Monthly Archives: June 2013

المرأة في العمل البلدي: تجربة محدودة

MARAHUKK
فازت نحو خمسمئة امرأة في الانتخابات البلدية في العام 2010. لم تتعدَ نسبتهن الخمسة في المئة من مجموع الفائزين. لكن الأمر يستحق الدراسة. هذا ما قامت به «جمعية تنظيم الأسرة في لبنان»، بالتعاون مع «مؤسسة فرديتش ايبرت». أجرت الجمعية دراسة ميدانية لتقييم تجربتهن في العمل البلدي من خلال استطلاع شمل 224 امرأة من مختلف المناطق والطوائف والفئات الإقتصادية ـ الاجتماعية، عرضتها أستاذة العلوم السياسية في «الجامعة اللبنانية» الدكتورة أوغاريت حلو، والإحصائي الدكتور مروان حوري، أمس، في «فندق هوليداي إن».
أعلنت 90 في المئة من المستطلعات أن دافعهن للترشح كان رغبةً في خدمة منطقتهن، بينما 42.40 في المئة منهنّ عبّرن عن رغبتهنّ في حماية أبناء الطائفة. واعتبرت حلو «النتيجة غير مستغربة، إذ لا يمكن عزل النساء عن نسيجهن الاجتماعي الطائفي»، مؤكدةً أن النتائج قد ترتفع إذا استخدمت الأبحاث النوعية.
وقد شكّل دعم العائلة والزوج مصدر دعم غالبية المستطلعات (بنسبة 90 في المئة). في المقابل، وصلت نسب المستطلعات اللواتي واجهن معارضة من أهل الزوج إلى نحو 12 في المئة للمتزوجات مع أولاد، و8.3 للمتزوجات من دون أولاد، خوفاً من التقصير في واجباتهنّ المنزلية والعائلية. ووصلت نسبة المعارضة الحزبية إلى 6.3 في المئة من إجمالي العينة، النسبة الأعلى منهن متزوجات مع أولاد.
أما نسبة المستطلعات اللواتي ذكرن دعم المجتمع المدني والجمعيات لهنّ، فلم تتجاوز 3.6 ونسبة المستطلعات اللواتي ذكرن دعم فئة النساء لهن لم تتجاوز 1.8 في المئة، ما يدل على أن الروابط الأهلية لا تزال تطغى على الروابط المدنية، وتؤدي الدور الأكبر في ترشح النساء للانتخابات البلدية.
يذكر الاستطلاع أن العوامل التي سهّلت عمل المرأة في المجالس البلدية هي شبكة علاقتهنّ الاجتماعية (94 في المئة)، بينهم 82 في المئة من الطبقات العليا، في مقابل 77 في المئة من الطبقة الوسطى و40 في المئة من الطبقة الدنيا. من دون أن تحدّد الدراسة طبيعة «شبكة العلاقات»، إن كانت طائفية أو حزبية على سبيل المثال. ونفت غالبية المستطلعات بأن القدرات المادية قد لعبت دوراً في ترشحهنّ. فأعلنت 84.80 في المئة من المستطلعات أن القدرات المالية لم تلعب أي دور، من دون أن تذكر الدراسة الخلفية الاقتصادية ـ الاجتماعية للمستطلعات ومدى تأثير استقلالهن الاقتصادي على عملية الترشح.
وقد اعتبرت غالبية المستطلعات أن هيمنة الثقافة الذكورية لم تشكل عائقاً أمام عملهنّ (نحو 58 في المئة).
كذلك، أعلنت الغالبية أن «هيمنة رئيس المجلس» و«غياب ديموقراطية صنع القرار» و«عدم أخذ مساهمة المرأة جدياً» و«ضعف التمثيل النسائي»، جميعها عوامل لم تشكل أي عائق أمام أدائهن داخل المجلس. علماً أن الاستطلاع أظهر أن إدراك الهيمنة وتجلياتها يكون أوضح لدى الفئات الشابة وبين حملة الشهادات العليا وبين الطبقات العليا والوسطى.
أجوبة تبدو نمطية لأسئلة تحتاج إلى تفصيل. فالهيمنة غالباً ما تكون مبطنة وغير مرئية، خصوصاً إذا فازت غالبيتهن بدعم قوى سياسية مسيطرة. وقد أشارت حلو إلى محدودية استنتاجات الاستطلاع، وشدّدت على أنها تحتاج إلى بحث نوعي يستند إلى مقابلات معمقة وحلقات نقاش مركزة. أضافت: «للأسف يُعدن النساء أحياناً إنتاج الثقافة التي يحاولن محاربتها».
38345M20100502182352
اللافت في الاستطلاع هو النسبة العالية من المستطلعات اللواتي لم يجبن عن سؤال في شأن الأساليب التي استخدمنها لمواجهة العقبات والتحديات (65.25 في المئة)، ربما لأن فكرة المواجهة غائبة في ظل شبكة العلاقات العائلية والطائفية. وبكل الأحوال، تستحق هذه النسبة دراسةً بحدّ ذاتها، لمعرفة أسباب الامتناع عن «المواجهة».
وبينما تظهر النتائج أن نسبة المستطلعات اللواتي حضرن أكثر من 75 في المئة من جلسات المجلس البلدي هي 84.4 في المئة، أعلن 42.9 في المئة من أفراد العينة عن عدم تقدّمهن بأي مشاريع خلال فترة ولايتهن. وفي حين أعلنت نسبة 19.2 في المئة من المستطلعات وجود لجنة نسائية في المجالس البلدية، اعتبرت نسبة 80.8 في المئة منهنّ أنهنّ غير معنيات بالسؤال.
وبالرغم من ذلك، قيّمت نحو 90 في المئة من المستطلعات تجربتهن بـ«الممتازة»، «الجيدة جداً» و«الجيدة»، من دون معرفة بأي معنى وعلى أي معايير تم إطلاق التصنيفات تلك. كذلك الاستنتاجات والمقترحات، فتبدو في بعض الأحيان منفصلة عن الاستطلاع نفسه. فجاء في التقرير أنه «استناداً إلى الإجابات، نستطيع القول إن الشروط الأساسية لضمان الأداء كانت متوافرة لغالبية المستطلعات».
بقلم كارول كرباج – نقلاً عن جريدة السفير عدد 21 حزيران 2013

في حي التنك و حَوْش العبيد.. أطفال لمعارك محتملة

105657
يرفض باسم الخطيب، أستاذ العلوم في «مدرسة النهضة الرسمية للصبيان» في الميناء طرابلس، القيام بوظيفته فحسب. يرى أن العمل مع تلامذة من أحياء محرومة، مثل حي التنك وحوش العبيد، أشبه بنضال يوميّ. وإذ يبتعد عن تصنيفهم بـ«الزعران وأولاد الشارع»، ينقل ظلم مجتمعهم الذي يُعدّهم لـ«الجهاد» وحروب محتملة. ويكتفي برواية قصصهم.. بعيون متأثرة.
يُمسكه بعنقه، ويقذفه نحو جدار الباحة. عيونه ناقمة، يرميه أرضاً ولا يتوقف عن ركله. فيجهش الآخر بالبكاء مستغيثاً رفاقه. في زاوية أخرى من الملعب الداكن اللون، يمسك الطفل بشعر زميله، ويشبعه ضرباً. يبدو الآخر ضعيفاً، لكنه يستجمع قواه، ويلكمه بقسوة.
يزيح الأستاذ باسم ستارة النافذة، مراقباً من غرفة الإدارة تلامذته، خلال فرصة الصباح. ينظر إليهم متكتلين في مجموعات، لا مسافة بينهم، منهم الواقف ومنهم المرمي أرضاً. لا أحد بينهم يتكلّم أو يتناول الإفطار بسلام. يردّد باستياء: «الفرصة عنا ساحة معركة.. ساحة معركة».
يشهد الأستاذ على يوميات أطفال لا يشبهون غيرهم. لا يعيشون كالأطفال، لا ينامون ولا يأكلون ولا يدرسون مثلهم. هم أطفال حي التنك وحوش العبيد في ميناء طرابلس. يسكنون في غرف من تنك. يجلسون على مقاعد متصدّعة. يلعبون بالسكاكين وشفرات الحلاقة («موسى»). ويلهون في «المساجد السلفية» المجاورة.
«خذ حقك بإيدك»
نقلت إدارة المدرسة أحد عشر طفلاً إلى المستشفى السنة الماضية، بسبب كسور ناتجة من عراك بين الأولاد. وتستدعي الإدارة يومياً أهالي عدد من الطلاب للتحذير من حالات ضرب عنيفة، سرقة، وغياب من دون علمهم.
يحكي باسم أنه، خلال الرحلة المدرسية السنة الماضية، عاد الأولاد مسرورين، لكن في باص لا يشبه ذاك الذي ذهبوا به. «مزّق بعضهم المقاعد بالخناجر»، يروي القصة بغضب. ويبرّر بنبرة هادئة: «لو التلميذ عنده مساحة يلعب فيها، ما كان فكّر بالسكين والموسى».
«لماذا تُستخدم القوة والسطوة بين الأولاد؟ لأنها وسيلتهم الوحيدة لانتزاع حقوقهم، أو على الأقل يعتقدون ذلك». يضيف: «العلم والمهنة؟ صارت وسائل مهمشة في مجتمعاتنا». يشعرون بالظلم، ويتصرفون بمنطق «بدك توصل لحقك، بتوصل لحقك بالقوة»، يقولها وهو يخبط يده على الطاولة.
ليس بديهياً التعامل مع أطفال يعيشون في ظروف مماثلة. يصعب على باسم معاقبة بعضهم. يراهم ضحايا قبل أن يكونوا مذنبين. «أستاذ ليش هيداك قادر ونحن لأ؟ ليش ناس بسمنة وناس بزيت؟ أستاذ إنت مش عارف شو القصة!»، يواجهونه بتلك العبارات حين «يظلمهم». لا تزعجه رؤيتهم يدافعون عن أنفسهم. «أحكم أحياناً على تصرف معين من دون معرفة الخلفية. أعاقب المغلوب على أمره، وأتجنّب التعرّض للأقوى منه». يستدرك مبتسماً: «أعيد النظر بذلك وأعتذر منهم».
القلم والسمكة
«القلم أو الخمسمئة ليرة أو الساندويش، هي من الأسباب اليوميّة للمشاكل بين التلاميذ»، يقول. يصارعون على أشياء تبدو «بسيطة»، حيوية بنظرهم. يدركون أنه لا يمكن استبدالها بأخرى، وسيُعاقبون بسبب خسارتها. الحرمان لم يظهر معهم في المدرسة. تعيش غالبية أسرهم من أعمال هامشية، كالصيد وتنظيف بواخر وورش النجارة والحدادة. مدخولهم لا يُذكَر. «بتشوفيهم بالميناء يقاتلون بعضهم على سمكة، متل ما أولادهم يتقاتلون على قلم».
يحاول المُدرس، إبن حارة البقار الشعبية، مساعدتهم على التعبير عن أنفسهم. يلتقي بهم في الملعب، يزورهم حين أمكن في بيوتهم لمساعدتهم على التحضير للامتحانات.
«ماذا يضايقكم في الحياة اليومية؟»، يسألهم باستمرار. يستفزهم للتحدّث عن معاناتهم. يعترف أحدهم أن أباه يضرب أمه. ويفصح آخر عن تحرّش أبيه بأخته. ويظهر أن أحدهم ينام عند جدته. ويروي آخر أنه يعمل ليلاً. فيما يُعرب طفل آخر عن استيائه من منزله المكوّن من غرفة واحدة.
«يخجلون من التحدّث في خصوصياتهم ومعاناتهم اليومية. وهذا حقهم»، يقول المدرّس الستيني. يُلمحون، يرمون بضع كلمات غير مترابطة. فيستدركون الموضوع ويصمتون. وغالباً ما يبدلون الموضوع. فيعودون إلى «خطابهم الآمن» ضد الطائفة الأخرى ونظام بشار الأسد.. إلى «الكلام الكبير».
لم يعتد الإجابة عن أسئلة شبيهة في الأسرة التي لا تستوعب مشاكلهم. كثير من الأهل لا يستيقظون مع أبنائهم، فيحضر التلامذة صفوفهم بأمعاء خاوية. «أستاذ بطني واجعني، جوعان»، من العبارات التي يسمعها كثيراً الأستاذ خلال عمله. يحدق بعضهم بطعام زملائه بغيرة، ملتقطاً بقايا الطعام من أرض الملعب.
في المدرسة، يراهم محشورين ثلاثة تلامذة في مقاعد كلٌّ منها مخصص لتلميذين. «تشعر أن التلميذ قاعد نص قعدة». يهزأ من تقنيات التعليم الحديث التي تفرضها وزارة التربية. «لا يمكنني الاقتراب من مقاعد التلامذة للإشراف على عمل المجموعات، فهي مكتظة». «التقنيات الحديثة تتطلّب ربما تلامذة ناموا وأكلوا واستحمّوا جيداً»، يقول بسخرية.
«قبضاي الصفّ»
كان عمُّ أحد التلامذة زعيماً محلياً في الميناء قبل أن يُقتل في إشكال منذ نحو شهرين. وهو يتصرف مثله في المدرسة. عمره أربعة عشر عاماً، فرض نفسه مندوباً على الصفّ. يُمثّل التلامذة، يتحدث باسمهم، ويحكم باسمهم أيضاً. يفتعل المشاكل ويفاوض لفضّها. يخاف منه الطلاب. في «حضرته» لا أحد يجرؤ على الكلام. وإن أراد أحدهم طرح سؤال على أساتذتهم، يهمسون في أذنه الموضوع ليقوم هو بطرحه على المدرسين. «موكل نفسه وصيّ على التلاميذ».
تظهر دينامية الشعب/ الزعماء باكراً في أذهان الأطفال وسلوكهم. الأمر لا يتوقف على التلاميذ، بل على الأستاذ الذي يسعى للاجتماع مع «قبضايات الصفوف» من وقت إلى آخر.
مشهدٌ، على نياته الحسنة، يذكّر باجتماعات النائب محمد كبارة مع قادة المحاور. أعمارهم بين ثلاثة وستة عشر عاماً، يجتمع معهم دورياً لأنهم «مؤثرون على زملائهم» في مدرسة يصل عدد تلامذتها إلى 474.
يخاف عليهم من تعاطي المخدرات والتورّط في المعارك المندلعة بين الحين والآخر. يكرّر على مسمعهم «الوضع السياسي خطر. اهتموا بمستقبلكم». مع ذلك، يحاول الابتعاد عن إلقاء المواعظ، طارحاً عليهم الأسئلة: «ما رأيكم بالوضع السياسي الراهن؟ ماذا ستفعلون في المستقبل؟».
يستمع إلى أجوبتهم المستهلكة إعلامياً، بصبر كبير. يشارك بعضهم في دروس دينية مسائية، يُلقيها شيوخ سلفيون في المساجد المجاورة للمدرسة. يحاول معرفة مصدر خطابهم. يقولون:
«الشيخ قال هيك». ويجيبهم: «وانت شو بتقول؟ شو بتفكر؟». يرددون خطاب «المظلومية والجهاد» الذي يسمعونه في البيت وفي الشارع والمسجد. والأستاذ يحاول تطوير حسهم النقدي، في المدرسة.
«المشكلة أن أولادنا يحملون هموماً أكبر من قدرتهم»، يقول. يحملون أعباء الصراع السوري ومعارك التبانة أكثر من تفاصيلهم اليومية. عاجزون عن التركيز، وتفكيرهم مــــشوّش. مذهــــولون بفكــــرة «القــتال في ســــوريا، والجهاد من أجلــــها».
والفكرة تصبح فعلاً في أي وقت. ففي حي التنك وحوش العبيد، وأمثالها من الأحياء المنسية، أرضية خصبة لتحويل الأطفال إلى وقود معارك.
يغلق الأستاذ باسم ستارة النافذة، معترفاً بحدود تأثيره في تلامذته، وعجزه وسط منابر التحريض الكثيرة.بقلم كارول كرباج – نقلاً عن جريدة السفير عدد 29 حزيران 2013

دور النائب بين الواقع والمرتجى

البرلمان
يربط المواطنون، وهم على حق، بين النائب في البرلمان وبين تقديم الخدمات لهم وتحقيق مطالبهم التي لا تقتصر فقط على المطالب الحياتية اليومية وإنما كذلك على ضمان مستقبلهم المتمثل في تغيير أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية.

ولكن بالرغم من أهمية هذا الدور للنائب في بلد في طور النمو كلبنان، إلا أن وظيفة النائب الأساسية ليست توفير الخدمات للناس أو تحسين الأوضاع المعيشية لهم وإنما دراسة وإصدار التشريعات والقوانين، مع العلم أن ليس هناك من تعارض بين تحسين تلك الأوضاع وبين التشريعات التي غالباً ما تمسّ حياة المواطن.

 قد يقول قائل أن الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال لو وفّرت جميع حقوق المواطنين من تعليم واستشفاء وسكن وتوظيف وعملت بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، لمَا برزت ظاهرة نائب الخدمات. ولو أن الحكومات استجابت لشكاوى واحتياجات المواطن لما ذهب إلى النائب ليشكو له همومه واحتياجاته ويطالبه بتقديم الخدمات له.

من هنا تبرز الحاجة لمقاربة هذه المسألة من زاويتين: أولاً تعميق الأصول الدستورية والديمقراطية التي تعتبر النائب مشرّعاً بالأساس وليس مختاراً للحي أو مسؤولاً عن سلطة محلية بلدية، وثانياً معالجة الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل حقيقي وفعال على قاعدة التنمية المتوازنة والبعيدة عن الشعارت والوعود التي لا تتحقق.

دور النائب

إن النائب هو عضو في السلطة الأهم في البلاد، أي السلطة التشريعية. ودوره هو دور تشريعي ورقابي، سواء من خلال المجلس النيابي بكل نوابه أو من خلال تكتل نيابي أو عضو واحد، فالتشريعات بالقوانين تصدر بعد موافقة المجلس عليها، ورقابة أداء الوزراء تخضع للنواب، انطلاقاً من الدور الرقابي الذي كفله الدستور لهم. وما دام هذا الحق التشريعي والرقابي لا أحد ينازع السلطة التشريعية عليه، فإن على النواب أن يكونوا مدركين لمثل هذه المفاهيم والأدوار المنتظرة منهم، وأن يكونوا في مستوى الأمانة والمسؤولية والرسالة التي يحملونها من الشعب الذي أعطى أصواته لهم.

 إن الدستور لا يعطي المجلس النيابي سلطة إصدار القوانين والتشريعات وسلطة الرقابة على سياسة الحكومة وأعمالها فحسب، بل إن للبرلمان اختصاصاً مالياً وقضائياً وانتخابياً.

هذه الإختصاصات لا يقتصر النص عليها في الدستور، بل في ما يُعرف بالنظام الداخلي. فالمجلس النيابي يضع نظامه الداخلي الذي يحتوي على صلاحيات رئيسه، وهيئة مكتبه، وممارسة النواب لصلاحياتهم واستقالاتهم واعتزالهم ولجان المجلس والإقتراحات والمشاريع ونظام الجلسات والمناقشات.إذن فالنظام الداخلي هو عبارة عن القواعد الداخلية التي يلتزم بها أعضاء المجلس النيابي. وطالما أن المجلس قد أقرّ لنفسه قواعد لعمله فلا يسعه تغييرها إلا بالتعديل، وهو الذي أناط به الدستور سلطة التشريع العليا، وذلك تحت طائلة إعطاء المثل السيء في مخالفته للقوانين المرعية. كما يكفل النظام الداخلي لأعضاء المجلس النيابي حرية التعبير عن آرائهم وأفكارهم أياً كانت اتجاهاتهم أو انتماءاتهم السياسية أو الحزبية.

كما تجب الإشارة إلى أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم لخدمة مصالح الشعب، وليس لخدمة مصالحهم الخاصة. من هنا يجب أن يكون الدور والهدف من شغل المنصب النيابي هو خدمة الشعب وليس كسب النفوذ أو الإثراء سواء باستغلال المنصب أو العلاقات الشخصية.

صلاحيات النائب

إن وظيفة النائب الأساسية هي تمثيل الشعب في البرلمان ومنها تظهر صلاحياته المتعددة بالمساهمة في حقل التشريع وفي الرقابة على سياسة الدولة وماليتها، بالإضافة إلى صلاحياته الإنتخابية التي تتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب.

الصلاحية التشريعية

وهي الوظيفة الأساسية التي يمارسها النائب بصفته عضواً في السلطة التشريعية، وتتجلى هذه المهمة من خلال الحق في اقتراح القوانين، ودراسة مشاريع القوانين الواردة إلى المجلس النيابي من قبل الحكومة، والمشاركة في مناقشتها والتصويت عليها.

إن العملية التشريعية التي ينجم عنها سنّ القوانين التي تنظّم حياة المواطنين وعلاقاتهم بعضهم ببعض وعلاقة الحكم بالشعب، تتيح للنائب وبالتالي لمجلس النواب مجتمعاً الإسهام في رسم السياسة الداخلية للبلد فضلاً عن السياسة الخارجية والسعي إلى تنفيذهما.

صلاحية الرقابة البرلمانية

هي أحد أشكال الرقابة السياسية التي تنتهجها السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية (أي تحديداً الحكومة والإدارات التابعة لها) ويمكن تعريفها بأنها “سلطة تقصّي الحقائق من جانب السلطة التشريعية حول أعمال السلطة التنفيذية بغية الكشف عن عدم التطبيق السليم للقواعد العامة في الدولة وتحديد المسؤولية عن ذلك ومساءلة القائمين عليها”.

إن الرقابة البرلمانية تعني مراقبة أعمال الحكومة وتصرفاتها وسياستها العامة الداخلية والخارجية، وعن طريقها يستطيع البرلمان الوقوف على كيفية أداء الجهاز الحكومي لأعماله ومن ثم مدى مشروعيته وكفاءته. وهذه الصلاحية تتمثل بما يسمّى السؤال والإستجواب. فكل نائب يحقّ له توجيه الأسئلة والإستجوابات إلى الحكومة أو إلى أحد أعضائها، بشكل شفهي أو خطي. وتهدف الرقابة إلى إسداء النصح للحكومة لكي تتجنب الأخطاء وإلى تبليغها رغبات المواطنين حتى تعمل على تحقيقها. وهي المهمّة التي يقوم من خلالها عضو البرلمان أو مجموعة من الأعضاء أو المجلس التشريعي عامة بمتابعة آليات العمل في المؤسسسات التي تتبع عادة للسلطة التنفيذية وذلك للتأكد من التزامها بقرارات السلطة التشريعية والدستور والقوانين، ومحاسبتها في حال أي مخالفة.

وتُعدّ الرقابة البرلمانية على النشاط الحكومي من أقوى أنواع الرقابة، حيث تؤدّي إلى الكشف عن التجاوزات والمخالفات التي قد تقع من الإدارات الحكومية المختلفة بهدف دفع الوزراء المختصين إلى التحرّك نحو معالجة قصور أداء الإدارات التابعة لهم.

الصلاحية المالية

هذه الصلاحية هي من أهم الصلاحيات التي يمارسها مجلس النواب لأنها تتناول مالية الدولة العامة من خلال مناقشة الموازنة السنوية العامة والتصويت عليها، بالإضافة إلى فرض الضرائب حيث لا إمكانية لفرض أية ضرائب جديدة إلا بعد موافقة مجلس النواب.

الصلاحية الإنتخابية

وتتجلى هذه الصلاحية في العملية الإنتخابية التي يمارسها النائب سواء في انتخاب اللجان أو هيئة المكتب أو تسمية رئيس الحكومة أو انتخاب رئيس مجلس النواب أو رئيس الجمهورية.

حقوق النائب

لم يفرد النظام الداخلي لمجلس النواب فصلاً خاصاً أو باباً معيناً تحت عنوان حقوق وواجبات النائب. إنما أتت هذه الحقوق في قوانين مختلفة وإن كان يرعاها النظام الداخلي.

ومن أهم الحقوق النيابية التي تضمن استقلالية السلطة التشريعية وعدم تعرّضها للتدخلات والضغوط هو الحق في الحصانة النيابية، حيث أن الحصانة تمنح لكل عضو برلماني الضمانات التي تمنع مساءلته وملاحقته القانونية نتيجة لآرائه أو تصريحاته.

ومن الحقوق المهمة كذلك الحق في عضوية اللجان البرلمانية، التي تقوم بدراسة اقتراحات القوانين ومناقشتها وتعديلها قبل إحالتها على الهيئة العامة للمجلس. كما يجوز لأعضاء مجلس النواب أن يكوّنوا كتلاً برلمانية على أن تلتزم الكتل في ممارساتها لأعمالها بالدستور والقوانين النافذة، وأن تعمل على ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية.

وللنائب، كما لكل من يتولى وظيفة عامة أو عملاً معيناً الحق في أن يستقيل من وظيفته أو من عمله، فله الحق كذلك في الإستقالة من عضويته في البرلمان إذا ما توافرت شروط الإستقالة المنصوص عنها في القانون.

واجبات النائب

 

القاعدة هي أن ما من حق إلا ويقابله واجب. لذا فإن الحقوق المذكورة تقابلها واجبات يتعيّن على النائب تأديتها لكي يستقيم عمله على أكمل وجه. ولعل من أهم الواجبات التي تقع على عاتق كل نائب، بغضّ النظر عن توجهاته السياسية والحزبية، هو واجبه في حضور الجلسات. فهو قبل كل شيء انتُخب من قبل الناس كي يقوم بتمثيل مصالح هؤلاء الناس وتطلعاتهم ضمن الهيئة التشريعية.

 لقد حرصت الأحكام الخاصة بعضوية المجالس النيابية في مختلف الدول على النص على ضرورة انتظام الأعضاء في حضور جلسات المجلس ولجانه المشكّلة به، وتنظيم أحوال التغيّب. كما فرضت واجب المحافظة على النظام داخل المجلس. وترجع أهمية الإنتظام في الحضور والحدّ من تغيّب الأعضاء إلى أمرين:

 1-   صحة انعقاد المجلس النيابي ولجانه، لأنه يشترط تحقق نصاب معين لصحة انعقاد جلسة المجلس أو اجتماع أية لجنة فيه، فضلاً عن اتخاذ القرارات بحضور نصاب معين.

2-   وهو يرتبط بالأمر الأول، إذ أن عدم الحضور من شأنه أن يعطّل المجلس ولجانه عن أداء الأعمال المنوطة به، ويشكّل من ناحية أخرى إهمالاً وإخلالاً من جانب العضو في ممارسة واجبات العضوية. ولذلك تلجأ التشريعات المختلفة إلى النص على توقيع عقوبات معينة- تتدرج في شدتها- على الأعضاء المقصّرين في أداء هذه الواجبات.

 مع الإشارة إلى أنه في بعض الحالات، قد تعطي مشاهد التلفزيون لقاعات البرلمان التي بها العديد من المقاعد الشاغرة في الجلسات العامة إنطباعاً مضللاً، لأنه قد يتغيّب الأعضاء بسبب انشغالهم في أعمال برلمانية مشروعة وأخرى تخصّ دوائرهم الإنتخابية.

وتنظّم أغلب البرلمانات في العالم حضور أعضائها في جلسات اللجان والجلسات العامة من خلال توجيهات دائمة تشترط عادة إخطار رئيس المجلس النيابي بأسباب التغيّب عن الحضور. وقد تشمل عقوبة “التغيّب غير المبرر”:

– نشر إسم العضو في قائمة الحضور والغياب.

– توجيه اللوم الرسمي أو “الدعوة للإنصياع للنظام”.

– خصم جزء من راتب العضو.

– الإيقاف المؤقت.

– سحب التفويض البرلماني.

 ومن الجزاءات الإستثنائية ما تنص عليه اللوائح في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً والتي تفوّض مأمور التنفيذ بالقبض على العضو المذنب ونقله بالقوة إلى المجلس!

 

مع الأسف، فإن واقع الحال في لبنان يشير إلى أن عدداً كبيراً من النواب اذين تعاقبوا على المجالس النيابية لم يمارسوا بدقة ومسؤولية الدور المنوط بهم، وعكفوا على الإهتمام بشؤون الناخبين في مناطق نفوذهم الإنتخابي، توخّياً لنيل رضاهم من أجل تجديد انتخابهم في المستقبل.

والنائب في بلادنا، يُعدّ ملاذاً لفئة من الناس تلجأ إليه لتلبية مطالبها الخاصة والمتشعبة وإن كان بعضها قد يخالف الأنظمة والقوانين السائدة، إعتقاداً من الناخب بأن ممثله يملك عصا سحرية يحقق بها كل شيء. ولعل هذا السلوك النيابي قد أخّر قيام الدولة القوية القادرة التي تحفظ حقوق الجميع دون وساطة والتي تطالب بها جميع الأطراف في الوقت الحاضر.

إن الإرتقاء المرتجى بمفهوم التمثيل النيابي إلى مصافّ الإسهام في الحياة الوطنية العامة وما يترتب عليه من واجبات تتجاوز المصالح الفردية والحزبية والطائفية إلى المصلحة العامة للدولة، يجعل النائب جزءاً من الحكم المسؤول الذي يحصّن الدولة بالعدالة والمساواة ويحقق التنمية والسيادة والشفافية، ويترتب على ذلك تطوير مفاهيم الدولة والمواطنية وإخراج الولاءات من المصالح الذاتية الضيقة إلى رحابة الإنتماء الوطني العام.

العنف المدرسي: ظاهرة متعددة الأسباب والوجوه

“الولد ما بيفهم إلا بالضرب”؟!

العنف المدرسي: ظاهرة متعددة الأسباب والوجوه

في زمن يتربص العنف بمعظم معالم الحياة ووجوهها ليتحول فعله بحد ذاته إلى أمر طبيعي، فإما أن ينتقل هذا الفعل ليمارَس بحق أطفال في البيوت والشوارع أو ليصل إلى صروح تعليمية مؤتمنة على تنمية شخصية التلميذ النفسية كما الفكرية حيث يكرّس كمفهوم تربوي، فهذا أمر خارج عن القوانين والأعراف.

Main Pic3

قد يبدو الحديث عن مثل هذه المسائل في زمن المناهج الحديثة التي حملت التلميذ من موقع المتلقي إلى المشارك في العملية التعليمية غريباً، إلا أن الواقع الذي تسجله الجمعيات الناشطة في مجال حقوق الأطفال في لبنان يكشف عن ارتفاع في نسبة العنف الذي ما زالت بعض المدارس تعتمده وسيلة للتأديب من الجسدي إلى الكلامي أو المعنوي، في ظل غياب الوعي التام للأهل الذين يعتبرون أن ما يقوم به المعلم هو حق من حقوقه كونه الأعلم بمصلحة التلميذ وصلاحه.

يعيق العنف في المدارس قابلية المدرسة لتحقيق أهدافها وغاياتها، ألا وهي تربية الأطفال وتأهيلهم لتنمية قدراتهم وتطوير إمكانياتهم في بيئة سليمة آمنة. غير أن إحدى الدراسات الميدانية التي أجريت في إطار الإعداد لنيل إجازة في الإشراف الصحي والإجتماعي من الجامعة اللبنانية كلية الصحة العامة، على عينة من 16 مدرسة و180 تلميذاً و71 مدرّساً و16 مديراً، أظهرت أن 54 في المائة من التلاميذ تعرضوا للعقاب الجسدي و16 بالمائة منهم لأكثر من عشر مرات، فيما اعترف نحو 32% من المدرسين بمعاقبة التلميذ و72% من المديرين أكدّوا ذلك خصوصاً وأن نسبة كبيرة من الأهل تتجاوز الـ44% تعطي المعلم الصلاحيات الكاملة لتأديب الولد.

وعلى الرغم من انتشار الخطوط الساخنة للتبليغ عن أي انتهاك يتعرّض له الأطفال سواء من قبل الجهات الرسمية المعنية بالموضوع أو الجمعيات الأهلية، وعلى الرغم من تفاعل البرامج التثقيفية التي تعتمدها هذه المؤسسات إلا أن نسب الحالات المعنّفة ما زالت مرتفعة، مع العلم أنه يبقى الكثير منها خفياً بسبب عدم معرفة التلاميذ بحقوقهم أو بسبب خوفهم من البوح بما يتعرضون له. وفيما يأخذ المتابعون على القوانين والأنظمة الداخلية للمدارس حصر العنف في نصوص عامة من دون التطرق إلى العقوبات التي قد تلحق بالشخص الذي ارتكب العنف مطالبين بمنح الجمعيات صفة الإدعاء الشخصي في حال انتهاك حق طفل ما، يرى بعضهم أن المشكلة تكمن في عدم نشر هذه القوانين ليتعرّف الأطفال على حقوقهم وعدم تنفيذ الرقابة في المدارس من قبل جهاز الإشراف والتوجيه التربوي في وزارة التربية للحدّ من تفاقم هذا الوباء.

“الولد ما بيفهم إلا بالضرب، بعدو زغير ما بيفهم، الولد بيربى لوحدو” عبارات تتردد على ألسنة الأهل لتصبح جزءاً من التربية التي يعتمدونها تجاه أطفالهم الذين ينشأون على سماعها غافلين عن الآثار التي تتركها في مستقبل الطفل وتنمية شخصيته لما فيها من عنف معنوي أشد وقعاً من العنف الجسدي الذي ينتهي في أحيان كثيرة إلى الوفاة أو الإعاقة الدائمة. وكما في البيت كذلك في المدارس التي ما زالت في كثير منها تعتمد العقوبة أو الضرب أسلوباً تأديبياً من دون الإكتراث إلى مفاعيله التي تبدأ بكره الاطفال للمدارس والتعلم ولا تنتهي بالرسوب أو التسرب المدرسي وفي النهاية الفشل والضياع. والقصص في ذلك كثيرة من نيللي، إبنة الستة عشر ربيعاً التي تركت المدرسة بعد توبيخها من معلمها البالغ من العمر خمسة وأربعون عاماً والذي مارس عليها التهديد بالطرد فكانت النتيجة رسوبها وعدم تمكنها من إنهاء سنتها الدراسية، إلى أحمد إبن الثمانية من عمره الذي تعرّض للاعتداء من قبل مدرّسه الذي أبرحه ضرباً ترك آثاراً في جسده لأنه كان يتكلم وزميله أثناء الشرح وغيرهما من القصص والحالات التي تبقى مكتومة لعدم جرأة التلميذ التحدث عنها نتيجة ممارسة التهديد والعنف عليه أو لعدم وعيه إلى حقوقه وعدم إلمامه بها.

 3rd Pic

أشكال العنف المدرسي وأسبابه

 

هنا نطرح التساؤل: ما هي أشكال العنف المدرسي الممارس من المعلم على التلميذ؟ وما هي الأسباب التي تؤدي بالأستاذ أو المعلمة إلى ممارسة العنف ضد التلاميذ؟

بالنسبة لأشكال العنف الممارس فثمة ثلاثة أنواع:

– العنف الجسدي، كالضرب، الصفع، شد الشعر، الدفع، القرص…

– العنف النفسي أو المعنوي مثل الإهانة، الإذلال، السخرية من التلميذ أمام الرفاق، نعته بصفات مؤذية، احتجازه في الصف، القساوة في التخاطب معه، إنتقاده باستمرار، التمييز بين طفل وآخر، البرودة العاطفية في التعاطي معه، عدم إحترامه، عدم تقدير جهوده…

– العنف الجنسي، ويتدرج من استعمال كلمات ذات دلالة جنسية، إلى الملامسة الشاذة لبعض أجزاء أو أعضاء جسم التلميذ وصولاً إلى التحرش.

ولا تقتصر مظاهر العنف المدرسي على ما سبق ذكره فقط، بل إنها قد تشمل حتى ظاهرة الأبنية غير الملائمة والملاعب والصفوف التي لا تتمتع بالمواصفات المناسبة، وطريقة إجراء الإمتحانات، والوسائل التعليمية، والخدمات المدرسية، ووزن الحقيبة المدرسية.

أما عن الأسباب التي تدفع بالمعلم إلى ممارسة العنف فترجع إلى عدم معرفته بقواعد النمو السليم وبحاجات التلاميذ وإمكاناتهم، أو وجود إدراك خاطئ لديه عن قدرات طلابه وإمكاناتهم ما يجعله يفسر معارضتهم لأوامره على أنها إشارة نبذ، يردّ عليها بالعدوان. يضاف إلى ذلك وجود الإحباط في سيرة المعلم أو تعرّضه في طفولته إلى شكل من أشكال العنف أو إلى مشاهدة العنف في أجوائه الأسرية.

بين حقوق الطفل والعقاب المدرسي

على الرغم من توقيع لبنان على إتفاقية حقوق الطفل في العام 1990، إلا أن العقاب الجسدي في بعض المدارس اللبنانية لا يزال مسموحاً به قانوناً وإن كانت ممارسته محظّرة إدارياً في الرسمية منها، أما في الخاصة فقد عمد بعضها إلى إدخال أنظمة مناهضة للعقوبات الجسدية في أنظمته من خلال اعتماد تدابير بديلة كإقامة بحث أو تقديم شرح للدرس، فيما ما زال بعضها الآخر يفتقر إلى هذه الخطوة.

ويلاحظ المتابعون أن العنف ما زال يُعمل به في كثير من المدارس في لبنان التي ما زالت تعتمد أسلوب التلقين، علماً أن خطة النهوض التربوي للعام 1996 أشارت منذ ذلك الوقت إلى وجوب إدخال إختصاصيين إجتماعيين في المدارس الرسمية واعتمدت توجيه الطريقة التعليمية نحو المشاركة، إلا أن ذلك لم يطبّق بالكامل. هذا وتكثر أخبار الممارسات العنفية في المدارس بدءاً من العنف الجسدي كالركوع والوقوف طويلاً والضرب المبرّح الذي قد يؤدي أحياناً إلى حدوث إعاقات، إلى العنف المعنوي سيما الكلامي منه والذي لا يقل إيلاماً وخطورة.

ولا يزال التعاطي مع العقاب الجسدي في المدرسة دون الوعي المطلوب إذ أن المفاهيم السائدة سواء عند الأهل أو في المدارس تجيزه في التربية لا بل تعتبره وجهاً طبيعياً من وجوهها من دون الاكتراث لآثاره السلبية التي قد تترك بصماتها في مستقبل الطفل المعنف، والتي قد تبدأ بالإحباط والرسوب والتسرب أو حتى التمرد ولا تنتهي بالانكماش والانطواء والتلعثم وضعف الذاكرة وسوء التركيز.

 2nd Pic (a)

العنف في القانون

 

يتخذ العنف ضد الأطفال وفقاً للقانون أشكالاً مختلفة تؤدي جميعها إلى الإساءة للطفل والأذية الدائمة ما يلحق به الضرر الجسدي، والمادي، والعاطفي، والنفسي والمعنوي. ويؤمّن قانون العقوبات الحماية القانونية لحقوق الطفل بما يفرض من عقوبات رادعة على كل من يعتدي على الأطفال. وتحث الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل في المادة 19 منها الدول الأطراف على اتخاذ “جميع التدابير التشريعية والإدارية والإجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من أشكال العنف والضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو الإهمال أو المعاملة المنطوية على الاستغلال بما في ذلك الإساءة الجنسية”.

الجدير بالذكر هنا هو عدم وجود نصوص قانونية تردع بشكل صريح ظاهرة العنف ضد التلاميذ في المدارس والنصوص الموجودة في قانون العقوبات هي قوانين رادعة للأذى الذي يلحقه أي شخص بآخر من دون أية إشارة إلى العنف على الأطفال بما فيه العنف المدرسي. بل إننا نجد على العكس بعض القوانين التي تكرّس التفكير الإجتماعي السائد والتي تكرّس سلطة الأب والمعلم ولا تضع أية حدود فاصلة بين تأديب الولد وبين تعنيفه. فنص المادة 186 من قانون العقوبات يقول “لا يُعد جريمة الفعل الذي يجيزُه القانون. ويجيز القانون ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام”.

الإجراءات الواجبة للحماية

من أبرز الإجراءات التي يجب اتخاذها للحماية من العنف المدرسي هي:

– إعداد مسح شامل لظاهرة العنف المدرسي لتحديد حجمه.

– صياغة فلسفة تربوية جديدة تلغي العقاب المدرسي الجسدي.

– ‏- التعرف على الحاجات النفسية والإجتماعية الأساسية للطلاب وإشباعها ‏بالأساليب والبرامج التربوية المناسبة.‏

– تأهيل المعلمين وتفعيل تدريبهم.

– الإهتمام بالأنشطة اللاصفية وإشراك الطالب في إعدادها وتنفيذها.‏

– إلغاء قوانين واستحداث أخرى جديدة رادعة للعنف المدرسي.

– تشديد الدولة على آلية تنفيذ هذه القوانين.

– إنشاء محاكم مختصة في قضايا الأطفال.

– إنشاء هيئة وطنية للشكاوى وخط ساخن لمكافحة العنف على الأطفال.

– مراقبة الدولة لتطبيق إتفاقية حقوق الطفل ومراقبة آلية تنفيذها.

– إلزام المدارس بأن تلحق بجهازها البشري إختصاصيات إجتماعيات مؤهلات لتقصي العنف ومختلف المشاكل التي يتعرّض لها التلاميذ والمشاركة بإيجاد حلول لها.

منال الصايغ

تدمير التراث يهـدد بالقضـاء على الهوية اللبنانية

Main Pic4
السيّارات مركونة في صف متاخم لأبنية مبنية على الطرازين الفرنسي والعثماني في ساحة الشهداء في بيروت. يحيط خط “ترام” بالساحة، ويسير الناس على طول رصيف جادة “فوش”. هكذا كان يبدو وسط بيروت خلال العقود الأولى من القرن الأخير. واليوم لم يبقَ منه سوى صور قديمة.

“يحبس جدّي دمعته كلما مرّ بما كان يُعرف بساحة الشهداء والأسواق المتاخمة لها”، تقول باسكال إنجيا، من جمعية حماية التراث اللبنانية (APLH). شهدت فترة ما بعد الحرب في لبنان دمار معظم الأبنية التي جعلت لبنان باريس الشرق الأوسط. “هذا يقتل هويّتنا”، تضيف قائلة.

خلال التسعينات، وضعت وزارة الثقافة قائمة بالمعالم التاريخية في البلد. وضمّت إليها المديرية العامة للآثار نحو 1600 مبنى في بيروت، معظمها تعود للحقبة العثمانية أو لأيام الإنتداب الفرنسي.

مع بداية هذا العام، يكون قد جرى تدمير 80 في المائة من الأبنية الموضوعة على القائمة، يقول ممثلون لجمعية التراث اللبنانية APLH، وجمعية “أنقذوا تراث بيروت”. هناك عدّة أسباب للدمار الشامل للأبنية التراثية، غير أنّ الجمعيّتين تذكران “تخلّف” الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن تطبيق قانون التراث، بالإضافة إلى النقص بالاهتمام، وعدم وجود قانون لضبط عمليات البناء. وتلحظ الجمعيتان أنّ ميزانية مديرية الآثار العامة البالغة نحو 3 مليون دولار تمثّل أقل من نسبة 0.02% من الإنفاق الحكومي السنوي.

مشكلة أخرى هي قانون الإيجار القديم في لبنان الذي يعود إلى أوائل التسعينات، والذي ينص على أنّ الأشخاص الذين وقّعوا عقد “إيجار” قبل إقرار القانون تبقى قيمة إيجارهم ثابتة على تلك النسبة. حيث لا يستطيع المالكون زيادة الإيجار أو طرد المستأجرين. “لا يسمح قانون الإيجار القديم للمالكين بالمطالبة بحقوقهم، طالما أنّ المستأجر على قيد الحياة ويؤسس عائلة ليعيش معها إلى ما لا نهاية، في مقابل دفعهم إيجاراً زهيداً جداً للحفاظ على المنزل بهيئة جيّدة”، تشرح باسكال. وتقول إنّه يوجد حالات حيث العائلات تستأجر شقة بـ 300$ في السنة، والمالك اضطّر إلى بيع المنزل فقط لكي يحصل على المال اللازم لكي يعيش.

3rd Pic (b)

إحدى نتائج تدمير المباني التراثية في البلد هي تأثير ذلك على أحد أهم الموارد الإقتصادية في الإقتصاد اللبناني، ألا وهي السياحة. “عندما نخسر أحياءنا التراثية لصالح تشييد مراكز تجارية كبيرة، وأبنية حديثة، ومواقف للسيارات، وأسواق للتسوّق، نكون كأنّنا نعرّي لبنان من طابعه التقليدي والسياحي”، تقول إنجيا. وتضيف: “إن سياسة النمو المُدُني هذه مفيدة من الناحية الإقتصادية بالنسبة لأصحاب المشاريع، ولكن على المديين القصير والطويل، الشعب اللبناني هو الخاسر الأكبر”.

“إنّنا نقوم بنسخ نموذج خاطئ، عن مدن الخليج، بينما كان علينا أن نستوحي من بلدان البحر المتوسط”، يقول جورج زيون، الذي عمل في الأونيسكو سنواتٍ عديدة وساعد على إعادة مقرّها الرئيسي إلى لبنان.

لا يزال في بيروت أبنية قديمة تذكّر سكّانها بما كانت عليه المدينة. “عندما أتجوّل في مدينتي الجديدة، أجد جواهر صغيرة مثل قصر سرسق”، تقول جوانا حمور، التي انتقلت إلى لبنان قبل أربع سنوات. فقد غادرت حمّور، 30 عاماً، لبنان إلى باريس مع عائلتها بعد ولادتها بفترة قصيرة. “كنتُ أسمع عن جمال بيروت، ولكن عندما انتقلتُ للعيش فيها، لم أجد ما سمعتُه مطابقاً للواقع”.

إذا كان تراث بيروت عانى بسبب حيويّتها الإقتصادية، فإنّ مدناً أخرى مثل صيدا وجبيل استفادتا من مراكزهما التاريخية. فسوق صيدا ومرفأ جبيل يشكّلان واحتين صغيرتين على الساحل المكتظ.

4th pic

بدورها، تكافح طرابلس أيضاً من أجل الحفاظ على مبانيها التراثية. فللمدينة نحو 150 معلماً أثرياً على لائحة المديرية العامة للآثار. “معظمها غير مُصانة ومهدّدة بالانهيار”، يشرح الياس خلاط، الذي أطلق الحملة الوطنية للحفاظ على ساحة التل، التي تعمل من أجل الحفاظ على ساحة طرابلس التاريخية. ويقول خلاط إنّه يوجد 150 مبنى آخر غير مدرج على القائمة، ويحتاج إلى حماية بأسرع وقت ممكن. ومن الأمثلة الحديثة على تدمير معلم أثري، نذكر مسرح الإنجا، الذي جرى هدمه بعد أن حصل صاحبه، النائب محمد كبارة، على تصريح للقيام بذلك.

هذا وصدم هدم الآثار التاريخية في مينا الحصن في وسط بيروت العديد من اللبنانيين في حزيران الماضي. وقامت الجرّافات بمحو أي أثر للآثار بعد أن منحت وزارة الثقافة تصريحاً بالبناء لشركة Venus العقارية، التي ستقوم بتشييد ثلاثة أبراج سكنية فاخرة. الأمر الذي دفع هشام الصايغ، أحد علماء الآثار في المديرية العامة للآثار، إلى إعلان استقالته بعد يوم على الهدم، متهماً وزير الثقافة غابي ليّون بالسماح به. وفي رسالة استقالته، قال الصايغ إنه تلقّى عروضات بالدفع له من قبل شركة Venus العقارية.

بالإضافة إلى ذلك، جرى في كانون الثاني الماضي هدم المنزل الذي يملكه الكاتب الشهير أمين معلوف. فبعد أن قال وزير الثقافة ليّون العام الماضي أنه لن يسمح بهدم المنزل، ما لبث عقب بضعة أشهر أن منح مالكيه إذناً بالهدم. وقد اتهّم ليّون نفسه الدولة اللبنانية بأنها غير مهتمة بالحفاظ على تراث البلد بعد هدم منزل معلوف!

مع ذلك فإنّ الناشطين العاملين من أجل المحافظة على الأبنية التاريخية في لبنان غير متشائمين. إذ يمكن أن تتغيّر عقلية الشعب اللبناني وسياسييه “إذا كنّا مصمّمين ولدينا توجّهات موحّدة”، تقول إنجيا.

البلادة وعدم الإكتراث هما أعداء الحفاظ على المنازل التراثية، وكذلك الجشع. والناشطون يشجّعون اللبنانيين على المشاركة معهم  بأي طريقة يقدرون عليها، لكي يحافظوا على ما تبقّى من آثار النمط المعماري البيروتي الذي كان فيما مضى مقدّراً جداً.

بقلم: نيكولاس لوبو

صحافي إسباني مقيم في بيروت

طرابلس في عهدة الشرعية.. أو “الإمارات”؟

ac

لم يعد الفلتان الأمني في طرابلس يقتصر على المحاور التقليدية الساخنة، بل أن ثمة جهات تسعى لتحويل المدينة الى مجموعة من البؤر الأمنية التي تسيء إليها وتشوّه صورتها، بإظهارها بأنها خارجة عن القانون.
ولم تعد مهمة الجيش اللبناني تقتصر على الانتشار بكثافة في التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن، لضبط خطوط التماس، بل أصبحت تطال كل أرجاء المدينة التي بدأت تخضع لسلاح قوى الأمر الواقع من جهات سياسية، أحزاب، حركات إسلامية وسلفية… وأجنحة عسكرية للعائلات.
ويبدو أن المجموعات المسلّحة لم تكتف بالتمرد على القيادات السياسية فحسب، بل بدأت بالخروج عن مفهوم إطار الدولة، فترجمت ذلك بالظهور المسلح العلني في كل المناسبات، وبإطلاق رصاص الفرح والحزن على حد سواء، وبالاشتباكات الموضعية في المناطق الشعبية، وتغطية المخالفات، لا سيما أصحاب البسطات، مقابل دفع الخوات، وقطع الطرقات أمام المواطنين، وصولا الى مواجهة القوى الأمنية عند قيامها بتوقيف أي مخل بالأمن، واستسهال إطلاق النار على الجيش.
ويتزامن ذلك مع إمعان جهات سياسية ودينية في استهداف الجيش اللبناني واتهامه بالانحياز، مما يشجّع المجموعات المسلحة على تحدّيه، متحصنين ببعض الشعارات المذهبية التي باتت تستخدم لتبرير أبسط المخالفات.
كل ذلك، يجعل السباق مستمرا بين محاولات تفجير الوضع الأمني في كل أرجاء المدينة، وبين من يحاول إعادة دورة الحياة والنشاط الاقتصادي في طرابلس من خلال بعض الأنشطة، لا سيما عشية شهر رمضان المبارك الذي تشكل فيه الفيحاء عامل جذب لكثير من الزوار، وهذا يحتاج إلى التفاف مكونات المدينة حول المؤسسة العسكرية لإعطائها الغطاء الشعبي الكبير، فعلا وليس قولا، الى جانب الغطاء السياسي، لمواجهة البؤر الأمنية التي تتمدد يوميا وتهدد أمن المدينة. وإلا فإن طرابلس أمام خيارين: اما أن تكون في عهدة الشرعية، أو تحت رحمة «إمارات المسلحين»… وعلى أبناء المدينة أن يختاروا.

حادثة أبي سمراء

وكان أمن طرابلس اهتز مجددا أمس من خاصرة أبي سمراء، وذلك على خلفية قيام الجيش اللبناني بتوقيف زياد حسون على أحد الحواجز في الكورة بعدما ضبط معه سلاحا حربيا.
وعلى الفور وكالعادة التي باتت متبعة في كل المناطق، نزل عدد من أفراد عائلة حسون الى الشارع بسلاحهم الكامل، وقطعوا طريق أبي سمراء ـ مجدليا، وبعض الطرقات في أبي سمراء وأطلقوا النار في الهواء.
وذكرت معلومات أمنية أن أفرادا من العائلة أقدموا على إطلاق النار باتجاه آليات الجيش المتوقفة قرب مستوصف الغوث كرد فعل على توقيف قريبهم، فردت العناصر على مصادر النيران وأصابت سامي حسون الذي نقل الى المستشفى وهو في حالة حرجة جدا. و جرى تبادل لاطلاق النار بين أفراد من العائلة والجيش اللبناني الذي استقدم تعزيزات إضافية وضرب طوقا أمنيا حول المنطقة، في حين تسارعت الاتصالات لاحتواء الوضع وتهدئة الأجواء، بعد أن عم الشلل المنطقة باقفال المحلات والمؤسسات التجارية.
وكانت القوى الأمنية تعرضت لاطلاق نار يوم أمس الأول خلال قيامها بازالة عدد من البسطات المخالفة في مستديرة أبو علي من قبل مسلحين مقنعين، وقد رد الجيش اللبناني على مصادر النيران.
في غضون ذلك، تستمر المساعي السياسية والمدنية في طرابلس من أجل تحصين التهدئة وتحويلها الى إاستقرار تام قبل حلول شهر رمضان المبارك.
وفي هذا الاطار، أجرى «اللقاء الوطني الاسلامي» الذي انعقد في منزل النائب محمد كبارة تقييما للأوضاع الأمنية، ورأى في بيان له أن الاجراءات المتخذة إيجابية، وقد تبين ان التعاون المثمر بين كل الاجهزة الامنية ومعالجتها كل الامور بعقلانية وتوازن اضافة الى تجاوب جميع الافرقاء ادى الى الامساك جيدا بالوضع الامني. وأشار المجتمعون الى تفلت بعض الافراد وعدم انضباطهم بحيث يعتدون على القانون في المدينة ويتسببون بفوضى مرفوضة دون ان ينالوا اي عقاب. وأكّد اللقاء عدم تغطية اي مخل بالأمن او اي خارج عن القانون، ولفت نظر قيادة الجيش والقوى الامنية الى ان استمرار العبث الأمني من قبل هؤلاء سيهدد الخطة الامنية من اساسها ويهدد المدينة وبالتالي فان ذلك سينعكس سلباً على الناس وارزاقهم لاسيما عشية شهر رمضان المبارك. وعقدت رابطة الجامعيين اجتماعا شددت فيه على ضرورة «أن تتحمل الدولة مسؤولياتها تجاه طرابلس.
كما عقد ملتقى تجار الأسواق الداخلية اجتماعا دعا فيه المسؤولين والمجتمع المدني والهيئات الاقتصادية والتجارية في طرابلس الى دعم الجيش اللبناني.

بقلم عسان ريفي – نقلاً عن جريدة السفير عدد 21 حزيران 2013

بالعودة إلى مشروع اللقاء الأورثوذكسي…

تكريس للكانتونات الطائفية

على حساب المساواة والمواطنية

 

في مرحلة صعبة يمر بها لبنان والمنطقة، وفي وقت يُفترض فيه أن يتم تحصين الوطن ضد أخطار التجزئة والتقسيم وأن نسعى إلى إلى تمتين أواصر الوحدة الوطنية وبناء الدولة الحاضنة لجميع مكونات الشعب ونشر ثقافة المواطنية وحس الإنتماء إلى الوطن أولاً قبل الطائفة، نجد أن بعض القوى السياسية في لبنان قد عملت على طرح وإقرار مشروع قانون إنتخابي يقوم على مبدأ انتخاب كل طائفة لنوابها مما يدفع البلاد إلى مزيد من الاصطفافات المذهبية والسياسية ويقضي على أي جهد لبناء دولة مدنية حديثة قائمة على مبادئ المواطنية والديمقراطية والحرية، ونعني به ما أصبح يُعرف بـ “قانون اللقاء الأورثوذكسي”.

 Main Pic

تركت التجاذبات والمناورات التي أحاطت ولا تزال بتحديد طبيعة القانون الإنتخابي آثاراً سلبية بعيدة الأجل، بغضّ النظر عن موقع الأطراف السياسية من السلطة، على مستقبل الدولة اللبنانية ومآل النظام الطائفي، وانعكاس كل ذلك على حقوق المواطن ومبدأ المساواة.

لكن على الرغم من سيطرة القانون الأرثوذكسي على معظم النقاشات السياسية في الأشهر الأخيرة، إلا أنه قد جرى طرح عدد من المشاريع الإنتخابية للمناقشة في “البازار” السياسي، منها:

– قانون 1960العام الذي يحافظ على صيغة الإنتماء الطائفي والاستنسابية في تقطيع الدوائر الإنتخابية ويعتمد مبدأ الفوز بالأكثرية.

– قانون الإنتخابات على أساس النظام النسبي الذي يعطي لكل مجموعة سياسية عدداً من المقاعد في المجلس النيابي بما يوازي حجمها التمثيلي، وهو أكثر الإقتراحات التي لاقت اعتراضاً من قبل الطبقة السياسية الحاكمة.

– القانون المختلط الذي يقوم على الجمع بين النظامين الأكثري والنسبي، أو التوفيق بينهما بحيث يُعتمد كل منهما في عدد من الدوائر، ما يؤدي إلى زيادة تمثيل الأحزاب الكبيرة على حساب الأحزاب الصغيرة.

– وطبعاً قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي ينص على أنه “يتم انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها على أساس النظام النسبي ويعتبر لبنان دائرة انتخابية واحدة”.

لكل من مشاريع القوانين المذكورة حيثياته وحججه بالنسبة للأطراف المؤيدة أو المعارضة له، مع العلم أن كل تلك المشاريع تتسم بالنظرة “المصلحجية” السياسية الضيقة، وتغيب عنها هموم المواطنين.

لكن على الرغم من سلبيات القوانين المقترحة إذا ما تم تناولها من زاوية المساواة بين المواطنين، إذ أنها تؤدي إلى حشر المواطن في الزوايا والزواريب السياسية المذهبية الضيقة، فإن القانون الأورثوذكسي يبقى بلا شك الأكثر سوءاً على الإطلاق حيث يُفضي إلى شرذمة الوطن وتعميق الطائفية وتبعية المواطن، بحجّة إنصاف الطوائف!

2nd Pic

القانون الأورثوذكسي مخالف للدستور

يقوم البنيان الأساسي لمشروع القانون الأورثوذكسي على مادته الثانية التي تنص على أنه:

أ- يحدّد عدد المقاعد النيابية وتوزيعها على الطوائف والمناطق بحسب الجدول المرفق بالقانون رقم 25/2008 ويتم الترشيح لهذه المقاعد على أساسه…

ب- يتم انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها على أساس النظام النسبي ويُعتبر لبنان دائرة إنتخابية واحدة…

ج- يقترع الناخبون لمرشحين من طائفتهم فقط، أما الناخبون المسيحيون الذين ينتمون إلى طوائف الأقليات فيقترعون إلى مرشحي الأقليات وأما الناخبون المسلمون الذين ينتمون إلى طوائف الأقليات غير المخصص لها أي مقعد في المجلس النيابي فيكون لكل منهم الحق في الاقتراع لمن يختارونهم من المرشحين المسلمين إلى أي طائفة انتموا. وأما الناخبون اليهود فيكون لهم الحق في الاقتراع لمن يختارونهم من المرشحين المسلمين أو المسيحيين.

وقد ثارت التساؤلات حول مدى دستورية أو عدم دستورية المشروع المذكور باعتباره يقوم على صيغة حصر انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها، مع ما تتضمنه من منع الناخبين التابعين لطائفة معينة من الاقتراع لمرشحين من غير طائفتهم.

نصت الفقرة (ج) من مقدمة الدستور اللبناني على أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل. كما شددت الفقرة (ح) على أن إلغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه “وفق خطة مرحلية”.

كما أن المادة 7 من الدستور قد نصت على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم.”

وأشارت المادة 24 إلى ضرورة أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، مع توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ونسبياً بين طوائف كل من الفئتين، ونسبياً بين المناطق. أما المادة 27 من الدستورفقد نصت تنص على أن “عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه”.

وبإسقاط النصوص الدستورية السالفة الذكر على مشروع القانون موضوع البحث يمكن استخلاص النتائج التالية:

– إن مشروع قانون اللقاء الأورثوذكسي، وباعتباره يقوم على صيغة حصر انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها، مع ما تتضمنه من منع الناخبين التابعين لطائفة معينة من الاقتراع لمرشحين من غير طائفتهم، من شأنه ان يخالف البند (ج) من مقدمة الدستور لكون مشروع القانون من شأنه الإخلال بالمساواة في الحقوق السياسية بين المواطنين اللبنانين، والتمييز والتفضيل فيما بينهم على أساس الطائفة والمذهب الذي ينتمون اليه، باعتباره يحرم الناخبين من الاقتراع للمرشحين من غير طائفتهم وباعتباره يحرم المرشحين بداية والنواب نهاية، من تمثيل الناخبين غير التابعين لطائفتهم.

– كما أنه يخالف البند “ح” من مقدمة الدستور على اعتبار أنه يقوّض صراحة البند المذكور، الذي دعا إلى إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.

– وهو يخالف المادة السابعة من الدستور لكونه يقوم على صيغة حصر انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها مع ما تتضمنه من منع الناخبين التابعين لطائفة معينة من الاقتراع لمرشحين من غير طائفتهم. وبالتالي لن يكون اللبنانيون سواء أمام القانون في ممارستهم لحقوقهم السياسية عامةً وفي ممارستهم لحقّ الإنتخاب خاصةً، بل ستقتصر المساواة فيما بين أبناء الطائفة الواحدة بحيث يقيّد حق الإنتخاب على انتخاب المرشح من نفس الطائفة، الأمر الذي يتضمن إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون والنص الدستوري الذي جاء فيه أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية”.

– كما أن مشروع اللقاء الأورثوذكسي ومن حيث أنه يقوم على صيغة حصر انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها مع ما تتضمنه من منع الناخبين التابعين لطائفة معينة من الاقتراع لمرشحين من غير طائفتهم، من شأنه أن يخالف المادة 24 من الدستور التي جاء فيها ” يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفقاً لقوانين الانتخاب المرعية الاجراء، وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي”. والواقع أن تفسير عبارة “وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي” تعني أن القيد الطائفي إنما يتعلق فقط وحصراً بتوزيع المقاعد النيابية بين الطوائف وليس بانتخاب النواب من قبل الطوائف.

– كما أن مخالفة الدستور تقع من خلال التعارض مع المادة 27 التي تنص على أن “عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه”. لذا فإن انتخاب النائب من قبل طائفته فقط، يفقده تمثيله للأمة ويخالف بوضوح المادة الدستورية المذكورة، إضافة إلى أنه يساهم في “قوننة الطائفية والمذهبية” وتحويل لبنان إلى كنتونات طائفية شرعية!

وزيادة على كل ذلك، فالدستور نصّ على أن “الدائرة الإنتخابية هي المحافظة”. الأمر الذي يتضمن اعتبار جميع الناخبين المنتمين لكل محافظة من المحافظات على اختلاف انتماءاتهم الطائفية هيئة ناخبة فيما خص المرشحين عن هذه المحافظة وبصرف النظر عن الإنتماء الطائفي لهؤلاء المرشحين. وحيث أن مصطلح المحافظة وعلى سبيل الجدل القانوني قد يقبل تضييقاً أو توسيعاً لنطاقه الجغرافي مع الإبقاء على التكوين الديموغرافي الطبيعي للناخبين، إلا أنه لا يكون مقبولاً وفقا لروحية الدستور أن يطال التعديل على مصطلح المحافظة كتقسيم إداري، تعديلاً على مستوى مكونات الناخبين المنتمين لتلك المحافظة على أساس الإنتماء المذهبي والطائفي، أي أن يتناول التعديل التكوين الديموغرافي للناخبين في المحافظة.

 

العواقب المحتملة لقانون اللقاء الأورثوذكسي

 

قد تكون النتيجة المنطقية لاعتماد قانون اللقاء الأورثوذكسي اصطدام أي تحرك شعبي للمطالبة باعتماد نظام تغطية صحية لجميع المواطنين مثلاً، بحائط الفرز الطائفي الإجتماعي الذي يعززه تنامي سلطة المؤسسات الطوائفية على حساب مؤسسات الدولة المدنية. كما أنه من شأن تعزيز الهاجس الطائفي أن يطيح بأي فرصة لتعديل قانون الجنسية أو مساواة النساء بالرجال بحجة اختلال التوازن الديموغرافي الطائفي.

ولا يسهو عن بالنا أيضاً بأن العديد من اللبنانيين لا يشعرون بالانتماء إلى طائفتهم أو إلى طائفة أخرى، وهو بالتالي يفرض عليهم بشكل قسري هوية لم تكن لهم حرية القبول بها أو رفضها ما يخالف المبادئ الدستورية العامة. هذا فضلاً على أن القانون يسمح لليهود بالاختيار بين المرشحين المسلمين والمسيحيين بينما يمنع هذه الحرية على سائر الطوائف المسيحية والمسلمة!

كما أن مشروع القانون في حال اعتماده يوماً ما، سيقوض بشكل كبير أي أمل بإحقاق دولة المواطنة والحقوق الإجتماعية في لبنان بتغليبه هدف تأمين المساواة بين الطوائف وإزالة الغبن عنها على حساب حقوق الأفراد وإحقاق المساواة في القوانين بينهم.

 إننا وإذ نشدّد على الاستمرار في المطالبة بدولة المواطنة وبتكريس حقوق المواطنين والمواطنات في المساواة والحقوق الإجتماعية، نرى أن مجرد طرح مشروع مثل قانون اللقاء الأورثوذكسي هو خطوة خطيرة إلى الوراء. وحيث أن إمكانية تجاوز النظام الطائفي، المولّد المستمر للأزمات والذي ثبت إفلاسه عند كل استحقاق سياسي يتعلق بمصير البلد واستقراره، لا تزال قائمة إلا أن القدرة على اقتناص هذه الإمكانية تبقى رهن إرادات المعنيين بإعادة بناء دولة مدنية ديمقراطية في لبنان تساوي سياسياً وقانونياً بين مواطنيها، رجالاً ونساءً، وتلعب دورها في التنمية الإقتصادية والإجتماعية.