دور النائب بين الواقع والمرتجى

البرلمان
يربط المواطنون، وهم على حق، بين النائب في البرلمان وبين تقديم الخدمات لهم وتحقيق مطالبهم التي لا تقتصر فقط على المطالب الحياتية اليومية وإنما كذلك على ضمان مستقبلهم المتمثل في تغيير أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية.

ولكن بالرغم من أهمية هذا الدور للنائب في بلد في طور النمو كلبنان، إلا أن وظيفة النائب الأساسية ليست توفير الخدمات للناس أو تحسين الأوضاع المعيشية لهم وإنما دراسة وإصدار التشريعات والقوانين، مع العلم أن ليس هناك من تعارض بين تحسين تلك الأوضاع وبين التشريعات التي غالباً ما تمسّ حياة المواطن.

 قد يقول قائل أن الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال لو وفّرت جميع حقوق المواطنين من تعليم واستشفاء وسكن وتوظيف وعملت بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، لمَا برزت ظاهرة نائب الخدمات. ولو أن الحكومات استجابت لشكاوى واحتياجات المواطن لما ذهب إلى النائب ليشكو له همومه واحتياجاته ويطالبه بتقديم الخدمات له.

من هنا تبرز الحاجة لمقاربة هذه المسألة من زاويتين: أولاً تعميق الأصول الدستورية والديمقراطية التي تعتبر النائب مشرّعاً بالأساس وليس مختاراً للحي أو مسؤولاً عن سلطة محلية بلدية، وثانياً معالجة الأوضاع المعيشية للمواطنين بشكل حقيقي وفعال على قاعدة التنمية المتوازنة والبعيدة عن الشعارت والوعود التي لا تتحقق.

دور النائب

إن النائب هو عضو في السلطة الأهم في البلاد، أي السلطة التشريعية. ودوره هو دور تشريعي ورقابي، سواء من خلال المجلس النيابي بكل نوابه أو من خلال تكتل نيابي أو عضو واحد، فالتشريعات بالقوانين تصدر بعد موافقة المجلس عليها، ورقابة أداء الوزراء تخضع للنواب، انطلاقاً من الدور الرقابي الذي كفله الدستور لهم. وما دام هذا الحق التشريعي والرقابي لا أحد ينازع السلطة التشريعية عليه، فإن على النواب أن يكونوا مدركين لمثل هذه المفاهيم والأدوار المنتظرة منهم، وأن يكونوا في مستوى الأمانة والمسؤولية والرسالة التي يحملونها من الشعب الذي أعطى أصواته لهم.

 إن الدستور لا يعطي المجلس النيابي سلطة إصدار القوانين والتشريعات وسلطة الرقابة على سياسة الحكومة وأعمالها فحسب، بل إن للبرلمان اختصاصاً مالياً وقضائياً وانتخابياً.

هذه الإختصاصات لا يقتصر النص عليها في الدستور، بل في ما يُعرف بالنظام الداخلي. فالمجلس النيابي يضع نظامه الداخلي الذي يحتوي على صلاحيات رئيسه، وهيئة مكتبه، وممارسة النواب لصلاحياتهم واستقالاتهم واعتزالهم ولجان المجلس والإقتراحات والمشاريع ونظام الجلسات والمناقشات.إذن فالنظام الداخلي هو عبارة عن القواعد الداخلية التي يلتزم بها أعضاء المجلس النيابي. وطالما أن المجلس قد أقرّ لنفسه قواعد لعمله فلا يسعه تغييرها إلا بالتعديل، وهو الذي أناط به الدستور سلطة التشريع العليا، وذلك تحت طائلة إعطاء المثل السيء في مخالفته للقوانين المرعية. كما يكفل النظام الداخلي لأعضاء المجلس النيابي حرية التعبير عن آرائهم وأفكارهم أياً كانت اتجاهاتهم أو انتماءاتهم السياسية أو الحزبية.

كما تجب الإشارة إلى أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم لخدمة مصالح الشعب، وليس لخدمة مصالحهم الخاصة. من هنا يجب أن يكون الدور والهدف من شغل المنصب النيابي هو خدمة الشعب وليس كسب النفوذ أو الإثراء سواء باستغلال المنصب أو العلاقات الشخصية.

صلاحيات النائب

إن وظيفة النائب الأساسية هي تمثيل الشعب في البرلمان ومنها تظهر صلاحياته المتعددة بالمساهمة في حقل التشريع وفي الرقابة على سياسة الدولة وماليتها، بالإضافة إلى صلاحياته الإنتخابية التي تتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب.

الصلاحية التشريعية

وهي الوظيفة الأساسية التي يمارسها النائب بصفته عضواً في السلطة التشريعية، وتتجلى هذه المهمة من خلال الحق في اقتراح القوانين، ودراسة مشاريع القوانين الواردة إلى المجلس النيابي من قبل الحكومة، والمشاركة في مناقشتها والتصويت عليها.

إن العملية التشريعية التي ينجم عنها سنّ القوانين التي تنظّم حياة المواطنين وعلاقاتهم بعضهم ببعض وعلاقة الحكم بالشعب، تتيح للنائب وبالتالي لمجلس النواب مجتمعاً الإسهام في رسم السياسة الداخلية للبلد فضلاً عن السياسة الخارجية والسعي إلى تنفيذهما.

صلاحية الرقابة البرلمانية

هي أحد أشكال الرقابة السياسية التي تنتهجها السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية (أي تحديداً الحكومة والإدارات التابعة لها) ويمكن تعريفها بأنها “سلطة تقصّي الحقائق من جانب السلطة التشريعية حول أعمال السلطة التنفيذية بغية الكشف عن عدم التطبيق السليم للقواعد العامة في الدولة وتحديد المسؤولية عن ذلك ومساءلة القائمين عليها”.

إن الرقابة البرلمانية تعني مراقبة أعمال الحكومة وتصرفاتها وسياستها العامة الداخلية والخارجية، وعن طريقها يستطيع البرلمان الوقوف على كيفية أداء الجهاز الحكومي لأعماله ومن ثم مدى مشروعيته وكفاءته. وهذه الصلاحية تتمثل بما يسمّى السؤال والإستجواب. فكل نائب يحقّ له توجيه الأسئلة والإستجوابات إلى الحكومة أو إلى أحد أعضائها، بشكل شفهي أو خطي. وتهدف الرقابة إلى إسداء النصح للحكومة لكي تتجنب الأخطاء وإلى تبليغها رغبات المواطنين حتى تعمل على تحقيقها. وهي المهمّة التي يقوم من خلالها عضو البرلمان أو مجموعة من الأعضاء أو المجلس التشريعي عامة بمتابعة آليات العمل في المؤسسسات التي تتبع عادة للسلطة التنفيذية وذلك للتأكد من التزامها بقرارات السلطة التشريعية والدستور والقوانين، ومحاسبتها في حال أي مخالفة.

وتُعدّ الرقابة البرلمانية على النشاط الحكومي من أقوى أنواع الرقابة، حيث تؤدّي إلى الكشف عن التجاوزات والمخالفات التي قد تقع من الإدارات الحكومية المختلفة بهدف دفع الوزراء المختصين إلى التحرّك نحو معالجة قصور أداء الإدارات التابعة لهم.

الصلاحية المالية

هذه الصلاحية هي من أهم الصلاحيات التي يمارسها مجلس النواب لأنها تتناول مالية الدولة العامة من خلال مناقشة الموازنة السنوية العامة والتصويت عليها، بالإضافة إلى فرض الضرائب حيث لا إمكانية لفرض أية ضرائب جديدة إلا بعد موافقة مجلس النواب.

الصلاحية الإنتخابية

وتتجلى هذه الصلاحية في العملية الإنتخابية التي يمارسها النائب سواء في انتخاب اللجان أو هيئة المكتب أو تسمية رئيس الحكومة أو انتخاب رئيس مجلس النواب أو رئيس الجمهورية.

حقوق النائب

لم يفرد النظام الداخلي لمجلس النواب فصلاً خاصاً أو باباً معيناً تحت عنوان حقوق وواجبات النائب. إنما أتت هذه الحقوق في قوانين مختلفة وإن كان يرعاها النظام الداخلي.

ومن أهم الحقوق النيابية التي تضمن استقلالية السلطة التشريعية وعدم تعرّضها للتدخلات والضغوط هو الحق في الحصانة النيابية، حيث أن الحصانة تمنح لكل عضو برلماني الضمانات التي تمنع مساءلته وملاحقته القانونية نتيجة لآرائه أو تصريحاته.

ومن الحقوق المهمة كذلك الحق في عضوية اللجان البرلمانية، التي تقوم بدراسة اقتراحات القوانين ومناقشتها وتعديلها قبل إحالتها على الهيئة العامة للمجلس. كما يجوز لأعضاء مجلس النواب أن يكوّنوا كتلاً برلمانية على أن تلتزم الكتل في ممارساتها لأعمالها بالدستور والقوانين النافذة، وأن تعمل على ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية.

وللنائب، كما لكل من يتولى وظيفة عامة أو عملاً معيناً الحق في أن يستقيل من وظيفته أو من عمله، فله الحق كذلك في الإستقالة من عضويته في البرلمان إذا ما توافرت شروط الإستقالة المنصوص عنها في القانون.

واجبات النائب

 

القاعدة هي أن ما من حق إلا ويقابله واجب. لذا فإن الحقوق المذكورة تقابلها واجبات يتعيّن على النائب تأديتها لكي يستقيم عمله على أكمل وجه. ولعل من أهم الواجبات التي تقع على عاتق كل نائب، بغضّ النظر عن توجهاته السياسية والحزبية، هو واجبه في حضور الجلسات. فهو قبل كل شيء انتُخب من قبل الناس كي يقوم بتمثيل مصالح هؤلاء الناس وتطلعاتهم ضمن الهيئة التشريعية.

 لقد حرصت الأحكام الخاصة بعضوية المجالس النيابية في مختلف الدول على النص على ضرورة انتظام الأعضاء في حضور جلسات المجلس ولجانه المشكّلة به، وتنظيم أحوال التغيّب. كما فرضت واجب المحافظة على النظام داخل المجلس. وترجع أهمية الإنتظام في الحضور والحدّ من تغيّب الأعضاء إلى أمرين:

 1-   صحة انعقاد المجلس النيابي ولجانه، لأنه يشترط تحقق نصاب معين لصحة انعقاد جلسة المجلس أو اجتماع أية لجنة فيه، فضلاً عن اتخاذ القرارات بحضور نصاب معين.

2-   وهو يرتبط بالأمر الأول، إذ أن عدم الحضور من شأنه أن يعطّل المجلس ولجانه عن أداء الأعمال المنوطة به، ويشكّل من ناحية أخرى إهمالاً وإخلالاً من جانب العضو في ممارسة واجبات العضوية. ولذلك تلجأ التشريعات المختلفة إلى النص على توقيع عقوبات معينة- تتدرج في شدتها- على الأعضاء المقصّرين في أداء هذه الواجبات.

 مع الإشارة إلى أنه في بعض الحالات، قد تعطي مشاهد التلفزيون لقاعات البرلمان التي بها العديد من المقاعد الشاغرة في الجلسات العامة إنطباعاً مضللاً، لأنه قد يتغيّب الأعضاء بسبب انشغالهم في أعمال برلمانية مشروعة وأخرى تخصّ دوائرهم الإنتخابية.

وتنظّم أغلب البرلمانات في العالم حضور أعضائها في جلسات اللجان والجلسات العامة من خلال توجيهات دائمة تشترط عادة إخطار رئيس المجلس النيابي بأسباب التغيّب عن الحضور. وقد تشمل عقوبة “التغيّب غير المبرر”:

– نشر إسم العضو في قائمة الحضور والغياب.

– توجيه اللوم الرسمي أو “الدعوة للإنصياع للنظام”.

– خصم جزء من راتب العضو.

– الإيقاف المؤقت.

– سحب التفويض البرلماني.

 ومن الجزاءات الإستثنائية ما تنص عليه اللوائح في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً والتي تفوّض مأمور التنفيذ بالقبض على العضو المذنب ونقله بالقوة إلى المجلس!

 

مع الأسف، فإن واقع الحال في لبنان يشير إلى أن عدداً كبيراً من النواب اذين تعاقبوا على المجالس النيابية لم يمارسوا بدقة ومسؤولية الدور المنوط بهم، وعكفوا على الإهتمام بشؤون الناخبين في مناطق نفوذهم الإنتخابي، توخّياً لنيل رضاهم من أجل تجديد انتخابهم في المستقبل.

والنائب في بلادنا، يُعدّ ملاذاً لفئة من الناس تلجأ إليه لتلبية مطالبها الخاصة والمتشعبة وإن كان بعضها قد يخالف الأنظمة والقوانين السائدة، إعتقاداً من الناخب بأن ممثله يملك عصا سحرية يحقق بها كل شيء. ولعل هذا السلوك النيابي قد أخّر قيام الدولة القوية القادرة التي تحفظ حقوق الجميع دون وساطة والتي تطالب بها جميع الأطراف في الوقت الحاضر.

إن الإرتقاء المرتجى بمفهوم التمثيل النيابي إلى مصافّ الإسهام في الحياة الوطنية العامة وما يترتب عليه من واجبات تتجاوز المصالح الفردية والحزبية والطائفية إلى المصلحة العامة للدولة، يجعل النائب جزءاً من الحكم المسؤول الذي يحصّن الدولة بالعدالة والمساواة ويحقق التنمية والسيادة والشفافية، ويترتب على ذلك تطوير مفاهيم الدولة والمواطنية وإخراج الولاءات من المصالح الذاتية الضيقة إلى رحابة الإنتماء الوطني العام.

Advertisements

Tagged: , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: