Monthly Archives: May 2013

كيف أسقطت إرادة الشعوب “المجتمع المدني”؟

حسناً، قامت “الثورة” أخيراً. وقد فاجأ ذلك الجميع، باحثين وصحافيين ورجال استخبارات على حدّ سواء. انطلقت من لاعبين “هامشيين” ومن مكان وزمان غير متوقعين. لا “جمعيات المجتمع المدني”، التي عوّل عليها “النيوليبراليون” منذ الثمانينيات، كانت المحرّك الأساسي، ولا الطبقة العاملة والتنظيم الثوري، اللذان نظّر لهما الماركسيون، اعتُبرا أدوات التغيير الأساسية. احتلت الانتفاضات الشعبية الصفوف الأولى، ووجد المثقفون أنفسهم في الصفوف الخلفية.
لماذا كانت مفاجئة؟ كيف اندلعت؟ لماذا قامت في مكان وزمان محددين؟ جميعها أسئلة حاول كثيرون الإجابة عنها من خلال نظريات الحركات الاجتماعية التي شهدتها الدول الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الحركات ما بعد الحداثة بعد ثورة أيار 1968. لم تستطع «الأدوات البحثية» الموجودة استشعار انتفاضات المنطقة، لأن من صنعها هم «أناس عاديون» على هامش المجتمع، استياءهم يوميّ وأنشطتهم “غير مذهلة” في الضرورة.

102907
الحياة اليومية والثورة

كيف يتحوّل أشخاص عاديون إلى أشخاص «غير عاديين»، أي إلى لاعبين سياسيين؟ وكيف يصبح «تذمرهم اليوميّ»، في المواصلات العامة وأحياء السكن وأماكن العمل، إلى حركة احتجاج؟ شكّلت تلك التساؤلات هاجساً للباحث الإيراني آصف بيات في كتابه: «الحياة كسياسية: كيف يغير أناس عاديون الشرق الأوسط؟»، نُشر قبل سنتين من اندلاع الثورات. يتوقف بيات عند جوانب «هامشية» لا تسترعي انتباه الآخرين، لكنها تصبح فجأة في قلب الحدث، وكأنها جاءت «من عدم». لا يجزم بيات بإجابة مطلقة، يكرّر مراراً في حديثه عبارات مثل «ربما»، «لعلّ»، و«قد تساهم». لا يملك إجابة عن سبب توقيت الثورات وزخمها. لكنه يعتقد أن غضب الناس لم يظهر من خلال الاحتجاج، بل من خلال ما يدعوه «التعديات الهادئة» أو الـ«لا حركات».
ماذا يعني كل ذلك؟ تعبّر هذه المفاهيم عن نضالات الفقراء والفئات المستضعفة لتوفير حاجاتهم الأساسية، كالمأوى والكهرباء والعمل، كما حقوقهم وحرياتهم الفردية. وفق الباحث الذي أمضى سنوات في عشوائيات مصر وإيران، تشمل «التعديات الهادئة» النضالات اليومية التي غالباً ما تبقى «غير مرئية»، لأنها أنشطة مشتتة وبعيدة عن الحركات الاحتجاجية. من خلال ابتكار الناس وسائل «خاصة» للرفض، يفرضون «مواطنة» بقوة الأمر الواقع، ومجتمعاً “مستقلاً” خارجاً عن أي سيطرة.
«الفرصة السياسية» للتغيير تساعد في التقاء «اللاحراك» و«الحراك»، والنضالات الفردية المشتّتة والنضالات المنظمة. وتُسهّل «تعدياتهم الهادئة»، التي أكسبتهم ثقة بعضهم بعضاً، عملية انضمامهم إلى «الثورة» حين يجدون أنفسهم معنيين بعملية التغيير.
وخلافاً للحركات الاجتماعية والاحتجاجات العمالية، لا يمكن للأنظمة قمع «اللاحراك»، لأن قمعها يوازي «وقف الحياة»، وفق بيات. ولا ينفي الدور التغييري لـ«حركة كفاية» و«انتفاضة القضاة» و«الاحتجاجات العمالية» وتظاهرات المناطق العشوائية وسواها من الاحتجاجات التي حصلت في مصر قبل الثورة. لكنه يقلّل من أهمية جمعيات المجتمع المدني التي لعبّت غالباً دور «الوسيط» بين الأفراد والدولة، ولم تشكل «حيزاً عاماً» للضغط وإعادة النظر بالأنظمة القائمة. بنظر الباحث، غالبية الجمعيات تخضع لمحاسبة الجهات المانحة أكثر من المستفيدين. فتحوّلت غالبيتها إلى «وسائل مضادة للنشاط السياسي».

إفراغ “المجتمع المدني” من السياسة

اختزال “المجتمع المدني” بـ”المنظمات غير الحكومية” لم يأت من فراغ، بل نتيجة لهزيمة الحركات اليسارية والقومية، تزامناً مع صعود التيارات الإسلامية في المنطقة منذ السبعينيات. وتكاثرت المنظمات تلك في الدول العربية، كما في العالم، مع بدء تطبيق السياسات النيوليبرالية ومعها تدفق أموال الجهات المانحة، للتعويض عن تغيير وظائف الدولة الرعائية. هكذا، تم امتصاص الطبقة الوسطى المثقفة، واحتواء نشاطها «السياسي» في جمعيات عمدت إلى تجزئة القضايا وإفراغها من أي مضمون سياسي.
لم تنتج الانتفاضات الشعبية من انتشار المنظمات غير الحكومية في الدول العربية، إنما نتيجة تقارب مختلف الحركات الاجتماعية التي نشأت في السنوات الماضية، والتي ضمّت حراك الطبقة الوسطى والعمال والموظفين والفئات الاجتماعية المهمشة. هذا ما أكده الباحث المُتخصص في الحركة العمالية المصرية جويل بنين، لافتا إلى أنّ مدى تقارب القوى الاجتماعية ودور الحركات الاجتماعية يرتبط بالإطار السياسي والاجتماعي لكل بلد.
يضيف: «بعض نشطاء المجتمع المدني انضم إلى الاحتجاجات، لكنه لم يشكل رافعةً لها».
في هذا الإطار، ينتقد بنين نظرية التحوّل الديموقراطي المهيمنة في الأوساط الأكاديمية، التي اختزلت الاستبداد العربي باحتكار الدولة. فكانت توصية أصحاب تلك النظرية للشعوب العربية بتصحيح التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، وفتح الطريق للتحوّل الديموقراطي… عبر منظمات المجتمع المدني.
خلافاً لذلك، يعتبر بنين أن تكاثر الجمعيات ليس مؤشراً على التحوّل الديموقراطي في المنطقة. الأنظمة العربية أحكمت السيطرة على عمل المنظمات، وأفرغت عملها من البعدين السياسي والجماهيري، وبذلك لم تشكل يوماً أي تهديد للنظام. أما الجمعيات القليلة التي قامت بتسييس أنشطتها خلال عهد مبارك، فتعرّضت إلى القمع وسحب الرخص.
يستنتج بنين أن التحوّل الديموقراطي لا يتم سوى بالنضال السياسي والاجتماعي، الذي يطال مختلف الفئات والقوى الاجتماعية، بهدف تغيير الوضع القائم.

خطاب منظمات المجتمع المدني

يسأل مقدم قناة الـ«بي بي سي» الناشطة البحرينية مريم الخواجة، ابنة المعتقل السياسي عبد الهادي الخواجة: «هل تنظرين إلى نفسك كثورية؟»، تجيبه: «نحن نصنّف أنفسنا كمدافعين عن حقوق الإنسان، لكن الأنظمة الاستبدادية تعتبرنا تلقائياً جزءاً من العملية الثورية». يسألها مجدداً بإلحاح: «إذاً، إن كنت تنظرين إلى نفسك كثورية، هدفك يجب أن يكون إسقاط النظام، فهل تعترفين بالإصلاحات المطروحة اليوم؟». تجيبه بارتباك: «كلا، كناشطة حقوق انسان، مطلبنا محدّد. لا نسعى إلى تغيير النظام، بل إلى المطالبة بحكم يحترم حقوق الإنسان والمواطنة».
تعلّق المعارضة البحرينية مؤسسة «منظمة البحريني ووتش» آلاء الشهابي على شريط الفيديو الذي يُظهر رفيقتها في النضال: «لم تتخطَ الخطوط الحمر»، كما فعل مثلاً نبيل رجب، المعتقل بسبب ما قاله يوما: «أطيحوا الملك، انا لا أؤمن بشرعية هذا النظام». واعترفت: «نجد أنفسنا كنشطاء حقوق إنسان محاصرين بسبب هذا النوع من الخطاب».
تنتقد الشهابي خطاب نشطاء حقوق الانسان لأنهم يركزون على الانتهاكات، غافلين مطالب ثوار «حركة الرابع عشر من فبراير» في البحرين. وتتابع فكرتها: «نحن نعيش معركة خطابات حقيقية، لتشخيص ماذا يحصل ولماذا؟ وما هي مطالبنا السياسية؟». تكرار بعض العبارات على لسان البعض عبر وسائل الإعلام كـ«الحوار» و«إصلاح قطاع الأمن» لا تخدم، في نظرها، سوى خطاب الثورة المضادة في البحرين.
وتؤكد الشهابي أن رصد الانتهاكات لا يعرّض الناشط لأي تهديد، لكنّ مجرد التحدّث عن «التغيير» قد يعني اعتقال الشخص أو تصفيته جسدياً. وتقارن خطاب النشطاء بالثوار «نحن نتحدث عن انتهاكات، وهم سقفهم التغيير والمقاومة والصمود». وتستخلص: «نحن نقاتل على الجبهة الخاطئة عندما نركز حصراً على حقوق الإنسان، ونفرّغ خطاب التغيير من عمقه السياسي».
«الثورة هي نضال سياسي ضد الاستبداد والفساد السياسي، ضد استيلاء الطبقة الحاكمة على ثروات الشعب… ليست مسألة انتهاكات فحسب!»، تختم المعارِضة كلامها بتأثّر.
ويسأل الكاتب والأستاذ الجامعي فواز طرابلسي «بعد أكثر من ثلاثين عاماً على نشاط آلاف المنظمات غير الحكومية في العالم العربي، هل أعادت النظر بدورها وخطابها بعد قيام الانتفاضات الشعبية المطالبة بالخبز والحرية؟».
دارت النقاشات هذه، في مؤتمر لـ«مركز الأصفري» في الجامعة الأميركية، بحضور عدد من باحثين ونشطاء، ساهموا بنقد الخطاب المهيمن على دور المجتمع المدني في صناعة التغيير، وطرحوا إشكاليات وأدوات فكرية بديلة، لم تعد النظر بدور المجتمع المدني ووظائفه فحسب، بل بدورهم كمثقفين معنيين بعملية التغيير.

بقلم: كارول كرباج

نقلاً عن جريدة السفير – العدد 12489 تاريخ 28 أيار 2013

العنف ضد المرأة: سكوت عن الجرم أم تواطؤ من الدولة والمجتمع؟

– استكمال المقال السابق –

القانون المطبّق: قانون الصمت!

 Sad Teenage Girl

تستطيع المرأة المعنّفة تقديم شكوى لدى المخفر حيث يتم تحويلها إلى النيابة العامة للتحقيق ومتابعة القضية. غير أنه نادراً ما يتم التبليغ عن تلك الممارسات خوفاً من الفضيحة، إضافة إلى تأثير العادات والتقاليد حيث أنه قد يقع اللوم على المرأة في النهاية في ظل سيطرة العقلية الذكورية على مجتمعنا.

تشير رئيسة المجلس النسائي اللبناني الدكتورة أمان كبارة شعراني إلى أن الدراسات التي أجريت في لبنان تشير إلى وجود ظاهرة العنف ضد النساء بأعداد كبيرة. وفي مداخلة لها خلال ندوة عن العنف الأسري، أشارت إلى أن إحصائيات النيابة العامة تتحدث عن حصول أكثر من 1300 حالة اعتداء على النساء. كما أظهرت دراسة على عيّنة من 300 إمرأة  في عام 2008 أن نسبة اللواتي يخضعن للعنف الكلامي 87%، ويتعرض 68% للعنف الجسدي الذي و يتمثل بالضرب بالأيدي والأرجل وحتى باستعمال أدوات التعذيب. أما النساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي ضمن إطار الزواج تشير شعراني إلى أن 55% يتعرضن للهجر أو استبدالهن بعلاقات خارجية أو شذوذ في الممارسة الجنسية.

وتجدر الإشارة إلى وجود تكتم وصمت عند النساء على ما يدعونه “نصيبهن”، وهو تقليد توارثنه وتعلمنه من بنات جنسهنّ. ومن الضروري أن يتشجعن على الكلام عن تفاصيله اليومية أمام سلطات طبية وقانونية واجتماعية وأمنية. يجدر بالذكر إلى أن هناك العديد من النساء اللواتي يتعرضن إلى كافة أنواع العنف بشكل يومي حتى أصبح ذلك خبزهن اليومي من دون أن نعلم أو نسمع بهنّ، فنهتم فقط بالحوادث الإستثنائية التي ينتج عنها موت أو أذى جسدي محسوس للمرأة، وننسى تماماً الحوادث اليومية غير الصاخبة التي تتلقاها أجساد النساء والتي تشوّه نفسياتهن وتخفض معنوياتهن وتؤثر على عقلهن وعلاقاتهن ووجودهن.

وإلى جانب التكتم التام عن حالات العنف والاقتناع بالنصيب هناك أسباب أخرى تمنع النساء من الكشف عن مصيرهن المليء بالعذاب والقهر لا سيما من الناحية القانونية وصعوبة تطبيقها. فعلى صعيد منظومة القوانين اللبنانية لا يوجد نص خاص بالعنف ضد النساء باستثناء العنف الجنسي أي الاغتصاب. المادة 514 من قانون العقبات اللبناني تحكم بالسجن على من يقدم على خطف فتاة أو امرأة بالخداع أو الإكراه، إلا أن المادة 522 أوجدت للمجرم وسيلة للنفاذ بالعقاب، حيث نصت على أنه في حال عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم والمعتدى عليها توقَف الملاحقة بحق المجرم. وما يزيد الطين بلة نقاط عدة تتجلى في صعوبة حصول المرأة المعنفة على تقرير طبي من طبيب شرعي لارتفاع كلفته وعدم قدرة المعنفة أحياناً على مغادرة المنزل في حال أرادت إثبات واقعة الضرب والإيذاء.

من يتحرك؟ من يكترث؟

Main Pic1 

قامت  العديد من الجمعيات المدنية في لبنان بتبنّي قضايا النساء اللواتي يتعرضن للعنف، وخاصة العنف الأسري، الذي ما زال يُعتبر في المفهوم العام كـ”شأن خاص” بالأسرة وحدها، مع العلم أن الهدف من إقرار أي قانون ضد العنف الأسري ليس التدخل في قدسية العائلة وشؤونها الخاصة، بل المعاقبة على جريمة جزائية بكل ما للكلمة من معنى. وقد كان مشروع القانون المقدّم من جمعية كفى تتويجاً لمسار طويل من النضال في هذه القضية، بعد الاستماع إلى آلاف الشكاوى من نساء يعنفن ويغتصبن وبعد متابعتهن قانونياً ونفسياً. والمشروع المقدم هو خاص بالنساء لأنه قائم على اعتبار أن القوانين المدنية والأحوال الشخصية تعطي امتيازات عدة للرجل ويجب أن يكون هنالك بالتالي قانوناً خاصاً بهنّ كنساء لإعادة بعض التوازن إلى العلاقة غير المتساوية بين المرأة والرجل خاصة في كنف العائلة، كما أن هدفه وضع حد للعنف القائم على النوع الإجتماعي، أي الممارس ضد المرأة، لا لشيء إلا لأنها امرأة.

وخلال العام الماضي رُفع مشروع القانون مدعوماً من عشرات الجمعيات النسائية إلى مجلس الوزراء ومن ثم تمت إحالته من دون عقبات تذكر إلى مجلس النواب الذي أوكل لجنة فرعية لدراسته وإحداث تعديلات قبل التصويت عليه في البرلمان. والمشروع لا يزال إلى الآن لدى اللجنة الفرعية مع أن المهلة التي أعطيت لدراسته هي ثلاثة أسابيع!

كما تجب الإشارة هنا إلى قانون العقوبات الصادر بالمرسوم الإشتراعي رقم 340 سنة 1943 الذي منح عذراً مخففاً لمن يجد زوجته أو أحد  محارمه في حالة تلبسها بالزنا فقتلها وقتل شريكها أو تسبب بعاهة مستديمة، حيث تبرر جريمته بداعي الشرف. وفي هذا توظيف للأعراف العشائرية والقبلية في النص القانوني. أيضاً توقف عقوبة التنفيذ لملاحقة الجاني في جريمة العنف الجنسي (الإغتصاب) إذا أقبل هذا الأخير بالزواج من المجني عليها، وفي هذا تشجيع للعنف الجنسي حيث يستطيع المجرم الفرار من العقوبة بالزواج.

ما الحل ؟

على الرغم من تبيان العديد من الدراسات والتقارير حول استفحال ظاهرة العنف ضد النساء وعرض تكلفته الإقتصادية والإجتماعية والبشرية، وعلى الرغم من التزام لبنان بجملة من الإتفاقيات الدولية الناظمة لحقوق الإنسان، إلا أن واقع المرأة في لبنان هو دون ما تقتضيه شرعة حقوق الإنسان، بحيث تتقاعس الدولة اللبنانية عن القيام بدورها في حماية النساء من العنف وهي تساهم فيه برفضها تعديل القوانين التمييزية بحق النساء واستحداث تشريعات تحمي النساء من العنف الممارس بحقهن.

على المشرّع سد الثغرات في قانون العقوبات وخاصة تجريم العنف الأسري واعتباره جرماً يعاقب عليه القانون. كما يجب إنصاف المرأة اللبنانية التي تتعرض للاغتصاب عبر ملاحقة ومعاقبة المغتصب حتى وإن أقبل على الزواج من الضحية، وكذك إلغاء العذر المخفف لجريمة الشرف. بالإضافة إلى تأهيل المراكز الأمنية والمخافر لاستقبال شكاوى النساء وتأهيل العناصر للتعامل مع الضحية بشكل جيد.

فحماية النساء من العنف الممارس عليهن، إن كان في الحياة الخاصة أو العامة، يرتقي بالمجتمع لى مجتمع سليم يحفظ مواطنيه تحت سقف القانون من دون تمييز.

نادين ديب

العنف ضد المرأة: سكوت عن الجرم أم تواطؤ من الدولة والمجتمع؟

تتعرض له النساء من جميع الطبقات والأعمار

متى تقف الدولة مع نسائها ضد العنف؟

بالرغم من التطورات الكبرى التي شهدها واقع المرأة دولياً، إلا أن العنف ما زال وصمة عار في سجل التمدّن والإنسانية. فالعنف ضد النساء هو ظاهرة منتشرة تخترق كل المجتمعات الإنسانية وكل الطبقات الإجتماعية حيث يطال كل الشرائح النسائية فتكون ضحاياه المرأة الفقيرة والمرأة الغنية، المتعلمة والأمية، المتزوجة والأرملة والعزباء، الطفلة والمسنّة على حد سواء. ولا يقتصر الأمر على العنف الجسدي، فثمة حالات من العنف المعنوي واللفظي الذي يحط من شأن المرأة وينتقص من كرامتها.

كيف للجرم أن يستمر؟ أهو غياب العقاب الرادع؟ أنا، أنتِ، هنّ، والأخريات معرّضات لأن نكون “معنّفات”. لست هنا لأميّز بين الإنسان المعنّف ذكراً كان أم أنثى، طفلاً أو راشداً، فالضحية إنسان. لكن كيف لنا أن نعوّل على قانون لا يحمي مواطنيه من العنف؟

Woman

لم ولن تتمكن البشرية من التوصل إلى قوانين تحمينا من غضب الطبيعة أو عنف الكائنات الأخرى الغير بشرية، لكن القوانين وجدت لتحمي الإنسان من عنف الإنسان الآخر. غير أن القانون في مجتمع ما قد يأتي في المرتبة الثانية خلف العادات والتقاليد والأعراف ونُظُم الأخلاق التي يحرص عليها هذا المجتمع، بعض هذه العادات تكون وليدة تاريخ إنساني إرتبط بطبيعة الحياة وبعضها الآخر تأتي وليدة  التعاليم الدينية. ونلاحظ أن العادات والتقاليد قد تزول أو تتأصل في سلوكيات مجتمع ما، تبعاً لتطور هذا المجتمع وازدياد أو نقص الوعي فيه. في الواقع فحتى يومنا هذا نجد أن العرف الإجتماعي قد يكون أحياناً أقوى من القانون والتشريع، غير أنه في بعض الحالات يكرّس القانون ويحمل في طياته عادات أو تقاليد معينة، حتى لو كانت هذه العادات تحمل في طياتها عوامل تمييزية.

في هذا الإطار فإن بعض القوانين لم تقدر أن تلغي نزعة المجتمع الأبوي والذكوري في التمييز بين الرجل والمرأة وسلطته عليها، إلى حد اعتبارها أقل مكانة وحقوقاً، رغم أن الأديان السماوية لم تحمل أي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة.

تعريف العنف ضد المرأة

Stop domestic violence

يُعرّف العنف الممارس على النساء بالفعل العنيف القائم على أساس التمييز وفق الجنس، وينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للضحية بما في ذلك التهديد أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية.

العنف يستهدف نساء من مختلف الطبقات والحالات الإجتماعية والنساء المتعلمات والأميات والزوجات والبنات. نجد حصوله في العائلة الواحدة إما من الزوج أو من أحد أفراد العائلة، نجد حصوله أيضاً في مراكز العمل من خلال تحرش جنسي أو حتى معاملة  تمييزية بين رجل وامرأة من حيث المعاشات والترقيات. كما يمكن حدوث العنف في الشارع والأماكن العامة.

أما عن أنواع العنف الممارس فهو قد يكون عنفاً معنوياً يتمثل بالتهجم والشتم والتحقير والإهانة، أو عنفاً جسدياً يقوم على الضرب والإيذاء الجسدي وحتى التشويه أو التسبب بعاهات في بعض الأحيان، أو عنفاً إقتصادياً من خلال احتجاز المال الخاص بالمرأة، وعنفاً جنسياً يتمثل بالإغتصاب أو الإكراه على ممارسة الدعارة.

قصة رندة

 

رندة سيدة في عقدها الثالث، جميلة وأنيقة لكنها ليست كغيرها من النساء. فهي بائسة ومحطّمة، وتظهر على وجهها ملامح حزن شديد يملأ قلبها وعينيها اللوزيتين. دموعها تنهمر والكآبة تنعكس على صوتها. كل ذلك نتيجة قصة حب، بطلها زوجها ومشاهدها تتضمن كل أنواع العنف المتعارف عليه.

تعرّفت رندة على زوجها عندما كانت في الثامنة عشرة ووافقت على الزواج منه على الرغم من معارضة أهلها. ومن دون تردد نسيت شبابها وأحلامها وأهلها، وقررت أن تدخل معه القفص الذهبي لكنها سرعان ما اكتشفت أنه ليس سوى قفص عذاب من الصعب التخلص منه.

لم تدم سعادة رندة أكثر من ثلاثة أيام بعد زواجها عندما تفاجأت بردة فعل زوجها حين علم أن أحد أقاربها جاء لتهنئتها وقبّلها. فغضب الزوج كثيراً وكاد يحطم البيت على رأسها. ومن هنا بدأ مسلسل العنف في حياتها الزوجية وبدأت تعاني أقسى أنواع العنف المعنوي، كمرحلة أولى، قبل الإنتقال إلى العنف الجسدي. جُردت من إحساسها وكيانها ومشاعرها وسُجنت داخل المنزل ظناً من زوجها أنها ستخونه إذا خطت خطوة واحدة خارج الباب. وبسبب مخيلته الواسعة كان يشبعها ضرباً إذا فكرت حتى بالاستحمام معتبراً أنها قامت بخيانته مع شخص ما.

حاولت رندة أكثر من مرة أن تتحدث معه وتثبت له أنه الرجل الوحيد في حياتها لكنه كان في كل مرة ينهال عليها بالضرب من دون أي رحمة أو شفقة. وتبين أنه يعاني من مرض نفسي يدفعه إلى القيام بهذا النوع من التعنيف بعد اكتشافه أن إحدى قريباته تقوم بخيانة زوجها. نتج عن هذا الزواج ثلاثة أولاد عاشوا هذه المصائب المتكررة بشكل يومي وترسّخت في أفكارهم كيفية معاملة الوالد للوالدة حتى هم بنفسهم انقلبوا عليها وأهانوها وذلك إرضاء لوالدهم. ومع اشتداد سوء الحال بين الزوجين غادرت رندة المنزل أكثر من مرة بعد أن طردها زوجها لكن حبها لأولادها ولأمومتها، وأحياناً وعود زوجها الكاذبة بالتغيير تعيدها إليه. وما إن تمكث يومين في المنزل حتى تلقى نصيبها من الضرب مع تطور ملموس يتجلى باستعماله مواد حادة في الضرب مثل جهاز التلفزيون والسكين وغيرها.

وردت فكرة الإنتحار في بال رندة لكنها عدلت عن قرارها في اللحظات الأخيرة خوفاً من الله وقلقاً على مصير أولادها. أما الصدمة الكبرى فتتجلى في عدم قبول زوجها أن يطلقها خصوصاً بعد أن حكمت المحكمة على الزوجة بالطاعة لكن رندة استأنفت الحكم وهي تأمل بالحصول على الطلاق الأخير من زوجها.

هذه هي باختصار قصة حب رندة التي تُعتبر نموذجاً عن معاناة شريحة من الزوجات اللواتي يتعرضن لعنف الزوج وأهوائه من جهة، وجمود القانون وقصوره من جهة أخرى. ومن هنا يبرز دور الجمعيات والهيئات التي تعمل على مناهضة العنف ضد المرأة في الكشف عن جميع أشكال العنف التي تتعرض لها سواء كان عنفا جسدياً، نفسياً أو اقتصادياً، إضافة للضغط على الهيئة التشريعية من أجل إصدار قوانين تحمي المرأة من التعسف.

– يتبع في المقال القادم –

نادين ديب

الفساد في لبنان – تابع

(تكملة المقال السابق)

الفساد: كيف نعرّفه وكيف نحاربه؟

من أسرع؟ الفساد أم الإصلاح؟

من أسرع؟ الفساد أم الإصلاح؟

من الصعب تعريف الفساد علمياً وبدقة، وبالتالي تحديد الكلفة المادية والمعنوية التي يسببها بشكل دقيق. لكن الإتحاد الأوروبي يعرّف الفساد بأنه كل ما يرتبط بتعسف في استعمال السلطة، وكل مخالفة تُرتكب في أي قرار رسمي يتخذ مقابل منفعة غير مشروعة، خاصة أو للغير. في دراسة له، يعتبر البنك الدولي أنه من بين 30 ألف مليار دولار، وهو حجم الإقتصاد العالمي، ثمة أكثر من ألف مليار دولار تُهدر سنوياً على شكل رشاوى. وبحسب استنتاجات البنك الدولي فإن الدول التي حاربت الفساد قد زاد دخلها الوطني أربعة أضعاف.

السؤال المطروح الآن: هل تم اتخاذ إجراءات معينة لمحاربة الفساد؟ وكيف تم التعامل معها وما كانت نتائجها العملية على الأرض؟

نجد في قانون العقوبات اللبناني نصوصاً تعاقب على أعمال الفساد مثل الرشوة، وصرف النفوذ، والإختلاس، واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة والإثراء غير المشروع، إلى ما هناك من مظاهر أشارت إليها المادة 351 وما يليها من قانون العقوبات. لكن العبرة تبقى في التنفيذ، حيث نرى أن هذا القانون لا يطبق إلا على الضعفاء أو الذين لا “يتمتعون” بالواسطة.

وفي هذا المجال قُدم منذ فترة اقتراح تتعلق بتشكيل “هيئة وطنية لمكافحة الفساد” في لبنان من قبل الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد. لكن الجهات الرسمية المعنية لم تتجاوب مع هذا الإقتراح حتى الآن ولم تبصر هذه الهيئة النور لأسباب قد تكون هي نفسها “فاسدة”، مع العلم أنه توجد هيئات رقابية تابعة للوزارات في الحكومة اللبنانية وقد يقول قائل أنه من الأجدى تفعيل عمل الهيئات الموجودة بدلاً من إنشاء هيئات جديدة.

ولا بد أن نطرح في النهاية السؤال التالي: في ظل عضوية لبنان في الشبكة العربية لتعزيز النزاهة، كيف سينعكس هذا على التخفيف من الفساد وكيف ستتم معالجة الملفات والفضائح وهل ستكون النتيجة عملية وفعلية، أم أن هكذا مؤتمرات ونقاشات ودراسات تبقى عملية فولكلورية ما دامت الإرادة السياسية والحكومية لا تقدر أو لا تريد على التخفيف من الفساد، كي لا نقول اجتثاثه من الجذور!

مؤتمر الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد

 

شارك المركز اللبناني لتعزيز المواطنية في فعاليات مؤتمر الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد الذي أقيم في فندق فينيسيا في بيروت. المحاضرون والمشاركون في المؤتمر جاؤوا من جميع الدول العربية لا سيما دول الربيع العربي حيث تناولوا محاور مهمة وحساسة سواء على صعيد القطاع الخاص أو على الصعيد الحكومي، وهي مواضيع دأبت الشبكة على متابعتها ومناقشتها لمزيد من التطور وتجاوز العراقيل في معالجة الشفافية وتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد في الدول العربي.

قُسم المؤتمر إلى خمس جلسات تضمنها ست ورش عمل فرعية وحوارت مفتوحة أفسحت في المجال للمشاركين لطرح همومهم وتساؤلاتهم لا سيما حول مصير الأموال والأرصدة المالية المجمدة في المصارف الأوروبية والأميركية لدول الربيع العربي التي شهدت تحولات في السلطة خاصة ليببا وتونس.

كما رافق المؤتمر ورشة عمل تدريبية للصحافيين حول كتابة المواضيع والتحقيقات الصحافية التي تغطي ملفات وقضايا الفساد في وسائل الإعلام ودور هذه الوسائل في هذا المجال ومدى شفافية الكاتب الصحافي لكي ينتج عن ذلك محاربة فعلية للفساد.

مطيعة الحلاق

الفساد في لبنان

الفساد في لبنان

“جبل جليد”

الظاهر معلوم وما خفي اعظم!

تقرير: مطيعة الحلاق

Main Pic2

قد يكون الربيع العربي انطلق من عباءة الفساد حيث أن حرمان المواطن من حقه الطبيعي في التوظيف والاستفادة من موارد بلاده وثرواتها الطبيعية والاستثمارية هو الذي شكّل حافزاً لانطلاق الثورات العربية التي كانت أول ما نادت به هو إنهاء الفساد المستشري في الإدارات والمؤسسات الرسمية والتي تحرم الآلاف، بل ربما الملايين، من مردود هذه المؤسسات التي ينطلق منها مبدأ التنمية المتوازنة ليعود ويصب فيها عبر إفساح المجال أمام الثروة الإنسانية بمواردها المتنوعة والمتعددة الاختصاصات من الاستفادة والإفادة على حد سواء من مواردها بشكل مستمر، عبر التوظيف في المؤسسات الرسمية التي يدفع لها المواطن الضرائب ويؤدي واجباته تجاهها دون أن ترد له “الجميل”.

وكل هذا يصب في إطار ما يعنيه الفساد الإداري والمؤسساتي مما يمكن أن نسميه  “إخفاء” لأموال وطاقات عديدة في ظل المحسوبيات والوساطة والاستزلام لأصحاب النفوذ السياسي والإقتصادي، لا سيما في قطاعات إقتصادية حيوية في إدارات الدولة ومؤسساتها العامة، ومصالحها المستقلة.

الفساد يعني كذلك المؤسسات البديلة التي تقوم بدور الدولة في تنفيذ المشاريع والتي تتولى هي نفسها مهمة الرقابة على المشاريع التي تقوم باستثمارها، واستفادتها هي دون الدولة.

شبكة عربية لمكافحة الفساد

بناء على ما سبق تنادت بعض المنظمات المتخصصة في ميادين متعددة ومتنوعة وبالشراكة بين الجهات الرسمية خاصة وزارات العدل وبين مؤسسات وجمعيات أهلية ومدنية في الوطن العربي لمواجهة ظاهرة الفساد ومعالجة أسبابها أملاً في الوصول إلى أكبر قدر من الشفافية وتعزيز النزاهة في الأداء في الدوائر الرسمية. وقد أثمرت هذه الجهود عن ولادة “الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافة الفساد” في تموز 2008 وقد أصبحت اليوم تضم 40 وزارة وهيئة حكومية وقضائية من 16 بلداً عربياً هي لبنان، المغرب، الأردن، تونس، الجزائر، ليببا، مصر، السعودية، السودان، اليمن، موريتانيا، فلسطين، العراق، قطر، البحرين وجيبوتي. كما تضم إلى جانب هذه الجهات الرسمية مجموعة من منظمات غير رسمية تمثل المجتمع المدني والإعلام والأعمال والجهات العلمية الأكاديمية.

تعمل الشبكة على تنمية قدرات أعضائها من خلال التدريب وتقديم المشورة وتقوم بتيسير تبادل المعلومات في ما بينهم،  وكذلك بين أعضائها ونظرائهم من مختلف دول العالم، لتوفر لكافة المعنيين أرضية مشتركة ومنهجاً متقارباً لمراجعة سياسات واستراتيجات مكافحة الفساد.

من هنا جاء المؤتمر الدولي الرابع للشبكة الذي عُقد في بيروت بتاريخ 16 نيسان 2013، تحت عنوان “التوفيق بين الواقع والمأمول في مجال مكافحة الفساد: نحوالمزيد من الإبتكار والتجديد”. وانطلاقاً من استضافته لأعمال المؤتمر فإن لبنان معني بمشكلة الفساد وتداعياتها.

الفساد في لبنان: نمط عيش؟

في لبنان يكاد الفساد وفضائحه يطالان كل أوجه الحياة، ولا يخفى على أحد ما شهدته الآونة الأخيرة من توالي وتلاحق الفضائح على شاشات التلفزة وفي وسائل الإعلام المختلفة وصفحات ومواقع التواصل الإجتماعي.

وربما يكون القضاء، حسب الشبكة العربية لتعزيز النزاهة، في مقدمة المؤسسات التي تشهد الفساد  نظراً لما يُفترض به أن يمثل من مصداقية وشفافية كهيئة تصون حقوق الجميع بما يعكس هيبة الدولة وسلطتها على أراضيها وبين مواطنيها.

image003

كذلك فإن الجمارك والإدارات المالية والمرافق الحيوية كالمطارات والمرافىء وسواها من الدوائر والمصالح الرسمية المستقلة، هي من المؤسسات الحساسة التي من شأنها أن تعكس شفافية ونزاهة الأداء.

إذن يقف لبنان في عين دائرة ملفات الفساد التي نشهدها في دول العالم العربي كافة. لكن الكمّ الهائل من ملفات الفساد التي انتقلت فضائحها كالنار في الهشيم من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب إلى بيروت، لم يمنع أكثرها من الانتهاء كزوبعة في فنجان والابتعاد عن التغطية الإعلامية التي ترافق قضية الفساد عادةً عند انفضاحها، ولا يلبث الإعلام أن يغضّ النظر عن القضية المعنية دون الوصول إلى الحل المرجو الذي يأمله المواطن اللبناني وهو صاحب الحق في استرجاع حقوقه عبر استرجاع حقوق الدولة ومواردها.

لقد طالت ملفات الفضائح والفساد في لبنان كل نواحي حياة المواطن اللبناني اليومية حتى وصلت إلى المياه التي يشربها ولقمة عيشه وقوت أولاده. وقد فوتت ممارسات الفساد على الدولة وخزينتها مبالغ بملايين الدولارات حسب ما تذكر المعلومات والتقارير، الأمر الذي سيترجَم مزيداً من الدين والعجز في الخزينة وتراجعاً في ميزان المدفوعات ومؤشرات النمو.

من نتائج الفساد المستشري: لحوم فاسدة في الأسواق

من نتائج الفساد المستشري: لحوم فاسدة في الأسواق

هكذا رأينا كيف تتوالى ملفات الفساد في لبنان منذ وقت بعيد ونحن لا نكاد ننسى ملفاً أو قضية فساد لنعود وننشغل على مدى أيام وأسابيع بخروج ملفات جديدة وفضائح غريبة إلى السطح فتقوم الدنيا ولا تقعد بشأن الفضيحة فتبدأ مظاهر “عرض العضلات” ابتداء من وسائل الإعلام، مروراً بالدوائر الرسمية المعنية، ولكن غالباً ما ينتهي المشوار عند فتح التحقيقات التي نكتشف أنها ستنام في الأدراج لحظة خروجها عبر الإعلام وكأنها لم تكن.

طالت فضائح الفساد كازينو لبنان والمنطقة الحرة في مطار بيروت وشركات المياه وقطاع الصحة والدواء الفاسد والمزور واللحوم الفاسدة والمرافق السياحية مثل مغارة جعيتا والأملاك البحرية، بالإضافة إلى ملف المهجرين وبعض البنوك وقطاع الكهرباء. هذا عدا عن المحاكم الشرعية ودارالإفتاء وتلزيم تعهدات مشاريع التأهيل للطرقات، والمناقصات والمزايدات على أنواعها للتلزيم في إنشاء المشاريع العامة. واللائحة قد تطول إلى أبعد مما يتوقعه الكثيرون وإلى أكثر بكثير مما يمكن للمواطن أن يتحمل تبعاته.

أما عن حجم الخسائر الإقتصادية الناتجة عن استشراء الفساد فتشير الأرقام المتوافرة من قبل جهات دولية وعربية معنية بالرقابة إلى حجم الكارثة والخسائر التي يتكبدها الإقتصاد اللبناني جرّاء عمليات الفساد وصفقاته. ففي عام 2001، قدّرت الأمم المتّحدة كلفة الفساد في لبنان بـ1.5 مليار دولار سنوياً (10% من الناتج حينها). بعد 12 سنة على هذا التقدير، لا تزال البلاد على الأرجح حيث كانت، إلا أن الكلفة إذا قُدّرت بذات النسبة المئوية من حجم الناتج المحلي، فقد تكون كلفة الفساد قد وصلت في أيامنا هذه إلى 4 مليارات دولار سنوياً!

-يتبع في المقال التالي-

حملة “من حقنا نعرف” عند فيصل كرامي

ضمن سلسلة الزيارات للفعاليات السياسية في طرابلس، قام أعضاء حملة “من حقنا نعرف” التي تضم مجموعة من الجمعيات المدنية الناشطة في الشمال بزيارة لوزير الشباب والرياضة الأستاذ فيصل كرامي
الهدف من الزيارة كان التعريف بالحملة وأهدافها، خاصة إقرار مشروع قانون حق الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى تفعيل التواصل بين هيئات المجتمع المدني المستقلة والفعاليات السياسية بمختلف أطيافها.

976877_507645772617045_1613450815_o

أعطونا حقنا في طرقات سالكة!

Main Pic3

تعيش مدينة طرابلس، العاصمة الثانية للبنان كما يزعمون، منذ سنوات في فوضى أمنيّة واقتصادية وسياسية. وتعاني بشكل فاضح من الحرمان بكل أشكاله وأنواعه ومن تعتيم متعمّد ومقصود، وعدم التفات الحكومات المتعاقبة على مدى سبعين سنة وأكثر لكثير من متطلّبات الحياة فيها، ناهيك عن الفساد المستشري في العديد من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الموجودة فيها.

يهمّنا في هذا المجال أن نسلّط الضوء على جانب من الفساد هو الحفريّات التي تجتاح معظم طرقات المدينة، الفرعية منها قبل الرئيسية، وعدم التزام الشركات المتعهدة بمواعيدها الزمنية لإنهاء مشاريعها والنتائج المترتبة على هذا التباطؤ والمماطلة في تنفيذها وإنجازها في الوقت المطلوب.

من هنا كان حقاً لكلّ مواطن طرابلسي أن يسأل عن الأسباب الكامنة وراء هذا التقاعس والإهمال ووقوف مجلس الإنماء والإعمار موقف المتفرّج حيال هذا الموضوع وعدم اتخاذه أيّة تدابير بحق هذه الشركات المتعهّدة تنفيذ المشاريع.

وإنّه لمن العار بمكان أن تضمّ الحكومة رئيساً وخمسة وزراء من أبناء مدينة تتخبّط بمشاكلها ليلَ نهار دون أن يحرّكوا ساكناً تجاه هذه المشكلة وغيرها، وهو واجب عليهم وليس منّة من قبل أي أحد منهم.

DSC_0967

وفي الوقت الذي عاثت فيه الأشغال فسادا ً في طرقات المدينة، تحاول هذه الشركات شرح وجهة نظرها حيال التأخّر في إنجاز وإتمام ما بدأت به، عازية ً السبب إلى حالة الطقس الممطر والعاصف تارةً، وللروتين الإداري المعتمد في مجلس الإنماء والإعمار تارة أخرى، وغيرها من الأعذار الأقبح من ذنوبهم.

إنّ ما آلت إليه الأمور في المدينة أدّى، وبشكل طبيعي، إلى تذمّر المواطنين الذين ضاقوا ذرعا ً من الحالة المزرية لمدينتهم لجهة تقطّع الأوصال بين طرقات المدينة، وزحمة السير الخانقة، عدا عن الأضرار التي تحدثها في سيارات المواطنين ومحالهم التجارية وأرزاقهم.

وفي أحاديثنا مع المواطنين وسائقي التاكسي فهم يعتبرون أن ” الوضع بات لا يُحتمل وأنّ ما نجنيه في النهار ندفعه مساء عند كاراجات التصليح” داعين المعنيين إلى الإسراع في تأهيل الطرقات رأفةً بهم.

وفي وقت سابق كانت بلدية طرابلس قد أصدرت بياناً إعتبر فيه رئيسها نادر الغزال أنّه “بعدما كثرت الوعود بقرب انتهاء الأعمال من قبل الشركات المتعهّدة والمؤسسات المعنية يهمّ أن نوضح للمواطنين أن البلدية سعت مراراً وتكراراً إلى متابعة الموضوع مع الجهات المعنيّة ولكن عبثاً حاولت، فهي كما المواطن تتلقى الوعود ولكن شيئاً منها لم ينفّذ”. وأكد البيان أيضاً على أنّ “أعمال الحفريات المستشرية في المدينة تعود لأعمال مختلفة تابعة لوزارة الأشغال ولمصلحة المياه وكهرباء لبنان، وأعمال ينفّذها مجلس الإنماء والإعمار، وفي كل الأحوال يبقى دور البلدية محصوراً بالمراقبة فقط”.

وللعلم فقد كان رئيس البلدية نادر الغزال قد أصدر قراراً يقضي بإيقاف المعدّات عن العمل منوّهاً إلى أنّه “لا يحقّ للبلديّة اتخاذ أية تدابير إضافية”.

وهنا يحقّ لنا أن نسأل: أولاً أولئك الذين تذرّعوا برداءة الطقس وسوء الأحوال الجوّية، الآن وقد تحسّنت الأحوال الجوية وصفا الطقس لماذا لم تُنجز المشاريع كاملةً بعد؟! ثانياً ما الفائدة من قرار البلدية القاضي بإيقاف المعدّات عن العمل وهي لا تستطيع اتخاذ أية تدابير إضافية؟ والجواب واحد من اثنين: إما أنها تريد زيادة فوضى الطرقات وإمّا أنّها تريد أن تبرّأ ساحتها متذرّعةً بتقييد صلاحياتها في هذا الشأن. مع العلم أن عمال الشركة المسؤولة عن الحفريات في المدينة قد عاودوا العمل في اليوم التالي لقرار رئيس البلدية وكأن شيئاً لم يكن!

أخيراً ماذا كان ينتظر رئيس الحكومة والوزراء الخمسة قبل استقالة الحكومة ليلتفتوا قليلاً إلى أحوال مدينتهم المنكوبة؟ أم أن القضية متروكة للمزايدات السياسية خصوصاً وقد اقتربت الاستحقاقات النيابية وعندها ستكون قضية الحفريات، كما غيرها، مادة دسمة لبرامجهم الانتخابيّة؟؟؟

بلال مجيد

سنة أولى كلية الإعلام

جامعة الجنان