وإحداث مشاكل في الضجيج وتلوث الهواء والمياه الجوفية والسطحية وتشويه المناظر وتخريب شبكات الطرق وانخفاض قيمة العقارات المجاورة لها.

Cover wordpress

التطور التاريخي لظاهرة الكسارات والمقالع

تعدّ قضية المقالع والكسارات ضرورة وضريبة للبنان في الوقت عينه. فهي ضرورة من أجل البناء والإعمار وهي ضريبة هذا الإعمار لما تتركه من آثار سلبية على الطبيعة.

ظاهرة الكسارات والمقالع في لبنان ليست جديدة، لكن مساحتها لم تتعدّ في السبعينات 0.05 من مساحة لبنان وقد ارتفعت بزيادة ثلاثة أضعاف في منتصف التسعينات. وإن إختلف توزيع المقالع بين محافظة وأخرى إلا أنها انتشرت بمعدل مقلع واحد لكل عشرة كيلومترات مربعة، وتركز القسم الأكبر منها في أقضية عاليه والمتن وجبيل وكسروان.

وقد تعددت التشريعات المتعلقة بالمقالع والكسارات من قانون، إلى مراسيم، إلى قرارات مجلس وزراء إلى قرارات وزير منذ عام 1932 وحتى الآن. وتبدلت السلطات المعنية بإعطاء التراخيص من مدير الصحة والإسعاف العام إلى المحافظ إلى وزير البيئة، إلى البلديات ومجلس الوزراء.

في العام 1995 بلغ عدد المقالع والكسارات نحو 464، بالإضافة إلى 246 مرملة غير مرخصة. وقد أورد تقرير البيئة الوطني لسنة 2006 الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي أن 710 كسارة تعمل في لبنان يوجد نصفها في جبل لبنان، وأن معظمها يعمل من دون إذن وهي تحتل أكثر من 3000 هكتاراً تؤمّن سنوياً ثلاثة ملايين متر مكعب من البحص. وهي لا تحترم القانون لجهة استخراجها للرمول والبحص أو لجهة إعادة تأهيل الموقع بعد إنهاء العمل فيه، فمن بين 750 كسارة ومقلعاً عملت في لبنان، ثلاث فقط أعادت تأهيل موقعها.

في حين استخدم فريق بحث في “مركز الاستشعار عن بعد” التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية الصور الفضائية  العائدة لعامي 1989 و2005 لتقويم الأثر البيئي لهذه العمليات ولرصد التوسّع الحاصل في مساحة الكسّارات والمرامل، بيّنت الدراسة زيادة في عدد هذه المنشآت من 711 قبل عام 1989 إلى 1278 عام 2005 ، مع تضاعف مساحتها من 2897 هكتاراً إلى 5283 هكتاراً.

مشكلة المقالع والكسارات والمرامل ومظاهرها

أمّن الغطاء السياسي استمرارية التشويه للجبال على الرغم من بعض المقاومة في بعض القرارات الوزارية التي كانت تصدر بوقف أعمال المقالع والكسارات والمرامل. وقد برهنت الحكومات المتعاقبة مع صدور عدة مخططات توجيهية، كان مصيرها الأدراج، أن تعاطيها مع هذا الملف غير جدي ذلك أن تنظيم هذا القطاع يضر بمصالح قوى كبيرة تتحكم به، حيث أن قرارات عدة بإقفال كسارات في مهل معينة كانت غالباً ما تنتهي بتمديد هذه المهل إلى وقت لاحق أو حتى أجل غير مسمى.

وبدعة تجديد المهل هذه قد تكررت مراراً، حتى أنه يمكن القول أنه خلال الأعوام العشرة الأخيرة عملت المقالع والكسارات متذرعة بهذه البدعة. وكانت وزارة الداخلية والبلديات على سبيل المثال قد وافقت على إعطاء 403 مهل إدارية لمقالع ورمول وكسارات إلى طلبات لاستصلاح أراضي موزعة على كل الأراضي اللبنانية في العام 2007 في خطوة شكلت انتهاكاً للمرسوم 16456 (تعديل للمرسوم رقم 808 – تنظيم المقالع والكسارات) الذي حصر ملف الرخص للمقالع بوزارة البيئة بعد استشارة ملزمة للمجلس الوطني للمقالع.

وقد أظهرت نتائج البحث في مركز الاستشعار عن بُعد انتشار 31% من هذه الكسّارات في منتصف التسعينات على الأراضي الزراعية والحرجية و26 % منها على المراعي. ومع التوسّع الذي جرى خلال السنوات العشر الأخيرة، أضحت مساحة الكسّارات المنتشرة على الأراضي الزراعية 16.9 % في حين انتشر 4.9 % منها على حساب الغابات التي فُقد منها 2620 دونماً، مع زيادة ملحوظة على أراضي المراعي والأراضي الهامشية. واللافت أن 168 هكتاراً (3.2%) من المقالع والكسارات انتشرت ضمن المناطق السكنية ممّا زاد من خطورة تلويث الهواء.

يتم استغلال معظم المقالع والكسارات والمرامل من دون إذن، وهي تحاول الحصول على عشرات الهكتارات الإضافية كل سنة. كما وان الكسارات المرخصة لا تحترم القوانين المرعية الإجراء الخاصة بالإستخراج وإعادة التأهيل.

وبسبب ضيق مساحة لبنان وبسبب تمدينه المتصاعد، يجب تقدير انعكاس انتشار الكسارات وكمية الردم على الإقتصاد والبيئة. لذلك لا بد من سياسة دقيقة لإدارة ومراقبة نشاط الكسارات، إذ ستؤدي حماية الغابات والمساحات الخضراء إلى زيادة كمية الأوكسيجين في الهواء مما يبطئ حركة التعرية، لكن على صعيد آخر قد يؤدي هذا الأمر إلى انخفاض كميات الرمل والبحص المستخرجة وإلى ارتفاع أسعارها. كما وأن وقف عمل الكسارات بحسب مجلس الإنماء والإعمار قد يؤدي إلى زيادة البطالة.

ويلفت أحد التقارير إلى أن خزينة الدولة قد خسرت من الرسوم التي كان يفترض أن تُجبى في الأعوام الخمسة عشرة الماضية ما يقارب مليارين ونصف المليار دولار أميركي والتي كان يمكن تحصيلها لو كان هذا القطاع يعمل في شكل قانوني ومنظم. في حين استفاد من الأرباح الصافية التي تجاوزت ثلاثة مليارات دولار أميركي قلة قليلة مدعومة. ويقدّر التقرير أن متوسط أرباح الكسارة المتوسطة الحجم هو 70 ألف دولار أميركي يومياً، مما يؤكد على أن كل يوم يمر من دون تنظيم هذا الملف تُفقد الدولة ملايين الدولارات فيه. أما قيمة التدهور البيئي في أسعار الأراضي والعقارات المحيطة بهذه المواقع جراء تشويه المنظر فبلغت ما يقارب المئة مليون دولار أميركي.

مناطق تواجد وتوزع المقالع والكسارات

لم تترك الكسارات جبلاً من جبال لبنان إلا وخلّفت فيه آ ثاراً تشويهية. فمن المونتيفردي إلى إنطلياس مروراً بنهر الموت صعوداً إلى ميروبا وحراجل في كسروان وعودةً إلى عاليه، إنهارت جبال كثيرة تحت اجتياح الجرافات والتفجيرات.

فالجبل الأخضر في المونتيفيردي نهشه مقلعان رُخّص لهما في الثمانينات وظلا يعملان لأكثر من 15 عاماً متتالية عبر تجديد الرخص. مما أدى إلى “استحداث” أودية زاد عمقها عن 60 متراً، حتى أن نهر الجعماني الذي كان يعبر هذه التلال طُمر مجراه نتيجة الصخور والأتربة والحصى التي انهمرت فيه إلى حين صدر قرار في عام 1996 قضى بوقف العمل في المقلعين لكن بعدما جرّدا المنطقة من مميزاتها الطبيعية.

ولم تكن مقالع إنطلياس أكثر رحمة، ولم تكتفِ باقتلاع آلاف الأشجار وبساتين اللليمون بل دمرت مغارة البلانة الأثرية التي عُثر فيها على أدوات صوانية تعود إلى الإنسان الأول.

ولم يسلم وادي نهر ابراهيم الأثري من زحف المقالع، فدمّرت فيه أكثر من 15 ألف متر مربع من المساحات المزروعة. لكن حظه في الإفلات من براثن المقالع كان جيداً، فقد قامت لجنة خبراء لبنانيين بتكليف من وزارة الثقافة بإدراجه مع عشرة مواقع طبيعية وأثرية في لبنان ضمن لائحة التراث العالمي وقد وافق مكتب اليونيسكو على هذا الطلب. عندها فقط أصدرت وزارة الداخلية في عام 1996 قراراً بإقفال كسارات نهر ابراهيم وأبو ميزان.

ومن عين داره إلى الشبانية والعازورية وكفرمتى وبيصور كان للجبل نصيبه من تشويه المقالع والكسارات.

ولم تغب المقالع عن محافظة الشمال. ففي بلدة دير عمار حوّل 13 مقلعاً حياة السكان جحيماً منذ مطلع الثمانينات. ولا يغيب عن بالنا ذكر التشويه الكبير الذي حصل في محيط قلعة المسيلحة الأثرية. كما تأثرت كثيراً مناطق جبل أيطو وطريق أيطو- سبعل وطريق مزرعة التفاح – راس كيفا – أيطو بعمل المقالع والتشويهات التي تركتها.

أما مقالع البقاع فشكلت 21 في المئة من المساحة الإجمالية لمقالع لبنان، وتركزت هناك في منطقة ضهر البيدر المشهورة بكساراتها، وكذلك مناطق جديتا وسفوح السلسلة الشرقية.

وتمركز في الجنوب 14 في المئة من مقالع لبنان، من لبعا في شرق صيدا إلى قضاء صور والقليعة والعيشية، وطريق النبطية – الريحان وحتى جزين.

أما كسروان، فقد كانت حصتها مع المرامل والكسارات “مميزة”، فبلداتها دفعت غالياً ثمن النشاط غير الشرعي لها خصوصاً في بلدات حراجل وميروبا ولاسا ووطى الجوز وبقعتو تا وكفرذبيان. وتعرّضت صخور فيطرون الطبيعية للتآكل والتدمير.

 

أخطار وأضرار عمل المقالع والكسارات

إن أخطار عمل المقالع والكسارات مردّها بشكل أساسي إلى استعمال كميات كبيرة من المتفجرات. فالإحصاءات المتوافرة غير دقيقة وهي تشير إلى أن 30 في المئة من مقالع الصخور و5 في المئة من مقالع الرمول تستخدمها، لكن الواقع على الأرض يؤكد أن العدد أكبر من ذلك. وتتراوح كمية المتفجرات المسموح باستخدامها حول 50 كيلوغراماً شهرياً لكل مقلع. لكن الكميات المستخدمة فعلياً تزيد عن الكميات المرخصة.

ومن الأخطار الأخرى الناجمة عن عمل الكسارات هناك ا لزلازل والإنهيارات ونزع الغطاء الأخضر والتلوث وتصدع المنازل.

–         الزلازل: يقع لبنان في منطقة معرضة لكثافة الفوالق التي تقطع باطن أرضه. ويكمن الخطر في احتمالات تحرك كتل أرضية لدى تعرض المنطقة لتموجات زلزالية نتيجة تفجيرات قوية شبيهة كما يحصل في بعض المقالع.

وقد أصبح أصحاب المقالع والكسارات يحفرون مغاور يضعون فيها أطناناً من المواد المتفجرة إلى درجة أن البعض منها يحدث ما يشبه الهزات الأرضية تبلغ 3.4 درجات على مقياس ريختر.

–         الإنهيارات: تأتي الإنهيارات نتيجة التقاعس عن اعتماد خطوات علمية وعملية مدروسة خلال اقتلاع الصخور مما يعرّض المنحدرات والصخور وأكوام الحجارة والرمول للإنهيار. وتساهم عمليات التعرية الطبيعية في انجراف التربة والنباتات من المواقع المحيطة بالمقالع والكسارات.

–         نزع الغطاء الأخضر: تعمل الآليات والجرافات على جرف المساحات الخضراء من دون أي اعتبارات. وهي تطاول الغابات وتفتعل الحرائق وتقضي على كل النظام الإيكولوجي والتنوع البيولوجي في نطاق عملها.

–         التلوث: يطال تلوث المقالع والكسارات والمرامل التربة والهواء والماء. فالقيّمون عليها لا يتابعون المعايير العلمية في التفجير والإقتلاع والطحن والنقل والتخز ين وحتى التخلص من النفايات المتنوعة، لذلك تنتشر آثارها السيئة على مساحات واسعة. ويحدث تفجير الصخور أطناناً من الغبار التي تؤثر على صحة القاطنين في الجوار، خصوصاً إذا احتوت الصخور على الغرانيت أو الصوان. ويتطاير الغبار في كل الإتجاهات ويكسو النباتات بطبقة كثيفة ويلوث العشب الذي ترعاه الماشية. وقد تصبح الأنهر موحلة ويمكن أن يعاني الناس الذين يشربون من مياه هذه الأنهر بالتهابات جلدية ومن مشاكل صحية أخرى. أما عمال المقالع والكسارات فيواجهون الخطر الأكبر إذ أنهم أقرب الناس إلى مواقع التفجير فيعاني بعضهم من التسمم وسرطان الرئة نتيجة تنشق غبار الغرانيت.

–         تلوث المياه الجوفية: تعَد طبقات الصخور الكلسية الصلبة من أهم خزانات المياه الجوفية في لبنان. وهي في الوقت نفسه المكان الصالح بامتياز للإستثمارات في ميدان المقالع والكسارات، الأمر الذي يؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والينابيع. والمثال على ذلك هو في كسارات إنطلياس التي تقع فوق خزان ضخم للمياه الجوفية وعلى بعد عشرات الأمتار من نبع فوار انطلياس الذي عكّرت المقالع والكسارات مياهه بحيث تظهر للعيان مياهه الموحلة على مدار السنة.

–         المياه الجارية ومجاري الأنهار وينابيع المياه: إن عدداً كبيراً من الكسارات يقع على ضفاف الأودية مباشرة، وغالباً ما يتخلص أصحاب المقالع والكسارات من نفاياتهم (التربة) برميها في الوديان. وبما أن الأودية متصلة بمجاري الأنهار في الغالب فمع كل هطول غزير للأمطار تعكر هذه التربة مياه بعض الأنهر إلى درجة كبيرة.

وتجدر الإشارة إلى استعمال مواد النيترات بكميات هائلة في عمليات التفجير التي تؤدي إلى تلوث الهواء بمادة NO2 السامة وإلى تلويث المياه الجوفية بمادة الأسيد نيتريك السامة.

–         تزعزع المنازل: يشتكي أهل عشرات القرى من التشققات والإنهيارات في منازلهم. وتكون الهزات الناجمة عن التفجيرات أشد تأثيراً في القرى ذات الأراضي الصخرية أو الترابية غير المتماسكة وفي المناطق التي تتكاثر فيها الفوالق، وما أكثرها في لبنان. هذه التحركات الأرضية تضعف الأسس والبنى التحتية والفوقية ويمكن أن تؤثر في منسوب المياه الجوفية.

–         تشقق خزانات المياه: ومن المعلوم أن أهالي وسكان قرى العديد من المناطق الزراعية المجاورة للكسارات تعتمد على خزانات الباطون لتجميع مياه الشتاء والإفادة منها في عملية الري. وتسبب عمليات التفجير المذكورة تشقق هذه الخزانات وهدر تلك المياه التي تمثل المصدر الحيوي الوحيد للأهالي في فصل الصيف.

–         تأثيره في المواقع الأثرية والسياحية: من المناطق التي أُلحق فيها الضرر على سبيل المثال: مغارة الإنسان الأول في إنطلياس والمغاور الطبيعية المحيطة بها، وقلعة المسيلحة التاريخية في البترون وهوة دارة في بلدة مجدل ترشيش، إضافة إلى الأضرار التي ألحقت بالمناطق والقرى السياحية المجاورة للكسارات.

–         تأثيره في النظافة العامة: تضطر ربات المنازل، وفي ذروة أ يام شح المياه، إلى القيام بالتنظيفات اليومية، وذلك طوال فصل الصيف، الأمر الذي يؤدي إلى هدر الوقت والمياه والطاقات إضافة إلى إجبار الناس على العيش داخل منازلهم المغلقة بإحكام حتى في أيام الحر.

–         إرتفاع هوة المقالع: إن ارتفاع هوة المقالع أصبحت تتعدى المئة متر في معظم المقالع مع أن القانون حددها بثلاثة أمتار.

–         مشاكل مختلفة أخرى: وهناك مشاكل متنوعة تنجم عن نشاط المقالع والكسارات منها انخفاض قيمة العقارات المجاورة وإلحاق الأذى بالأراضي المجاورة وباستعمالاتها السكنية والزراعية.

حلول مقترحة في ملف المقالع والكسارات

منذ العام 1997 وضعت دار الهندسة دراسة لمخطط توجيهي للمقالع والكسارات والمرامل إقترحت فيه حلولاً تقنية وبيئية ومنهجاً وطنياً لمعالجة هذا الملف مرفقة بخريطة لأربع مناطق يُسمح فيها باستثمار المقالع والكسارات والمرامل محصورة في السلسلة الشرقية. وتوزعت المناطق على الشكل الآتي: الأولى قريبة من عرسال، والثانية قريبة من الطفيل، والثالثة قريبة من دير الغزال والرابعة في ينطة – دير العشائر. وقد كلفت هذه الدراسة الدولة 800 ألف دولار أميركي لكنها لم تلقَ حينها موافقة من كل الأفرقاء فكان مصيرها النوم في الأدراج.

ثم صدر في العام 2002 المرسوم 8803 الذي تحدث عن الإطار الإداري والتنظيمي والفني لإدارة قطاع المقالع والكسارات. وحصلت لاحقاً عدة محاولات لتحسين الوضع في شكل يتجاوب مع متطلبات وحاجات السوق اللبناني ويحد من الفلتان الحاصل. وكانت نتيجتها أنه في العام 2006 صدر عن وزارة البيئة المرسوم ر قم 16456 الذي حدد بالإضافة إلى المناطق الأربعة المذكورة في المخطط مناطق غير مسموح استثمار المقالع والكسارات فيها نهائياً مثل المواقع الطبيعية والمحميات ومجاري الأنهر.

تؤثّر الكسّارات بحسب مركز الإستشعار عن بعد على تدهور الموارد الطبيعية في لبنان بسبب سوء إدارة هذا القطاع الحيوي للبنان، وأسلوب الإستثمار الذي لا يتلاءم غالباً مع الإعتبارات البيئية والسلامة العامة. ولم يلحظ برنامج استثمار الكسّارات، أو هو لم يفرض في أغلب الأحيان، إعادة تأهيل المواقع. وتوفيراً للمال العام، قام فريق البحث بوضع نماذج مبنيةّ على نظام المعلومات الجغرافية (GIS) لإظهار المناطق ذات الأولوية لإعادة التأهيل، حيث تتوفر ظروف ملائمة لإعادة إحياء الغطاء النباتي ومواجهة التأثير البيئي السلبي للمواقع المتدهورة. وقد عمل فريق البحث أيضاً على تطوير نموذج لتحديد المواقع الأكثر ملاءمة للكسّارات والتي تتسبّب بأقل ضرر ممكن للصحّة العامة والبيئة وتوفر إمكانية نجاح جهود إعادة التأهيل، وذلك باعتماد تقنيات تسمح بالإستثمار الإقتصادي على قاعدة بيئية تؤمّن إعادة التأهيل قبل انتهاء مدّة صلاحية رخصة الإستثمار.

يُجمع المعنيون على أن مشكلة هذا الملف لم تكن يوماً في المخطط التوجهي بل في توجيه هذا المخطط نحو توزيع مواقع المقالع والكسارات محاصصة، معتبرين أن سبب سقوطه في كل مرة يكمن في تدخل عدد من النافذين الذين يرغبون في امتلاك المقالع والكسارات نظراً للأرباح الوفيرة التي تؤمنها لهم. كذلك يتبين أن المشكلة لم تكن محصورة بالقوانين، وإنما بعدم تطبيقها إذ أن العديد من القوانين والقرارات كانت تصدر سنوياً بهدف تنظيم هذا الملف غير أنها كانت تُخرق ويتم التعدي عليها باستمرار. والمسألة ما كانت لتتفاقم لو أن إنتاج البحص كان من أجل البناء وليس لردم البحر في شكل يخالف الدستور ولمصلحة قلة من المستثمرين وعلى حساب حقوق الشعب اللبناني. فجاءت نتيجته تشويهاً مزدوجاً للبر وللبحر.

Advertisements

Tagged: , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: