Monthly Archives: February 2013

استطلاع “الدولية للمعلومات”: 49% من اللبنانيين مع نواب خارج القيد الطائفي

تشكل الطائفية ركناً أساسيا في تركيبة الدولة والمجتمع في لبنان فهي جزء أساسي من الهوية اللبنانية. وقد أدرك اللبنانيون على مر العقود الماضية مخاطر الطائفية ودورها في إحداث الفتن والمشاكل، وفي عرقلة تقدم الدولة والمجتمع وتطورهما.
ونصت اتفاقية الطائف، التي أصبح الكثير من بنودها جزءاً من الدستور اللبناني منذ العام 1991، ان لبنان عربي الهوية والانتماء، وعلى ضرورة العمل على إلغاء الطائفية السياسية، وعلى انتخاب مجلس النواب على أساس خارج القيد الطائفي بعد إنشاء مجلس للشيوخ على أساس طائفي.
كيف ينظر اللبنانيون إلى الانتماء الطائفي والهوية والزواج المدني؟
هذه المواضيع شكلت محور الاستطلاع الذي أجرته «الشركة الدولية للمعلومات» يومي 18 و19 شباط الحالي بواسطة الهاتف وشمل عينة من 500 مستطلع توزعوا في المناطق اللبنانية وعلى الطوائف تبعاً لحجم كل منها، كما شمل مختلف الشرائح العمرية والفئات الاجتماعية. وجاءت النتائج الآتية:

ـ انتخاب النواب خارج القيد الطائفي

من المعروف ان النواب اللبنانيين الـ 128 يتوزعون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين ونسبياً تبعاً للطائفة ضمن الفئتين. وقد بين الاستطلاع ان أكثرية 49 في المئة من المستطلعين يؤيدون انتخاب النواب خارج القيد والتوزيع الطائفي مقابل 33 في المئة مع إبقاء القيد والتوزيع الطائفي، ورفض الإجابة 18 في المئة.
وبالمقارنة مع نتائج استطلاع سابق أجرته «الدولية للمعلومات» في 24-28 حزيران 2005 بعد الانتخابات النيابية مباشرة، ايد 66 في المئة من المستطلعين إلغاء التمثيل الطائفي للنواب بينما عارضه 23 في المئة، ورفض 11 في المئة الإجابة ما يشير إلى تصاعد حدة العصبيات الطائفية وعودة اللبنانيين الى مواقف طائفية.
وفي توزع الإجابات وفقا للاستطلاع الجديد تبعاً للطائفة، فان 38 في المئة من المستطلعين الموارنة هم مع القيد والتمثيل الطائفي و39 في المئة من الدروز، بينما 61 في المئة من الدروز و59 في المئة من الأرثوذكس هم مع إلغاء القيد والتمثيل الطائفي وفقاً لما هو مبين في الجدول رقم 1 الذي اظهر أن 49 في المئة من اللبنانيين هم مع انتخاب النواب من خارج القيد الطائفي و33 في المئة وفقا للتمثيل الطائفي و18 في المئة لا جواب.

ـ ما هي الصفة الأهم (الهوية) عند اللبنانيين؟

اعتبرت الأكثرية الساحقة من المستطلعين (76 في المئة) ان هويتهم الأهم والمفضلة التي يرغبون أن يعرّفوا بها هي أنهم «لبنانيون»، في مقابل 9 في المئة قالوا انهم يفضلون أن يخاطبوا بصفتهم «عربا»، مسيحي 7 في المئة، مسلم 6 في المئة، ومواطن عالمي (كوني) لا ينتمي إلى طائفة أو وطن 2 في المئة.
وبينما تبرز فئة من المستطلعين المسلمين (16 في المئة من السنة و12 في المئة من الشيعة) التي تعتبر أن هويتها الأهم هي «العروبة»، يلاحظ أن هذه النسبة تنخفض لدى المسيحيين (5 في المئة لدى الأرثوذكس و4 في المئة لدى الموارنة).

ـ الزواج المدني والاختياري

عبرت أكثرية 51 في المئة من المستطلعين عن تأييدها للزواج المدني والاختياري: 9 في المئة مع الزواج المدني و42 في المئة مع الزواج الاختياري (مدني أو ديني). ويؤيد الزواج الديني 49 في المئة، وترتفع نسبة التأييد للزواج الديني لدى المستطلعين المسلمين (65 في المئة عند السنة و60 في المئة عند الشيعة) وتنخفض لدى المستطلعين المسيحيين.

22113-1

إن موقف ورأي المستطلعين من المسائل الثلاث يبدو مترابطاً فالذين يؤيدون انتخاب النواب على أساس غير طائفي يتجهون في منحى غير طائفي إذ أن 60 في المئة منهم يؤيدون الزواج المدني والاختياري مقابل 40 في المئة يؤيدون الزواج الديني، كما يعتبر 79 في المئة منهم ان صفتهم الأهم هي لبنانيون.
واللافت للانتباه أن الطائفة الأرثوذكسية التي صار ينسب اليها «القانون الأرثوذكسي» الداعي لأن ينتخب كل مذهب في كل طائفة نوابه، احتلت بين الطوائف المسيحية، المرتبة الأولى، في الحماسة لانتخاب نواب خارج القيد الطائفي (59 في المئة من الأرثوذكس يؤيدون الانتخاب من خارج القيد الطائفي، بينما بلغ مؤيدو التمثيل الطائفي عندهم فقط 18 في المئة).
واحتل العلويون المرتبة الأولى برفض التمثيل الطائفي (100 في المئة)، وحل بين المسلمين، الدروز في المرتبة الثانية (61 في المئة) يليهم الشيعة (53 في المئة) ثم السنة (50 في المئة).

الإنتخابات في عيون المواطن: طائفية، رشاوى، جهل، تبعية

يظهرون مرة كل أربع سنوات! هم أنفسهم. لا يقدّمون سوى بعض الوعود، التي تكون بأغلبها… كاذبة!
يتركون عبء الوطن على شعبهم، بينما هم غافلون عنه. يدّعون أنهم “ممثلي الشعب”.
إقتربت الساعة الحاسمة، وبالرغم من عدم اعتماد قانون انتخابي حتى اللحظة إلا أن التحضيرات للإنتخابات جارية على صعيد المسؤولين الرسميين وعلى صعيد المرشحين.
فهل سيعيد الشعب انتخاب من انتخبهم قبلاً، بغضّ النظر عن التقصير المزمن الحاصل من قبل نوابه؟ أم أنه سيبني اختياراته هذه المرة على البرامج الإنتخابية وكفاءة المرشحين (وهي الفكرة الأساسية من إجراء انتخابات نيابية كل أربع سنوات أصلاً) بدل أن يبنيها على معايير شخصية أو مذهبية ضيقة؟

Election

إن كلمة المواطن تأتي من كلمة الوطن، والمواطن هو اللبنة الأساسية الأولى في أي مجتمع من المجتمعات، بغض النظر عن طبيعة هذا المجتمع ومواصفاته. وبدون المواطن لا يمكن الحديث عن وطن.
وهناك علاقة وثيقة تربط بين مفهوم المواطن وبين موضوع الانتخابات باعتبارها أحد أهم معالم النظام الديمقراطي. حيث تعبر الانتخابات بوضوح عن ممارسة المواطنين لحق أساسي من حقوقهم في المجتمع الديمقراطي، وهي المشاركة الفعلية في عملية صنع القرار، من خلال انتخاب ممثليهم الذين سيكونون في مواقع القيادة في الدولة التي تعمل على تنظيم حياة المواطنين وإدارة شؤونهم في مختلف المجالات الحياتية.
من خلال ذلك نرى أن من أهم متطلبات المجتمع الديمقراطي، هي منح الحق لجميع المواطنين في المشاركة في اختيار مجلس النواب الذي سيمثلهم ويدافع عن حقوقهم. وهذا يتحقق من خلال تنظيم انتخابات عامة. وليست الإنتخابات بهذا المعنى غاية بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة تهدف إلى تعزيز بناء المجتمع الديمقراطي، وهي طريقة يمكن بواسطتها معرفة إرادة الشعب.
وفى ظل اقتراب موعد الإنتخابات ولكون المواطن هو العنصر الأساسي في العملية الإنتخابية قمنا بالنزول للشارع لمعرفة أسباب انتخاب المواطنين في كل دورة نتخابية لنفس الوجوه تقريباً، بالرغم من أنهم خلال الفترات الفاصلة بين دورة نيابية وأخرى لا يكفون عن الشكوى والتذمّر من نفس النواب.

بيكفي إنك لبناني!

يقول صالح خريج كلية الإعلام في جامعة الجنان “بيكفي إنك لبناني، لطالما داعبت هذه الأغنية مشاعر اللبنانيين، فهي تتناول قيم الحرية والديمقراطية والبطولة. إلا أن الواقع يعكس شيئاً آخر! فالضائقة الإقتصادية التي يعيشها السواد الأعظم من الشعب اللبناني، والطائفية المستشرية في عروق أبنائه وبناته، جعلت منه شعباً مستعبداً بامتياز في بلد الحريات!”
يضيف صالح “أنا لا ولم ولن أنتخب” وعندما نسأله لماذا يرد: “الجواب ببساطة، بنتخب بس نصير عالم! وبصراحة أنا أستحي أنني لبناني”.

أما الطالبة حلا طه سنة ثالثة في كلية إدارة الأعمال بجامعة الجنان فتجيب باندفاع “برأيي إن الشعب هو فقير ومسكين يتم خداعه من قبل النواب الذين لا يظهرون سوى في فترة الإنتخابات عندما يبدأ الكلام الفارغ والوعود الفارغة، فينسى الشعب مصائب السنوات الأربعة الفائتة ليعود وينتخب نفس هؤلاء النواب على أمل التغيير ولكن للأسف في كل مرة يأتون هم نفسهم مع الألاعيب نفسها. لا شيء يتغير بل بالعكس الوضع يزداد سوءاً”.
وتضيف “أنا شخصياً أنتخب على أساس شخصية المرشح وقدرته على تحمل مسؤولية هذا البلد. ليس من الضروري أن يكون إبن فلان أو علان فهم نفسهم من الجد، للأب، للإبن! يجب أن نعطي الفرصة لأشخاص جدد، لأنني أتمنى بصدق أن يعمَر هذا البلد. ما أود قوله في النهاية بأن صوتك مسؤوليتك، فكر وركز قبل ما تصوّت!”

ويجيب الطالب عبدالله نور قائلاً “سؤالكم مهم جداً! سأجاوب عليه من ناحيتين. الأولى من الناحية المادية، حيث يرتشي المواطن بالدولار ليدلي بصوته وبالطبع الشعب اللبناني طول عمرو لاحق المصاري وبالتالي صوته ليس له قيمة. الناحية الثانية هي الطائفة فالسني سيصوت للسني والمسيحي للمسيحي والشيعي للشيعي وهكذا تستمر العملية. لكن في الحالتين إن المواطن لا ولن يتخذ القرار الصحيح”. ويردف عبدالله “أنا أنتخب على أساس البرنامج الإنتخابي الموضوع من قبل المرشح ومدى صدقه في تطبيق وعوده والقيام بأعماله”.

إنتخاب السيء… أم الأسوأ؟!

أما راكيل قره علي فقالت باستياء وعلامات الحزن على وجهها “النواب ينتخبون أنفسهم بأنفسهم، هني شاريين الشعب ومحصّنين حالن من قبل الشعب!! وأنا أنتخب في العادة وفق قاعدة (الإختيار ما بين السيء والأسوأ) فأنتخب السيء الذي يبقى أفضل من الأسوأ!”

وتقول الآنسة ثروت خريجة كلية الإعلام “في رأيي إن المواطن اللبناني عاطفي جداً، يحدد خياراته السياسية والإنتخابية حسب الخطابات الطائفية الترويجية التي تسبق الإنتخاب”.
وتضيف مشيرة “إن فوبيا الطائفية تدفع المواطن لانتخاب زعيمه الطائفي بعيداً عن كل الإعتبارات السياسية والإقتصادية المفترض على كل مواطن الأخذ بها قبل انتخابه لأي نائب. فلا ينبغي أن نكون متلقّين نمشي وراء خطاب طائفي ومذهبي، فلا بد أن نعبّر عن رأينا في الإنتخابات بحرية ومسؤولية وصوتنا يجب أن نقدّمه بضمير لكل من يستحقه”.

مغتربة

حتى المغتربين فقدوا أملهم وسئموا من الوضع، بالرغم من أنهم يعيشون خارج بلدهم ولكنهم لا يجدون ما يشجعهم على انتخاب النواب لانهم لا يؤمنون بأنهم سيتمكنون من تمثيلهم بشكل واعٍ. لذلك أجرينا حديثاً مع فيفيان وهي مواطنة لبنانية مغتربة عبر Skype، وقالت “على الرغم من أن لا شيء يتغير من حيث أداء النواب في لبنان، بل على العكس يزداد تراجعاً، لكن اللبنانيين ما زالوا ينتخبون حسب انتمائهم السياسي والديني. والإنتخابات برأيي يجب أن تعتمد على قدرة المرشح في تمثيل مختلف الشرائح والطبقات الإجتماعية والإتجاهات الموجودة والعاملة في المجتمع. ولكن أنا بكل بساطة لا أنتخب!”

للأسف، هكذا يمارس الشعب الإنتخابات في لبنان. حساسيات طائفية، أوضاع إقتصادية رديئة، غياب للوعي، تبعيّة وجهل إنتخابي. كل هذه العوامل جعلت من اللبناني فريسة ضعيفة في الإنتخابات. فإلى أين ستحملنا الإنتخابات النيابية المقبلة في لبنان؟

بقلم:
عمر السباعي: سنة ثالثة إعلام – جامعة الجنان
نجوى ابراهيم – سنة أولى إعلام – جامعة الجنان

هل تعلم؟ يحتل لبنان المرتبة 93 عالمياً بالنسبة لحرية الصحافة

Press Freedom

لطالما صُوّر لبنان تاريخياً كمركز لحقوق الإنسان والحريات في العالم العربي. فحرية التعبير مكرَّسة في الدستور اللبناني والمعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان.

مع ذلك، يعكس التاريخ الحقيقي لوسائل الإعلام في لبنان واقعاً مختلفاً، كما يبيّن تهديدات خطيرة تطال حرية التعبير، وتحول دون وجود وسائل إعلام ذات مصداقية، وتعرقل إمكانية حصول المواطنين على مساحة للتأثير في وسائل الإعلام. فالإعلام اللبناني، بحسب إجماعٍ عام، إعلامٌ مسيَّس ومتحزّب، لا يمثّل مصالح الشعب عامةً ولا يتبع لأنظمة واضحة، ويُستخدم كوسيلة للسيطرة السياسية والتخندق.

إلى ذلك، يتحكَم مكتب الرقابة التابع للأمن العام بمحتوى الإعلام ويمنع المواطنين من الوصول إلى مصادر معلومات ثقافية وتعليمية وسياسية متنوعة. ويعاني هذا المكتب من غياب الأنظمة الواضحة وسوء الإدارة وغياب الموضوعية في تحليل المحتوى.

قد تكون كل هذه الظواهر أدت إلى تصنيف لبنان في المرتبة 93 بين 179 بلداً بالنسبة لحرية الصحافة وفق مؤشر الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود عام 2012.

من هنا، ومع تصاعد الطائفية وتغذية التقسيمات تبرز الحاجة إلى تركيز الوسائل الإعلامية على قضايا محددة تتمحور حول مصالح المواطن.

كما أنه من شأن تعزيز حرية الفضاءات الإعلامية أن يعيد للبنان مكانته كحصنٍ لحريات الصحافة وحرية التعبير.

آثار طرابلس لن يبقى لها أثر!

في كل مرة تأتي على ذكر الشعب الإيطالي، يطالعك رأي أحدهم فيقول:”الطليان بيشبهونا! وإيطاليا كتير بتشبه لبنان”. الدول الأوروبية المجاورة للبلد الجميل (كما يصفه شعبه) تطلق على الشعب الإيطالي لقب “عرب اوروبا” نسبةً لطبيعته الفوضوية. لكن هذه التسمية هي أبعد ما تكون عن الواقع، لأن الشعب الإيطالي شعب ذو ذوق راقٍ وحس فني مرهف وارتباط وثيق بتاريخه العريق، على عكس الإهمال السائد الآن في مجتمعاتنا العربية بالفن الراقي والتراث والتاريخ. فما من مدينة أو قرية في إيطاليا إلا وتحافظ على شيء ما من موروثها المعماري، مع العلم أن المحافظة على التراث في عصر العولمة والأزمة الإقتصادية العالمية ليس بالشيء السهل فهو يتطلب جهوداً وأموالاً قد يقول البعض أنه يمكن صرفها على شؤون أخرى.

Tripoli Souk

فحين بدأت أعمال الحفر في مدينة روما لإنشاء شبكة مواصلات المترو إصطدمت الشركة المتعهدة بوجود كمية كبيرة من الآثار الدفينة تحت شوارع ومباني المدينة مما اضطرهم أن يوقفوا أعمال الحفر، وإجراء تعديل جذري على مخطط المشروع. فهل أنصف الأوروپيون الشعب الإيطالي لدى وصفهم إياه بـ”عرب أوروبا”؟

أنا شخصياً لدي الكثير من التحفظ حيال هذا الوصف، لأن العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً يلزمهم عشرات السنين والكثير من العمل الدؤوب للوصول إلى ما هم عليه الآن أقل شعوب أوروبا حضارة، فكيف بالشعب الإيطالي؟

ثمة من سيقول أن هذه الحضارة الأوروبية تتخبط في العديد من المشاكل الإجتماعية وأنا أوافق موافقة متحفظة. فنحن لسنا بصدد الحديث عن المشاكل الإجتماعية، بل حديثنا في هذا المقال لتسليط الضوء على خطر داهم يزحف بخطى ثابتة نحو المجتمع اللبناني الذي أراه أنا شخصياً يتقهقر ويتخلف عن ركب الحضارة، معتقداً أن الحضارة هي بالعري على الشاشات واقتناء أحدث اختراعات الغرب من هواتف وأجهزة رقمية وبرامج وتطبيقات واستعمالها غالباً في “طق الحنك” وإضاعة الوقت، مهملاً جذوره التاريخية من كافة النواحي، متناسياً أن التاريخ يصنع المستقبل ومن لا يحفظ تاريخه لن يحفظه المستقبل.

إن المباني الأثرية هي جزء لا يتجزأ من تاريخ الشعوب، إذ أنها تبقى شاهداً على ما صنع أسلاف هذا الشعب أو ذاك. لذا فإن المحافظة عليها هو واجب وطني وأخلاقي على حد سواء وليس ضرباً من الرفاهية كما يعتقد الكثيرون.

وضع الآثار في طرابلس

من يسير في مدينة  طرابلس، ويرفع نظره قليلاً إلى الأعلى يرى بأم عينه شواهد كثيرة على تاريخ عريق، شوّهت أغلبها يد الجهل من ناحية ويد الإهمال من ناحية أخرى. فكم من مبنى هنا أو هناك تهدّم كلياً أو جزئياً إما بسبب الإهمال وعوامل الزمن أم بسبب عبث العابثين وأيدي المجرمين، ومبانٍ أخرى شُوهت بقصد التحديث.

المشهد الأثري في طرابلس مهدد بالإنقراض فالمسؤولون لا يعيرون أدنى اهتمام لما حلّ بمباني المدينة الأثرية، وما رُمّم منها (كخان الخياطين مثلاً الذي طُمست كافة معالمه الجميلة بعد الترميم) فقد تم ترميمه بمنح دولية. فعلى سبيل المثال المبنى المعروف بـ”مسرح الإنجا”، وهو معلم تراثي لبناني مميز كان قد شهد نهضة ثقافية وفنية كبيرة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، تعرض إلى عمليات هدم متتالية أدت إحداها إلى سقوط قتيل وشكلت في وقت سابق موضوع سجال واسع بين مالك العقار وبعض هيئات المجتمع المدني التي رفعت الصوت عالياً بضرورة الحفاظ على تراث المدينة. لكن لا حياة لمن تنادي! تهدّم المبنى وتحوّل إلى كاراج للسيارات بالرغم من كل القرارات الوزارية والبلدية والمطالبات بعدم الهدم.

التقصير الرسمي حيال آثار طرابلس جعلها غير موجودة على خارطة البلد السياحية نهائياً، علماً أنها ثاني أكبر مدن لبنان وتعدّ من أكثر مدنه عراقة حيث يقول الباحثون أنها “القاهرة الصغيرة” فهي ثاني أغنى مدينة بعد القاهرة من ناحية تميّزها بالآثار المملوكية. فلماذا يؤمّ القاهرة ملايين السياح سنوياً ولا يؤم طرابلس سوى القليل القليل من السياح الذين يأتون لزيارة قصر الحلو وليس لزيارة قصر نوفل مثلاً؟ مع الإشارة إلى أن القاهرة ليست بالأنظف ولا بالأجمل من طرابلس. الإجابة عن هذا السؤال ليست بتلك الصعوبة، فالإهمال المقصود أو غير المقصود للمدينة يزداد يوماً بعد يوم، حتى بعد أن “فازت” بـرئيس حكومة وخمس وزراء من أبنائها لم يتحسن وضعها بل ازداد سوءاً أسوةً بباقي المناطق وذلك بسبب الأوضاع الإقتصادية والسياسية والأمنية السيئة.

ولكن المسؤولية لا تقع على عاتق المسؤولين فحسب، إنما هناك تقصير ملحوظ من قبل هيئات المجتمع المدني الطرابلسي تجاه ما يجري وإهمال واستهتار كاملين من قبل المواطنين بشكل عام. فلو كان هناك وعي وثقافة كافيين لدى أبناء هذه المدينة لتكاتفوا وضغطوا بشكل فعال وقوي على المسؤولين لإنقاذ هذه المدينة الأثرية من الدمار الشامل الزاحف اليها. فلو حدث ذلك بالفعل وتم تحسين الصورة العمرانية لهذه المدينة التي تعد حالياً من أكثر مدن حوض البحر المتوسط فقراً بحسب ما يرد في التقارير السنوية لمنظمة الأمم المتحدة، لتحسّن الوضع كثيراً. إذ يمكنها أن تكون مدينة سياحية بامتياز، خاصة إذا ترافق هذا الضغط مع حملات ضغط لتفعيل مطار القليعات القريب جداً، والذي يقبع هو الآخر قبالة شاطئ بحر عكار، منتظراً انتظار Penelope لـ Ulysse.

20130201_135949

ولكن على ما يبدو فإن قلة قليلة من أبناء طرابلس تهتم بآثار مدينتها وتدرك أهميتها التاريخية والسياحية والإقتصادية، وللعلم فإن:

1-    أجزاء كبيرة من قلعة طرابلس قد أكلتها الرطوبة والأوساخ المرمية هنا وهناك ولا من يسأل ولا من يهتم. كما أن الموظف المسؤول عن قطع التذاكر يبدو أنه يعاني من نقص في خزينة الأسرة، مما يضطره إلى زيادة خمسة أو ستة آلاف ليرة على ثمن تذكرة الدخول إلى داخل القلعة! أقول هذا الكلام بناءً على تجربة شخصية، ففي العام 2010 قام بزيارتي أحد أصدقائي الطليان وطلب إليّ بإلحاح أن أرافقه لزيارة القلعة بعد أن قرأ عنها في الدليل الذي أحضره معه من بلده، فذهبنا. ولدى وصولنا إلى مدخل القلعة، طلبنا إلى الموظف المسؤول تذكرتي دخول فزوّدنا بهما على الفور وأردف قائلاً بالإنكليزية: ثلاثون ألف ليرة! علماً أن السعر الرسمي للبطاقة الواحدة آنذاك كان تسعة آلاف ليرة. وحين طلبت إليه تعليل هذه الزيادة الغير مبررة غضب ومنعنا من دخول القلعة. وعندما لجأت إلى أحد عناصر فصيلة الجيش الموجودة على المدخل الخارجي للقلعة، باعتباره ممثلاً للسلطة لاستيضاح الأمر، أجابني بسخرية على الطريقة اللبنانية:”لازم تشكرو مش تشكيه… وفّر عليك! شو فايتين تعملو؟”. فتأمل يرعاك الله!

2-    أما بالنسبة للأسواق والخانات فالوضع ليس بالأفضل. فبعضها رُمم بطريقة لا تمتّ لأصول الترميم بصلة، والبعض الآخر تُرك فريسة سهلة للأعشاب الجدارية والرصاص والشظايا، كشاهد على فترات متعاقبة من الإهمال والحروب. فخان الخياطين الذي تم طلاؤه باللون الأبيض، تغطت جدرانه وحُجب رونقها، ووُحّدت أبوابه، وانتُزع الحديد القديم المزخرف لاستبداله بنسخة جديدة مما جعله يفقد جماله وفرادة تصميمه. وخان العسكر محتجب كلياً عن الأنظار، وسوق العطارين شبه محظور على من لم يألف أنفه روائحه المزعجة على الرغم من أن اسمه يوحي بغير ذلك! وهنا نذكر مبادرة يتيمة من الوزير السابق عمر مسقاوي حين كان نائباً ووزيراً، فقد طلب أن توضع حصته من الباطون والزفت تحت تصرف البلدية بغية إصلاح وتأهيل هذا السوق، لكن وللأسف الشديد فإن هذا الموضوع قوبل بالإهمال ولم يُمنح الدراسة المطلوبة*(١)

3-    حمّامات طرابلس التي كانت تفوق الخمسين حمّاماً أين هي الآن؟ أغلبها هُدم بشكل كامل، والقلة القليلة منها بقيت محافظةً نوعاً ما على هيكلها العمراني دون أن تحظى بأي عناية حقيقية أكان من ناحية التغطية الإعلامية أو الدعاية السياحية أسوةً بغيرها من مدن لبنان. وهنا يطالعني حديث لأحد قدماء تجار منطقة باب الحديد المتاخمة لمجرى نهر أبو علي،إذ يقول:”أتت إحدى شركات المقاولات بمشروع ممول من البنك الدولي أطلقت عليه اسم (مشروع حماية الإرث الثقافي) ومما نفذه المشروع سَقف مجرى النهر وتحويله إلى بازار على الطريقة الأوروبية، وإذا بها تفتتح العمل بهدم الكثير من المباني الأثرية التي اعترضت طريقها، مبقية على بعض الجدران، كشاهد على الجريمة وتأكيداً على نظرية علم الاجرام التي تقول بأن ليس هناك جريمة كاملة! فهل هكذا تكون حماية الإرث الثقافي؟ وهل علم مموّلو المشروع بما حصل؟”

4-    منطقة التل وساعتها التي باتت رمزاً لمدينة طرابلس تفتقد لأدنى المواصفات التي يجب أن يتمتع بها أي معلم سياحي. فهي عبارة عن موقف كبير للتاكسي ومقر لماسحي الأحذية، وتنتشر في أسفلها الروائح الكريهة. فإذا أردنا المقارنة بينها كرمز لطرابلس وبين برج الساعة الموجود بساحة النجمة التي تُعتبر أحد رموز مدينة بيروت، فسوف نصاب بالخجل من أنفسنا،فشتّان ما بين النجمة والتل!

5-    أما بالنسبة للميناء، فمبانيها الأثرية أضحت أطلالاً أو فريسة للإهمال المزمن، فأين هو برج السباع، ومحطة القطار، وخان التماثيلي، إضافة للعديد من القصور والمباني؟

Tall

وآخر فصول هذه التراجيديا هو ما حصل في منطقة السرايا العتيقة منذ ما يقارب الشهرين، إذ أفادني أحد الموظفين في الشركة التي تقوم بأعمال الحفريات، وهو معلم أدوات صحية، أنه وخلال عملية الحفر في منطقة السرايا العتيقة وشارع الكنائس تم العثور على الكثير من القناطر الحجرية المدفونة تحت مباني المنطقة وشوارعها. وبدلاً من إطلاع الجهات المختصة على ما تم العثور عليه، إنهال سائقو الجرافات على هذه القناطر برفوش جرافاتهم وهدموها شر هدم، زاعمين أنها اعترضت طريق التمديدات الصحية!

وقد صودف يومها مرور شخص ممن يعرفون أهمية هذه القناطر الثقافية والتاريخية وشاهد بأم عينه ما ارتكبته الجرافات الحمقاء من أعمال هدم، فبدأ يصرخ ويهدد:”ستدفعون ثمن جريمتكم يا أولاد الـ…” فضحك الجميع وعلّقوا بأن لا حول ولا قوة إلا بالله، معتبرين أن ردة فعله ما هي إلا دليل ناصع على جنونه!

إهمالٌ،إهمالٌ،إهمال. هذه هي الكلمات الثلاث التي يمكنها أن تصف حال مدينتنا. وإذا بقي الحال على ما هو عليه، فأبناء طرابلس مهددون بفقدان ورقة مهمة بحوزتهم للمطالبة بما هو حق لهم، ونعني به الوجود على خريطة البلد السياحية. فهل سيمكننا تدارك الأمر؟ أنا شخصياً لست متفائلاً ولكن الله على كل شيئٍ قدير.

*(١) : اللواء 27 تشرين الثاني 2008

                                                                                                          ماهر عوض

الإطار الدستوري لحق الوصول إلى المعلومات

هل يقدم الدستور اللبناني ضمانات لحق الوصول إلى المعلومات؟ في هذا المقال سنحاول أن نرى كيف أن الدستور في بعض نصوص مقدمته العامة يشكّل ذخيرة كافية لاستخراج الإطار القانوني اللازم لإدخال تشريعات تؤمّن للبنانيين الحق في الإطلاع والوصول إلى المعلومات الرسمية.

Documents

الحق في الاطلاع حقٌ مكرس في الدستور

نبدأ بنص دستوري في غاية الأهمية هو الفقرة “د” من مقدمة الدستور اللبناني والتالي نصها: “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”.
وهو نصّ في غاية الأهمية للأسباب التالية:
– لأن السيادة وفقاً له هي سيادة الشعب، فلا شرعية لسلطة خارج السيادة الشعبية هذه.
– ولأن السيادة والشرعية هما ما يرتضيه اللبنانيون لأنفسهم، أي الإرادة الشعبية الداخلية.
– ولأن الشعب إذ يمارس هذه السيادة عبر المؤسسات الدستورية، يكون بالفعل هو مصدرها.
– وأخيراً، لأن المؤسسات لا تكون دستورية ما لم تنبثق من الشعب، إذ به تكون الشرعية وتالياً السيادة، وبممارسته تُبنى الأعراف والمؤسسات الدستورية.

قد يتساءل القارئ: ما علاقة السيادة والشرعية والمؤسسات الدستورية والممارسة الشعبية بموضوعنا؟
والجواب: إن هذا النص هو في أساس نظام الحكم في لبنان بعد الطائف (وحتى قبله). وبما هو نص تأسيسي فهو في صلب استقامة نظام الحكم، فإن لم يطبّق، أو إذا جرى تعطيله، لا يبقى النظام دستورياً.
والحال أن هذا النص غير مطبّق، وإن في عدم تطبيقه ما هي عليه شؤون الدولة وأمور النظام من عدم استقامة، وما نحن فيه من انحطاط وتخبط.
في المقابل، فالواجب هو في تطبيق هذا النص، لأن في تطبيقه صلاح شؤون الدولة، واستقامة أمور النظام، وتطور البلاد وانتظامها.
يكون ذلك بأن يعي الشعب اللبناني، بما هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، أنّ عليه محاسبة من يفوّضهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وعلى أساس قانون انتخاب عادل يساوي بين اللبنانيين، ولا تكون هذه المحاسبة إلا إذا وعى من فوّضهم الشعب بأنهم مساءلون أمامه. فله إذا ما أحسنوا انتخابهم مجدداً وإعادة توليتهم، وله إذا ما أساؤوا نزع ثقته بهم وتولية غيرهم.
وهذه هي المحاسبة السياسية.
ويكون ذلك أيضاً بانبثاق حكومة مسؤولة عبر استشارات ملزمة عن مجلس تمثيلي منتخب أصولاً، تنال الثقة البرلمانية على أساس برنامج عمل حكومي يبقى تنفيذه خاضعاً دوماً لرقابة المجلس ومساءلته.
وهذه هي المسآءلة النيابية.
كما يكون ذلك بوجود قضاء مستقل نزيه، شامل وعادل يطبق القانون ويكرّس الحريات ويحمي الحقوق.
وهذه هي المحاسبة القانونية.
وأي تعطيل لأي حلقة من هذه الحلقات يؤدي حكماً إلى تعطيل نظام الحكم، ويطيح تالياً بشرعية النظام وباستقراره.
ولكن لكي يكون كل هذا، على اللبناني أن يعلم ما هي حقيقة أوضاعه، أي أن يكون مطّلعاً على شؤون السلطات (التي هو مصدرها) وعلى سير المؤسسات (التي يمارس سلطته عبرها). وغير ذلك فلا هو صاحب السيادة ولا تكون السيادة منبثقة من إرادته الحرة.
والسؤال: هل يمكن للمواطن اللبناني أن يضطلع بمسؤوليته الدستورية هذه دون أن يتاح له الإطلاع على المعلومات الرسمية لدى السلطات العامة؟ وهل يمكنه أن يقرر، ويحاسب، ويكافىء، ويعاقب، من دون أن تكون المعطيات والمعلومات الرسمية في متناوله؟
والجواب: من غير الممكن ذلك. إذ من شأن غياب المعطيات والمعلومات بالفعل تعطيل المحاسبة والمساءلة بتغييب أساسهما الموضوعي، وتحويل النقاش السياسي من نقاش موضوعي وعملي إلى نقاش أجوف ونظري بعيداً من الحقائق الموضوعية والاجتماعية التي تهم اللبنانيين، وتنأى بالتالي بالنقاش من إمكان إثبات صحته أو خطئه قياساً على معايير صحيحة وحقيقية.
لذا، نرى أن الحق بالوصول إلى المعلومات الرسمية والإطلاع عليها يمكن استخلاصها من المبادىء العامة الدستورية المكرّسة لاستقامة عمل النظام.
إذاً، يمكن الاستنتاج أن الحق في الإطلاع وفي الوصول إلى المعلومات الرسمية هو حق دستوري، مكرس في نص تأسيسي في مقدمة الدستور. والدستور هو قانون البلاد الأساسي الذي يتضمّن في ثناياه التعاقد القانوني بين اللبنانيين، وما ينبثق عنه من عقد سياسي وعقد اجتماعي وعقد اقتصادي. ومن شأن تقنين هذا الحق الدستوري بإقرار تشريعات تطبيقية لهذه الجهة، ليس تطبيق النص الدستوري فقط بل ضمان شرعية الحكم وتعزيز سيادة الدولة. كما من شأن تطبيق هذا النص الدستوري استقامة أمور النظام، وفي استقامة النظام صلاح أمور اللبنانيين.
وكل هذه الأمور هي شأن اللبنانيين جميعاً، وهي لا تكون شأنهم ما لم يمارسوا سيادتهم بالاختيار الحر والمحاسبة الشعبية والسياسية والمساءلة القانونية، ولا يكون هذا وذاك إلا باطلاعهم على حقيقة كل ما يدور حولهم وبخصوصهم، في مؤسسات الدولة وفي مرافقها.
أخيراً، وفي هذا الخصوص، فشؤون الدولة بطبيعتها وبتعريفها هي شأن عام. وهكذا إذن تكون سجلات الدولة الرسمية وقيودها ومعلوماتها، بطبيعتها وبتعريفها، شأن عامة اللبنانيين لهم الحق بالإطلاع عليها والوصول إليها دون عائق وبصورة بديهية.

الحق في الإطلاع تجسيد لسيادة الدولة

بالانتقال إلى نص دستوري آخر هو نص الفقرة “ب” من مقدمة الدستور وهو النص التالي: “لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء”.
لا يقل هذا النص أهمية عن النص السابق وهو نص سيادي أيضاً.
فالدولة بما هي سيدة، توقّع وتبرم المعاهدات والمواثيق الدولية. وبما هي صاحبة سيادة تلتزم هذه المعاهدات والمواثيق، وتسعى لأن تجسد مبادئها في جميع الحقول والمجالات دون استثناء.
وعلى هذا، فالدولة اللبنانية كدولة سيدة، ملزمة احترام المبادىء المنصوص عنها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقّعته منذ عقود عديدة. وهي ملزمة أيضاً احترام غيرها من عهود ومواثيق ومعاهدات دولية وقّعتها منذ الاستقلال. وعلى الدولة اللبنانية إذن واجب تجسيد هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. وفي هذا أعلى درجات السيادة.
ولكون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في المادة 19 منه على ما يلي: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”.
فتكون الدولة اللبنانية بحكم التزاماتها وتعهداتها الدولية ملزمة تجسيد هذه الالتزامات والتعهدات في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. وتكون تالياً ملزمة إقرار حق اللبنانيين، في معرض اضطلاعهم بدورهم السيادي في مراقبة ومتابعة شؤون الدولة وأمورها تمهيداً للمساءلة والمحاسبة، بالإطلاع وبالوصول إلى المعلومات الرسمية، وكل ذلك في إطار تطبيق النص الدستوري الآمر. وفي هذا تجسيد لسيادتها وشرعيتها.

TopSecret

الحق في الإطلاع يعزّز العيش المشترك

ننتقل الآن إلى نص دستوري أخير هو نص الفقرة “ي” من مقدمة الدستور وهو النص التالي: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
ينزع هذا النص شرعية أي سلطة من السلطات إن هي أتت بما يناقض ميثاق العيش المشترك.
فالعيش المشترك هو المعيار الذي يتم الاحتكام إليه في تحديد الشرعية، هذه الشرعية التي هي في أساس السيادة. والحال إذاً، كيف يعزّز العيش المشترك فيما بين اللبنانيين؟ وكيف يُصان ميثاق العيش المشترك هذا؟
والجواب بسيط جداً: في احترام الدستور وتطبيق أحكامه. فالدستور هو سياج النظام وحاضن الشرعية وحامي العيش المشترك. وبمقدار ما يطبّق الدستور، وبمقدار ما تُحترم أحكامه، يحصّن العيش المشترك بين اللبنانيين ويُصان الميثاق.
فالدستور هو العقد الجامع بين اللبنانيين. وهذا العقد وضعه اللبنانيون (نظرياً على الاقل) بإرادتهم. ولهم أن يعدّلوا فيه بإرادتهم أيضاً، ودوماً من ضمن أطر التعديل المنصوص عنها في الدستور نفسه.
هذه هي ديمقراطية النظام.
في المقابل، بمقدار ما يخالَف الدستور وأحكامه، وتبقى نصوصه حبراً على ورق، نصوصاً متماسكة ناطقة ولكن دون تطبيق، تُنتهك الشرعية ويهدّد ميثاق العيش المشترك، وتعصف بمصائر اللبنانيين رياح الفرقة والتنابذ.
وهذه هي عبثية النظام.
وللاعتبارات المذكورة، فإن تطبيق النصوص الدستورية أعلاه (الفقرتان “د” و “ب”) لجهة أولوية إقرار الحق في الإطلاع والوصول إلى المعلومات الرسمية، سيؤدي حكماً إلى تعزيز إيمان اللبنانيين بنظام الحكم ويعزز ثقتهم بمؤسسات الدولة ويرسَّخ قناعتهم بأن أمورهم منوطة بهم وبأن بمقدورهم محاسبة من يستحق ومكافأة من يستحق.
وفي هذا تجسيد لشرعية العيش المشترك.
في ضوء هذا، من شأن تطبيق أحكام الدستور لهذه الجهة (كما لغيرها) تعزيز العيش المشترك وضمان وحدة اللبنانيين، ويمسي الحق في الإطلاع والوصول إلى المعلومات الرسمية حلقة أساسية في هذا السياق، سياق تطبيق الدستور وبالتالي إعلاء سيادة الدولة والحفاظ على شرعية النظام وصون ميثاق العيش المشترك.
يبقى أن من شأن تطبيق النصوص الدستورية أعلاه لجهة تكريس حق اللبنانيين بالإطلاع والوصول إلى المعلومات الرسمية عبر إدخال تشريعات تنظيمية تؤمّن ذلك، المساعدة على تحقيق الشفافية وهي في أساس محاربة الفساد، هذه الآفة التي ابتلينا بها ولا نزال!

الخلاصات

من البديهي إذاً ، النظر إلى هذه النصوص الثلاثة بتلازم بعضها مع البعض الآخر. ومن المنطقي والواقعي أيضاً استنتاج الخلاصات التالية:
– يوفّر الدستور اللبناني الإطار الدستوري اللازم لإقرار تشريعات تؤمّن الحق في الإطلاع والوصول إلى المعلومات الرسمية.
– الحق في الإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها، حق دستوري يُستخلص من نص الفقرة “د” من مقدمة الدستور.
– وهذا الحق في أساس الشرعية الشعبية المنبثقة من اضطلاع الشعب، بوصفه مصدر السلطات وصاحب السيادة، بدوره في ممارسة سيادته عبر المؤسسات الدستورية، وفق نص الفقرة “د” من مقدمة الدستور.
– ولأن من شأن ممارسة الشعب السيادة استقامة أمور النظام، وصلاح شؤون الدولة وحسن أداء المؤسسات.
– ولأن الحق في الإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها هو بحكم النص الدستوري المكرّس، فيكون واجب التطبيق لذاته من جهة، ولما يؤدي إليه من نتائج توفّر لنظام الحكم الاستقرار والتقدم من جهة أخرى.
– ولأن التزام الدولة اللبنانية المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقّعتها من أعمال السيادة التي تأتيها الدول الحرة المستقلة، فيكون بالتالي على الدولة اللبنانية تجسيد مبادىء هذه المواثيق والمعاهدات في جميع الحقول والمجالات دون استثناء وفق نص الفقرة “ب” من مقدمة الدستور.
– ولأن هذا كله لا يتحقق ما لم يقرّ حق اللبنانيين في الإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها، تمكيناً لهم من معرفة أمورهم وقضاياهم، وكي يكون بمقدورهم محاسبة ممثليهم ومساءلة من يولّونهم عليهم، في ضوء معلومات ومعطيات رسمية مسؤولة.
– ولأن إهمال ذلك، كما هو واقع الحال اليوم، يناقض ميثاق العيش المشترك وشرعيته المنصوص عليه في الفقرة “ي” من مقدمة الدستور، ويجعل واقعنا منقوص الشرعية وفاقدها، ما لم نسارع إلى إصلاح الأمور. والإصلاح يبدأ في إقرار قانون تطبيقي و إدخال مواد تقرّ بهذا الحق في التشريعات النافذة تتيح الإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها دون عوائق أو عراقيل.

الإستنتاجات

يندرج مما تقدم بيانه ما يلي:
– يُستخلص من الدستور حق اللبنانيين بالإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها.
– الدستور هو الإطار القانوني الأول لإدخال تشريعات تضع هذا الحق حيز التنفيذ عبر إقراره في مختلف القوانين.
– الأصل في الحق بالإطلاع على المعلومات الرسمية والوصول إليها هو الإباحة، والاستثناء هو التقييد أو الحظر. ولا يكون الاستثناء إلا معللاً ومردوداً إلى مبادىء الإنتظام العام والمصلحة العامة وأمن الدولة، وضمن أضيق حدود التفسير.
– إن إقرار هذا الحق بتشريعات تطبيقية نافذة يُنزل دولة لبنان منزلة الدولة السيدة الملتزمة المواثيق الدولية، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما ينزلها منزلة الدولة الشرعية التي تحترم دستورها وتطبق مبادئه.
– إن التلكؤ أو تعطيل إقرار هذا الحق لا شرعية له، لأنه يخالف النص الدستوري الصريح وروحيته، ولأنه يناقض ميثاق العيش المشترك، ولأنه يطيح تالياً أسس النظام وشرعية الدولة.

نختم بالأمل أن تصلح هذه العجالة لأن تكوّن الأسباب الدستورية والقانونية الموجبة للقانون الذي نسعى لإقراره حول حق الوصول إلى المعلومات الموضوع قيد التداول والمناقشة العامة.

المرجع:
بحث بقلم المحامي محمد فريد مطر

الدكتور أسامة كبارة أستاذ الإعلام في جامعة الجنان: المرأة لا تخدم نفسها… والدولة تخاف من خيالها!

حاوره: حسن هاشم، سنة ثانية – جامعة الجنان

كانت قضية المرأة وحقوقها في العالم العربي عامة وفي لبنان خاصة تتفاعل دائماً مع تغير الظروف وتبدل الواقع. وقد جاءت المتغيرات والتحولات الأخيرة في العالم العربي لتزيد التساؤلات حول واقع المرأة وانعكاساتها على لبنان في ظل تبدل أنظمة الحكم وبروز أنظمة جديدة لم ينجُ بعضها من الإنتقادات الشديدة.
ولأن واقع المرأة في لبنان فيه الكثير من وجهات النظر في ظل مجتمع تعددي ومتنوع طائفياً ومذهبياً، فإن قضايا شائكة برزت على الساحة منها قضية منح المرأة الجنسية لأولادها إذا كانت متزوجة من أجنبي وقانون العنف الأسري، وغيرها من القضايا.

Dr Kabbara
للإجابة عن هذه التساؤلات وتساؤلات أخرى، التقينا الدكتور أسامة كبارة المحاضر في كلية الإعلام في جامعة الجنان وهو صاحب باع طويل في هذا المجال. و قد درس الإعلام في القاهرة، المدينة التي تمثل نموذجاً للمجتمع العربي في تعاطيه مع المرأة نظراً للتناقضات الفكرية التي تعيشها مصر. تابع الدكتور كبارة رسالة الماجستير في بريطانيا وتعرّف على واقع المرأة الغربية ونمط تفكيرها فكانت رسالته الماجستير حول المقارنة بين صورة المرأة العربية والغربية مركزاً على صورة المرأة اللبنانية التي هي بنت بيئته. وكان الحديث الآتي:
• بما أنك عايشت الإعلام الغربي, ما الإختلاف الذي وجدته بين صورة المرأة في الإعلام الغربي وصورتها في الإعلام العربي؟
– الحقيقة أنني قمت بدراسة وكانت دراستي الماجستير حول صورة المرأة في الصحافة اللبنانية وصورتها في الصحافة الإنكليزية. فإذا أخذنا الجانب الإعلامي يتبين أن الإعلانات الموجودة في الإعلام اللبناني هي بالأغلب لسيدات أجنبيات. يعني لا تظهر صورة المرأة اللبنانية إلا فيما ندر, وأنت تعلم أن الإعلانات هي في الأغلب إعلانات عالمية وبالتالي ما نجده هنا قد نجده هناك إلا في الإعلانات التي تتحدث مثلاً عن طبيب تجميل أو مزين شعر أو محل مجوهرات أي الخاصة بالبلد نفسه. أما فيما عدا ذلك يكون هناك تشابه تقريباً, والتركيز عادة يكون على الإغراء والجنس والجمال والجاذبية وهذه الأمور موجودة أساساً في فنون الإعلان وتشكل العناصر الأساسية التي يتم التركيز عليها من أجل تصميم إعلان ناجح ولافت للجماهير. في الإعلام اللبناني يركزون على النرجسية، على المرأة التي تحب ذاتها وتهتم بجمالها والتي “تقف أمام المرآة”. صحيح أنهم في الإعلام الإنكليزي يهتمون بهذا الجانب كذلك، لكن طبعاً المرأة الإنكليزية بحكم أنها عاملة وتتبوأ مواقع مختلفة، نجد أن الصحافة تعكس وضعية المرأة هناك. بينما الصحافة اللبنانية لا تزال تركز على المرأة الجميلة أو سيدة المجتمع ولا تركز على المرأة المثقفة أو العاملة أو التي تتبوأ مواقع ومناصب هامة أو صاحبة تأثير أو برلمانية أو سياسية أو إحدى قادة الرأي في المجتمع.
• برأيك هل صحيح ما يصوره الغرب أن المرأة في العالم العربي تعاني من التمييز في ظل “المجتمع الذكوري” كما يسمى؟
– لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بشكل عام لأنه إذا صنفنا النساء تصنيفات مختلفة فقد نجد أن هذا ينطبق على بعض الفئات ولا ينطبق على غيرها. أنا أعتقد أن المرأة العاملة أو امرأة المدينة بشكل عام لديها درجة من المرونة والحرية والحضور وإثبات الذات أكثر، خاصة إذا كانت موظفة أو منتجة مادياً, لأن العامل المادي له دور في إثبات حضور الإنسان. وأساساً عندما نقول مجتمع ذكوري فهو أخذ هذه الصفة لأن الذكر هو الذي كان ينفق على الأسرة أما الآن فقد دخلت المرأة كمشاركة في الإنفاق على الأسرة وبالتالي فكرة المجتمع الذكوري لم تعد بتلك الحدّة وإنما تراجعت وانكفأت وأصبح هناك مشاركة. أما بالنسبة للمرأة في الريف فقد تجد أن النظرة التقليدية لا تزال موجودة، خاصة أن درجة انفتاح الريف وإقباله على التطور الاجتماعي تبقى أقل مما هو عليه الأمر في المدن.

Interview

هاشم يتحدث إلى الدكتور كبارة

• ولكن في ظل الأصوات الكثيرة التي تطالب بحقوق المرأة, من برأيك هو الأجدر بحمل هذا اللواء والدفاع عنه؟
– أنا صراحة لدي ملامة للمرأة, حيث أنها لا تخدم نفسها بالشكل الكافي. فإذا حاولت رصد عدد الجمعيات النسائية الموجودة تجد كماً هائلاً ولكن لا تجد أي إنتاج فكري أو أي دراسات أو أي أبحاث أو أي حراك ذي بعد فكري مدروس ومنظم, وإنما هناك نوع من الدردشات الإجتماعية حول حقوق المرأة. نعم هناك سيدات متقدمات يتابعن شؤون المرأة على مستوى لبناني وإقليمي وعالمي، ولكن المرأة يجب أن تأخذ دوراً أكبر من ذلك بكثير ويجب أن يكون لديها تصور كامل لأنها تطرح شعارات أكثر مما يكون لديها المضمون العميق الذي تشرح وتفسّر فيه أهمية المرأة وقدراتها وماذا تريد من المجتمع ومن الدولة بشكل صحيح. فأنا بنظري لا يكفي أن تقول المرأة أعطونا كوتا في المجلس النيابي وأن يكون هذا مجرد مطلب, أنا أريد أن أفهم لماذا تريد المرأة كوتا نسائية وهل هناك نساء أكفاء؟ وأين هنّ؟ أعطوني النماذج الموجودة وأروني إنتاجهن حول قضايا المرأة بشكل يقنعني بأن هذه المرأة التي تقدمونها هي مهيأة بحكم أنها تمتلك الرصيد الفكري والبرنامج المتكامل حول قضية المرأة اللبنانية و العربية.

• في ظل الربيع العربي ووصول “الإسلاميين” إلى الحكم, كيف سيكون واقع المرأة بنظرك؟
– لاحظ أنه طالما هنالك حراك فهذا الحراك لا ينكفئ إلى الوراء. البعض يقول أنه في الدستور المصري مثلاً هناك انتقاص من حقوق المرأة, ويحكى في مسألة زواج المرأة من عمر 8 سنوات. أنا بنظري أحياناً قد تكون النصوص بلا معنى أو فارغة من حيث المضمون, يعني إذا حدد الدستور أن المرأة تتزوج من 8 سنوات فهل المجتمع المصري حالياً هو في مسيرة تزويج المرأة من سن الثماني سنوات؟ منطق الأحداث والتطورات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والأعباء والمسؤوليات تفترض أن المرأة والرجل على السواء يتزوجان في سن متأخرة، سواء قال الدستور 8 سنوات أو 5 أو إذا خرجت من بطن أمها. المنطق الإقتصادي والسياسي يحدد للمرأة أن تتزوج في سن متأخرة, رغم أنني لا أوافق على السن المتأخرة إطلاقاً. لكن مَن اليوم مهيأ للزواج أساساً؟ فتقول لي أن تتزوج في عمر الـ8 سنوات هو انتقاص من حقها… هذا جدل نظري لا قيمة له.

• بالحديث عن لبنان وقضية منح المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها إذا كانت متزوجة من أجنبي, برأيك لماذا لا تنهي الدولة هذا الملف وتحقق هذا المطلب؟
– لدينا مشكلة في لبنان وهي أن الدولة تخاف من كل شيء, حتى من خيالها! ولدينا أيضاً عقدة الأقليات الموجودة بشكل أنهم يريدون إغلاق أي وسائل أو سبل قد تؤدي إلى زيادة عدد أفراد بعض الطوائف على حساب طوائف أخرى. فإذا انفتح هذا الباب سيشعر البعض أن التوازن الديموغرافي سيعاني من الخلل، وتأتي قضايا التجنيس والمغتربين وغيرها من ضمن هذا السياق. طبعاً اللبناني ليس لديه مانع من أخذ جنسية أميركية أو أي جنسية أخرى من أي بلد في العالم لأنه الإنسان “السوبرمان”، يحق له أخذ ما يريد, أما أن يصار إلى إعطاء الجنسية إلى أولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي فهذا غير مقبول!

• ما موقفك من قانون العنف الأسري الذي أثار لغطاً و تبايناً في وجهات النظر وأيضاً رفض بعض القيادات الدينية له؟
– العنف الأسري طبعاً أنا ضده وأحاربه ولا أقبل به. لكن أنا دائماً أخاف من شيء وهو الشعار، وما يخبئ الشعار فهل المقصود بالعنف الأسري الوصول إلى تغيير قواعد وقوانين أو مبادئ شريعة معينة؟ فإذا كان الهدف منه الوصول إلى مبادئ شرعية أقول لهم توقفوا لو سمحتم, غيّروا الشعار ونحن معكم, أما أن أغطي السماوات بالقبوات تحت شعار محاربة العنف الأسري، تريدون تمرير أشياء كثيرة لم تستطيعوا تمريرها من خلال هذا الشعار فسأقول لكم لا. نحن ضد العنف الأسري ولكن لا نقبل المساس بأي أمور شرعية رغم أن الأمور الشرعية لا تطبق ولا تحترم كثيراً ولكن لا يحق لك تغييرها. مارس كما تريد وتصرف كما تريد و لكن لا تقترب قانونياً من إلغاء أي جانب شرعي يمثل جانباً ثابتاً.

إن هذا الكلام يظهر مدى حساسية الحديث عن واقع المرأة مع وجود عدة وجهات نظر في هذا الشأن في المجتمع اللبناني المتنوع والمتعدد، كما يُظهر مدى الخوف في الدولة اللبنانية تجاه أي خطوة يراد لها إعطاء المرأة حقوقها ومساواتها بالرجل من ناحية إعطائها جنسيتها لأولادها مثلاً، ففي دولةٍ القانون فيها وجهة نظر، هل ستصبح قضايا المرأة فيها وجهة نظر أيضاً توظف لخدمة هذا الطرف أو ذاك؟

الصراع على… الزواج المدني

أثار موضوع الزواج المدني جدلاً كبيراً منذ طرحه لأول مرة في لبنان في العام 1951، وانقسمت الآراﺀ حوله بين موالين ومعارضين فرُفض من قبل رجال الدين في حين لقي تأييداً من قبل الساعين لبناﺀ دولة مدنية علمانية ديمقراطية. وإرضاﺀً لرجال الدين، عُدّل مشروع الـزواج المدني في لبنان وجُعل إختيارياً وليس إلزامياً، كما في الخارج. ولكن المشروع لا يزال يلقى معارضة شديدة في أوساط رجال الدين، خاصة المسلمين، لكن أيضاً بين العديد من المواطنين ممن يعتبرون أن الزواج المدني مخالف لتعاليم ديانتهم.

marriage

كــان لأمين معلوف، الكاتب والروائي اللبناني، رأي في الزواج المدني: “أنا أحترم من يختار أن يتزوج في إطار ديني كما أحترم من يخـتار أن يتزوج في إطـار مدني. الشيﺀ الوحيد المرفوض هو حرمان المواطن من حق الإختيار لأن حرمانه من حق الإختيار يحرمه من حقوقه كمواطن، ويحرمه من حقوقه كإنسان”.

عقد الزواج في القانون اللبناني

لا يوجد في لبنان حتى اليوم قانون موحّد للأحوال الشخصية، فلكل طائفة قوانينها الخاصة ومحاكمها الروحية والشرعية والمذهبية.
ويُستنتج من مختلف أحكام التشريعات لدى الطوائف اللبنانية، أن الزواج هو عقد ثنائي علني ذو صفة دينية، يتفق فيه رجل وامرأة على الحياة معاً بغية تكوين أسرة. وهو يختلف عن غيره من العقود لأن مفعوله لا ينحصر بطرفيه، بل هو نظام إجتماعي ذو قدسية خاصة، هدفه تكوين الأسرة والتناسل وتبادل التعاون في جو عائلي قوامه الحب والإستقرار والطمأنينة، وهو النطاق الوحيد للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة تحت رعاية الشرائع السماوية.
إلا أن الشروط التي تفرضها التشريعات الدينية قد تكون عقبة أمام بعض الرجال والنساء المنتمين إلى طوائف مختلفة، والذين يريدون الزواج، فيقف عائقاً أمام ارتباطهم، إضافة إلى صعوبة الطلاق لدى بعض الطوائف وكلفته الباهظة التي قد تصل إلى آلاف الدولارات. مما دفع بالبعض إلى اقتراح الأخذ بالزواج المدني بهدف إيجاد الحلول القانونية لتلك المشاكل.

تعريف الزواج المدني

يمكن تعريف الزواج المدني بأنه عقد ثنائي بين رجل وامرأة، بالغين، يتمّ بالرضاء والقبول، كسائر العقود المدنية، موضوعه الإتفاق على إقامة حياة زوجية مشتركة دائمة بين الزوجين.
وقد أقرّت معظم الدول الأجنبية وبعض الدول الإسلامية كتركيا وإندونيسيا الزواج المدني، إما بشكل إلزامي وإما بشكل اختياري. وهو يُعتبر إلزامياً في كل من فرنسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا والسويد وإيطاليا ورومانيا والنروج واللوكسمبورغ والبرازيل وروسيا، لكنه يُعتبر إختيارياً في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية واليونان وإسبانيا.
أما القانون اللبناني، فلا يجيز عقد زواج مدني في لبنان، إلا أنه يعترف بالزواج المدني المعقود خارج الأراضي اللبنانية وعليه فإن الزواج المدني لا يُعتبر مخالفاً للنظام العام.

الزواج المدني في لبنان

قوبل مشروع الـزواج المدني الإختياري في لبنان برفض كبير من المسلمين ثم من المسيحيين حتى وإن كان إختياريا. بالنسبة لرجال الدين المسلمين، فقد رفضوا الــزواج المدني رفضاً قاطعاً لثلاثة أسباب: أولاً لاعتبار أن عقد الـزواج في الديانة الإسلامية يجب أن يخضع للشريعة الشريعة الإسلامية وثانياً أن تعدد الـــزوجـــات لا يتعارض مع الإسلام وثالثاً فإن الطلاق مسموح في الدين المسلم وفق شروط الشريعة.

civilmarriage2
أما بالنسبة للكنيسة، فهي رفـضـت الـزواج المدني لسببين، أولاً لأن الزواج في الكنيسة ليس عقداً بشروط دنيوية بل هو ســر من أسرارها بمعنى أنه يجب أن يتم بمباركة من رجـل الدين المسيحي الذي يمثل المسيح على الأرض، ثانياً إن الزواج في الدين المسيحي هو رابط أبدي فـ”ما جمعه الرب لا يفرّقه إنـســان” لذا لا يوجد طلاق في الكنيسة الكاثوليكية إنما إبطال زواج، مع العلم أن الكنيسة تعترف بالزواج المدني لغير المسيحيين.
الجدير بالذكر أن مشروع الزواج المدني في لبنان ليس حديثاً فهو يعود إلى العام 1951 حين نوقش في المجلس النيابي ثم رُفض. وفي العام 1960 بدأت جمعيات علمانية تطالب به من جديد عبر التظاهر. وعاد ليُطرح في البرلمان من جديد العام 1975. وهو أثار جدلاً كبيراًَ عندما طرحه في العام 1998 رئيس الجمهورية آنئذٍ الياس الهراوي. وفي العام 1999 نوقش مشروع قانون الزواج المدني في مجلس الوزراء، حيث تمت الموافقة عليه بالأغلبية (21 صوتاً)، إلا أن رئيس الوزراء رفيق الحريري لم يوقّع على المشروع ولم يقدمه للبرلمان للتصديق عليه، واعتذر قائلاً: “إن ظروف لبنان لا تسمح الآن بذلك”.
أمام هذا الواقع يلجأ الكثير من اللبنانيين إلى الزواج المدني خارج لبنان. وتُعتبر قبرص إحدى الدول التي يتوجه إليها اللبنانيون الراغبون في عقد هذا الزواج خصوصاً إذا كان أحد الطرفين غير راغب في اعتناق ديانة الشريك الآخر.
ورغم أن الــزواج المدني لا يتم رسمياً فــي لبنان، إلا أن الـدولـة اللبنانية تعترف به عند انعقاده في الخارج، مع الإشارة إلى أن هذا الزواج ليس ممنوعاً في لبنان فقط بل أيضاً في الأردن وسوريا وإسرائيل.

أين يوجد الحل؟

أمام كل الصعوبات التي تعترض الزواج المدني المعقود خارج لبنان، لا بد من إيجاد حلول قانونية وعملية للمشاكل المرتبطة بالعلاقات الزوجية من أجل تحقيق الإستقرار والسلام العائلي الذي يشكل أساس الإستقرار والسلام في المجتمع. والأهم أنه لا يجوز أن يتم الإعتراف بالزواج المدني المعقود خارج لبنان ويتم تسجيله في قيود النفوس وسجلات الأحوال الشخصية اللبنانية، ويُحظَر عقد هذا الزواج على الأراضي اللبنانية، فالحل هو إما بمنع هذا النوع من الزواج، وإما بوضع قانون خاص ينظم شروطه ومفاعيله القانونية كافة، للحد من عمليات الإحتيال على القانون.