Monthly Archives: July 2013

من يتحمل مسؤولية التقصير؟ حرائق الغابات في لبنان مسلسل سنوي متواصل

Waldbrand bei Goslar

لا تقتصر الغابات على كونها غطاءً شاسعاً أخضر ولكن لها فوائد بيئية وإقتصادية مهمة، فهي تمنع تدهور التربة وانزلاقها، تحمي ينابيع المياه والأودية، تحافظ على استقرار الجبال، كما أنها تحدّ من ظاهرة الإحتباس الحراري العالمي عبر امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون. وتعَدّ الغابات موطناً طبيعياً للحيوانات والنباتات حيث تضم ثلثي من كائنات الكرة الأرضية. لذلك فهي تساعد على حماية التنوع البيولوجي من الإنقراض. وغابات لبنان هي من أهم المصادر الطبيعية في لبنان غنى وتنوعاً.

effects

من أخطر المشاكل التي واجهتها الغابات المتبقية في لبنان خاصة خلال السنوات العشرين الأخيرة هي مشكلة الحرائق المتكررة في كل صيف، خاصة بين شهري أيلول وتشرين الأول. وقد قُضي على أكثر من 35 في المئة من غابات لبنان خلال الأربعين سنة الماضية، ما أدى الى انخفاض مساحة الغطاء الأخضر من 12 في المئة عام 1973 إلى 7 في المئة من مساحة لبنان عام 2006، وذلك في غياب خطة وطنية شاملة. وتظهر قاعدة المعلومات الجغرافية لمشروع “نحو آلية مستدامة لمكافحة حرائق الغابات في لبنان” أن 1200 هكتار من الغابات الطبيعية تحترق سنوياً. وتظهر دراسة أعدها المركز الوطني للبحوث والدراسات العلمية في عام 2005 عن أثر حرائق الغابات على غطاء الأرض وأثرها من الناحية الاقتصادية، أن الوقت اللازم لشجرة الصنوبر لتعطي ثمراً هو 25 سنة، وخلال هذا الوقت فإن كل هكتار يحترق يؤدي إلى خسارة تصل إلى 144 ألف دولار خلال الـ25 سنة. أما خسارة الخشب جراء الحرائق فتُقدّر بـ6750 دولاراً في غابات السنديان، و17 ألف دولار في غابات الصنوبر البري و20 ألف دولار في غابات الصنوبر المثمر.
وكان التقرير العالمي الذي أصدرته منظمة “الفاو” بعنوان “حالة الغابات في العالم لسنة 2007” قد أكد أن لبنان يعَدّ من البلدان المنكوبة على مستوى حرائق الغابات عام 2006، فلقد بلغ إجمالي المساحة الحرجية المنكوبة 3460 هكتار.
وجاء العام 2007 ليكون عام الكوارث الكبيرة ليس من النواحي السياسية والأمنية والإقتصادية والسياحية فحسب بل أيضاً على صعيد الحرائق التي شهدها لبنان، وخاصة منطقتي عكار والشوف، خلال مطلع شهر تشرين الأول والتي حوّلت العديد من المساحات الخضراء إلى اللون الرمادي.
لقد بلغ عدد الحرائق خلال اليومين الأولين فقط من موجة الحرائق الأخيرة 242 حريقاً، وقد ذُهل الجميع من مسؤولين ومواطنين من حجم الكارثة، والتحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد المسؤوليات. وفيما ردّ البعض السبب إلى ارتفاع الحرارة وتدنّي مستوى نسبة الرطوبة ووجود رياح شرقية جافة، شكّ البعض الآخر بأن تكون الحرائق مفتعلة خصوصاً أنها شبّت دفعة واحدة وبدءاً من الثالثة فجراً، حتى أن وزير الداخلية أشار في تصريح له إلى “حدوث إطلاق نار على الأهالي في عيون السمك في منطقة المنية لدى محاولتهم إطفاء حريق، مما عزز الشكوك بأن هناك افتعالاً لهذه الحرائق”.
هذا الوضع دفع بالجهات البيئية الفاعلة إلى رفع الصوت عالياً مؤكدة للدولة أنها لن تقبل بعد اليوم بالتحقيقات المجتزأة، وأنها تريد أن تعرف مسببات الحريق وما إذا كانت مفتعلة وكشف مرتكبيها ومعاقبتهم أياً تكن دوافعهم وتطبيق القوانين المرعية الإجراء في حقهم. وتجدر الإشارة هنا إلى نص المادة 106 من قانون الغابات الصادر في 7 كانون الثاني 1949، التي تقول بأنه لا يجوز لأحد أن يحرق الشوك والعشب والقش وغيره من النبات إلا برخصة من مصلحة الغابات في الأراضي الواقعة على أقل من 500 متر من الغابات، وذلك من مطلع تموز إلى 13 تشرين الأول وعلى أقل من 200 متر باقي أيام السنة.

الأسباب الحقيقية للحرائق قد لا تُكشَف أبداً، ولا يخفى على أحد أنها مفتعلة في غالبية الأحيان من الحطابين الذين يعبثون في الأشجار حرقاً وتقطيعاً لأسباب تجارية وبغية صنع الفحم وبيعه في مواسم البرد، أو ربما من آخرين يريدون إنشاء مرامل أو كسارات مكان الأحراج. ويعزز هذا الإعتقاد ما تشير إليه مصادر رسمية إلى أن 95 في المئة من الحرائق مفتعلة لأسباب تخريبية أو تجارية، بينما تبقى نسبة الـ 5% من الحرائق عائدة إلى عوامل طبيعية كالصواعق وارتفاع درجة الحرارة. وتنقسم الحرائق إلى شقّين: الحرائق المفتعلة التي غالباً ما نراها في خَراج البلدات التي لم يتم حتى اليوم مسح أراضيها، كما أن هناك حرائق مفتعلة بسبب وجود أشجار صمغية (صنوبر، شربين، أرز، شوح) يمنع القانون قطعها حتى في الملكيات الخاصة، فيكون الحريق هو “الحل” يليه الجرف وتحويل وجهة استعمال الأرض، وهناك الحرائق الناجمة عن الأعمال الحربية وكان آخرها حرائق الغابات في الجنوب من جراء القصف الإسرائيلي عام 2006، وكذلك الحرائق المفتعلة بسبب التحطيب وأيضاً بسبب تجديد المراعي (وهي عادة يلجأ إليها الرعاة بعض الأحيان). أما الحرائق غير المفتعلة، الناجمة عن الإهمال، فتحدث في الغالب عن طريق حرق اليباس في الأراضي المتاخمة للغابات، مواقد الصيادين، حرق النفايات في خراج البلدات، ورمي النفايات في الغابات.
ولكن بالنسبة لأغلب الناشطين في الحقل البيئي، يبقى السبب الرئيسي وراء تكرار حوادث الحرائق هو الإهمال والإستهتار من قبل الجهات المسؤولة. فحزب البيئة اللبناني طالب المسؤولين برسم سياسة واضحة لمعالجة مأساة حرائق الغابات المتكررة، واعتبر أن “السبب الرئيسي في تكرار الحرائق هو عدم وجود رادع جدي، إذ أن مَن يحرق لا يلاحَق ولم نسمع حتى الآن عن محاكمة مفتعل حريق واحد في لبنان”. كما توجّه مجلس البيئة في عكار نحو السلطات بالمطالب التالية:
– وضع اليد على مفتعلي الحرائق مع عدم القبول بالأعذار من نوع بأن “القبض على حارق الغابة صعب جداً” أو “أن الناس لا تتجاوب مع التحقيق”.
– فتح ملفات الحرائق المفتعلة القديمة منها والجديدة، والتي تبيّن بعد مرور سنوات عليها مَن هو الفاعل الأساسي ومحاكمته.
– سهر القوى الأمنية والدفاع المدني على مناطق الحرائق كي لا تتجدد كما يحصل دائماً.
– إلزام نواطير الأحراج بالسهر على المنطقة التي يحصل فيها الحريق ومراقبتها ليلاً نهاراً لمدة أشهر لمنع الإستفادة منها من قبل من يريد التحطيب.
– إعادة النظر كلياً بسياسة الدولة بما خصّ مكافحة حرائق الغابات في لبنان خصوصاً طريقة الإطفاء المجوقل بواسطة العناصر المجهّزين بكل الوسائل الفردية للإطفاء والذين تنقلهم طوافة الى مكان الحريق وتزويدهم بالماء والعتاد ونقلهم إلى أمكنة أخرى وهذا ما يسمح بالتدخل السريع للإطفاء وتوفير كلفة شق الطرقات التي تحل المشاكل.

التأثيرات السلبية للحرائق

ولكن مهما تعددت أسباب الحرائق فإن النتائج تظلّ واحدة: تقلّص في المساحات الخضراء في لبنان، خسائر إقتصادية فادحة، تدهور بيئي وضرر كبير لاحق بالتنوّع الحيواني والنباتي. وهنا لا بد من التطرّق بشكل مفصّل إلى التأثيرات البيئية الضارة للحرائق وهي:

1- التصحّر
وهو تدهور حالة الأرض وفقدان القدرة على الإنتاج الزراعي ودعم التنوع الحيوي النباتي والحيواني، واندثار المساحات الخضراء يسرّع في عملية التصحر التي يترتب عليها خسائر اقتصادية فادحة.

2- تآكل التربة
تساهم جذور الأشجار في منع انزلاق التربة وتآكلها وتحافظ على إستقرارها، ويعتبر تآكل التربة وانزلاقها مشكلة بيئية وزراعية خطيرة وقد يؤدّي في حال هطول أمطار غزيرة خلال الشتاء إلى انهيارات أرضية قد تكون قاتلة.

3- شحّ المياه
فالغابات تحافظ على المياه الجوفية حيث أن الأشجار تساعد التربة على امتصاص مياه الأمطار وتقوم جذورها بتصفية المياه الجوفية من بعض المواد الضارة قبل أن تصل إلى الينابيع.

4- زيادة الإحتباس الحراري
إن ظاهرة إزالة الغابات على المستوى العالمي تسفر عن إطلاق ملياري طن من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يتسبب في زيادة الإحتباس الحراري أي ارتفاع درجة حرارة الأرض، وكل هكتار من الأشجار يمكن أن يمتص حوالي 5 طن من ثاني أكسيد الكربون.

5- التغيّر المناخي
تساعد الغابات على تلطيف المناخ عبر التأثير على سرعة الرياح وتقلل من حدوث الإعصارات والفيضانات وتمتص بعضاً من أشعة الشمس وتعدّل حرارة الهواء.

6- زيادة معدلات التلوّث في الهواء
إن الأشجار الضخمة تستطيع أن تخفف من التلوّث بنسبة 70% أكثر من الأشجار الصغيرة، وبالتالي فإن تدمير الغابات المعمّرة يقلل من فعالية الأشجار بامتصاص ثاني اكسيد الكربون. إن هكتاراً من الغابات يمكن أن ينتج اوكسجين يكفي لـ40 شخصاً ويمتص إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي ارتفعت معدلاته كثيراً في السنوات الأخيرة.

7- القضاء على التنوع البيولوجي
تتسبب حرائق الغابات بقتل أنواع من النباتات والأشجار وحتى بعض الحيوانات التي لم تستطع الهرب، وهي تدمّر البيئة أو الموطن لهذه الأنواع مما يجعل من الصعب جداً أن تتجدد وتنمو.

8- التأثير السلبي على المستوى الإقتصادي
وتؤثر حرائق الغابات على الإقتصاد لما تتضمنه من كلفة إعادة التشجير، وإخماد الحرائق، وتأثيرها على الزراعة ونوعية الحياة والسياحة البيئية.

9- التأثير السلبي على المستوى الصحي
إذ أن الدخان الناتج عن احتراق الغابات، والحبيبات المتناثرة من الأشجار المحترقة والغازات التي تنتج عن هذا الحريق يمكن أن تؤذي العينين وتسبب حالات اختناق وتزيد من حدة أمراض القلب والرئة.

تأثير الإعتماد المفرط على السيارة

sayr khanek

أصبحت الحوادث المرورية وما ينتج عنها من خسائر بشرية ومادية من أبرز المشكلات التي تواجهها الدول والمجتمعات. وتتّضح هذه المشكلة بشكل حادّ في البلدان النامية. ويُتوقع بحلول عام 2020 أن ترتفع نسبة الوفيات بسبب الحوادث المرورية في بلدان العالم النامي إلى حوالى 80 ٪ مما هي عليه الآن.

وقد اكتسبت فكرة التقليل من استخدام السيارات والإعتماد المفرط عليها، كجزء من عملية مكافحة حوداث السير على الطرقات والحدّ منها، أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة. وأصبح لدى الدول في أميركا وأوروبا خطط عمل في هذا المجال. فاستراتيجية الدول المتقدمة تهدف إلى خفض عدد السيارات الخاصة التي تدخل إلى مراكز المدن الرئيسية، خاصة في ساعات الذروة. فقد ثبت لديهم من الواقع العمليّ فائدة هذا الإجراء في خفض المشاكل المرورية ورفع مستوى السلامة على الطرق.

وتسعى بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تقليل الإعتماد على استخدام السيارات الخاصة داخل المدن الرئيسية، عن طريق أساليب مختلفة، منها تشجيع استخدام وسائل النقل العام واستحداث قوانين لذلك، وفرض رسوم مرتفعة على وقوف السيارات في وسط المدن. كما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية مليارات الدولارات على تطوير مرفق النقل العام وزيادة كفاءته، فهناك نحو 300 حافلة نقل عام لكل مائة ألف نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى وسائل النقل العام الأخرى مثل مترو الأنفاق.

ومن المعلوم أن من أهم سبل رفع مستوى السلامة المرورية التي ينبغي الأخذ بها، الإهتمام بوسائل النقل العام ورفع كفاءتها للتقليل من الإعتماد على السيارة الخاصة، والتحوّل إلى وسائل النقل العام الآمنة، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض دول شرق آسيا.

  

المشاكل الناتجة عن الإعتماد المفرط على السيارة

 يترافق الإستعمال الكثيف للسيارات بمشاكل عديدة:

أولاً: الأخطار البيئية: 

1- تؤدي السيارات إلى تلوّث الهواء المحليّ بسبب انبعاث الغازات السامة كاوكسيد النتروجين, اوكسيد الكبريت والمُركّبات العضويّة المتطايرة التي تؤثّر على صحّتنا.

2- تساهم السيارات بالمشاكل البيئية العالمية التي تهدّد استقرار كوكب الأرض, مثل المطر الحمضيّ وارتفاع حرارة الأرض الناتج عن زيادة نسبة ثاني اوكسيد الكربون، حيث أن 25 % من انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون في لبنان مصدرها قطاع النقل.

3- تساهم السيارات في التلوّث الضوضائي, وخاصة في لبنان, بسبب ازدحام السير وكثرة التزمير والمحرّكات القديمة.

4- تُخلّف السيارات كمية كبيرة من النفايات الصلبة والسائلة التي تلوّث الهواء والماء وتتلف القيمة الجمالية للأراضي، من هذه النفايات: زيوت السيارات, الإطارات المستخدمة, بطّاريات السيارات وهياكل المركبات.

ثانياً: الأخطار الإجتماعية الإقتصادية والصحية:

 

1- تسبّب كثرة السيارات ازدحاماً في السير مما يؤدّي إلى سلوك سلبيّ لدى السائقين (توتّر, عدائيّة, الخ..).

2- يشكّل ازدحام السير مضيعة للوقت على الطريق مما يخفّض الفاعليّة والإنتاجيّة، والإرتفاع المتزايد في أزمة السير يسبّب خسارة هائلة في الإنتاجيّة تُقدَّر بملايين ساعات العمل سنوياً.

3- تكاليف نقل عالية واستهلاك للموارد (تكلّف السيارة في البلاد المتقدمة 7000 $ في السنة).

4- عدد السيارات الكبير والإدارة الضعيفة للمرور تزيد من خطر الحوادث، ومن المعروف أن ضحايا حوادث السير في لبنان يزيدون على 600 قتيل و10 آلاف جريح كل عام.

5- تصل كلفة الأمراض والوفيات بسبب تلوّث الهواء في لبنان إلى 130 مليون دولار في السنة.

6- أعلى إنفاق للدولة هو لصيانة وإعادة تأهيل وبناء الطرق والاوتوسترادات لاستيعاب عدد السيارات المتزايد.

حقائق عن النقل البري في لبنان 

1- يبلغ معدّل ملكية السيارات في لبنان حوالى سيارة واحدة لكلّ ثلاثة أشخاص، وهذا المعدّل هو من الأعلى في العالم حتى بين البلدان المتقدمة، وهذه نتيجة لعقلية “لكل فرد سيارة” السائدة.

2- هنالك حوالى 1,3 مليون سيارة في لبنان، ومعظمها قديمة نسبياً وصيانتها رديئة.

3- هناك حوالى 900 ألف سيارة خاصة (أي 90 % من كلّ المركبات) ومتوسّط عمرها 14 سنة.

4- عدد الباصات العاملة التابعة لمصلحة السكك الحديد والنقل المشترك انخفض في الأعوام الماضية من 200 باص إلى ما دون المائة.

5- يستهلك قطاع النقل حوالى 45 % من مجمل المنتجات النفطيّة المستوردة.

6- تتمّ يومياً 1.75 مليون رحلة في المركبات ضمن منطقة بيروت الكبرى, 68 % منها تتمّ بالسيارة (هذه النسبة المئوية لاستعمال السيارة الخاصة عالية جداً, حتى بالنسبة إلى البلدان المتقدّمة حيث لا ينبغي أن تتجاوز هذه النسبة 50 %).

7- من المتوقّع أن تزيد الرحلات اليومية بالسيارة في منطقة بيروت الكبرى إلى خمس ملايين رحلة في 2015.

8- هناك حوالى 38 ألف نمرة حمراء في لبنان, بينما لا تتجاوز حاجة النقل العامّ أكثر من 18 ألف نمرة حمراء.

9- تتراوح نسبة الجزيئات في الهواء في بعض مناطق بيروت بين 102 إلى 291 ميكروغرام/م3 بينما المستوى الآمن لنسبة الجزيئات هو 75 ميكروغرام/ م3 (من المعروف بأن هذه الجزيئات هي من مسبّبات سرطان الرئة).

10- في بعض مناطق بيروت يتجاوز الضجيج 75 ديسيبيل (وحدة قياس قوة الصوت) بينما معدّل الضجيج في هكذا مناطق لا يجب أن يتجاوز 72 ديسيبيل.

11- أنفقت الدولة حوالى 26,1 مليون دولار للصيانة ولإعادة تأهيل وبناء الطرق والاوتوسترادات في العام 2000, وحوالى 564.3 مليون دولار في الفترة الممتدة بين 1991و2000.

za7meh

استراتيجية “إدارة الطلب على النقل” في لبنان

لا حلّ للواقع السيء الذي ذكرنا جوانبه السيئة آنفاً إلا بوضع استراتيجية وطنية شاملة للنقل المستدام، وذلك بالتعاون بين وزارات الأشغال العامة والطاقة والداخلية والبيئة ومجلس الإنماء والإعمار واللجنة النيابية للأشغال العامة والنقل، إضافة إلى البلديات والمنظمات المدنية والجمعيات التي تُعنى بالبيئة.

استراتيجية “إدارة الطلب على النقل” التي قامت باقتراحها “جمعية الخط الأخضر” تهدف للتخفيف من استعمال السيارات وتشجيع استخدام طرق النقل الصديقة للبيئة (النقل العام، استخدام الدراجات، المشي…) من خلال:

– تحسين إدارة ونوعية النقل العام.

– تحسين البنية التحتية لتشجيع النقل غير الآلي (كالأرصفة للمشاة).

– إيجاد إدارة جيدة للمواصلات من خلال فرض قوانين السير.

– تنظيم المواقف العامة للسيارات.

– فرض إلزامية المعاينة الميكانيكية للسيارات على أن تكون جيدة وموثوقة.

محاسن تبنّي هذه الاستراتيجية تتضمن الآتي:

– التخفيف من نسبة تلوث الهواء حتى 80 %، ومن التلوث الضوضائي حتى 50 % في أماكن تطبيق الخطة.

– التخفيف من زحمة السير، وبالتالي الزيادة بإنتاجية المجتمع والتخفيف من التوتر لدى المتنقلين.

– التقليل من مصاريف الحكومة على شقّ وبناء الطرق وصيانتها.

– التوفير على المستهلك من تكاليف صيانة وتشغيل سيارته.

– الزيادة في السلامة العامة على الطرقات، كون قلة السيارات تعني تلوثاً أقلّ، سرعة أقلّ، وعدائية أقلّ، مما يؤدّي إلى طرقات سالمة.

– التحسين في خيارات النقل: سيصبح بإمكان المواطنين، حتى الذين لا يستخدمون النقل العام، أن يستخدموا هذا الخيار البيئي في الحالات الطارئة.

– تأمين النقل العام للأشخاص المعوّقين جسدياً وغير الميسورين.

– الإستخدام الفعّال للأراضي: التقليل من شقّ طرقات وإنشاء مواقف للسيارات، وذلك لقلة الطلب، مما يؤدّي الى استعمال الأراضي المتوافرة بشكل فعّال أكثر.

– التنمية الإقتصادية: مثل انجذاب السائح أو المتنزّه إلى الأماكن التي لا تجوبها السيارات مثل وسط المدينة.

يوم من دون سيارات

“يوم من دون سيارات” هو حملة بيئية إبتدأ تطبيقها في فرنسا في سنة 1998، وتهدف إلى التخفيف من تلوث الهواء الناتج عن الإعتماد المفرط عليها. منذ ذلك الوقت انتشر هذا النوع من الحملات في معظم المدن الأوروربية الكبرى، إضافة إلى العديد من دول العالم ككندا وكولومبيا. والموعد السنوي لـ “اليوم بدون سيارات- Car-free Day” يقع بين 16 و22 أيلول من كل عام، والمنظّمون يريدون عبر هذه الحملة أن يؤكدوا للناس أنه في إمكانهم التمتع بيوم جميل من دون استخدام سياراتهم، والتعريف بمنافع “النقل المستدام” عبر الإعتماد على الأقدام كأحد بدائل التنقل في المدينة.

يبدو أننا أصبحنا بحاجة لمثل هذا النشاط في لبنان مع تحوّل مدننا وشوارعنا إلى كراج كبير يسيطر عليه أسطول بري جامح من السيارات التي تثقل هواءنا بكمّيات كبيرة من الملوّثات على أنواعها وتملأ رئاتنا بالأمراض. ولعلّ إقامة “يوم من دون سيارات” لمرة واحدة في السنة بتنظيم من البلديات وتنسيق مع الجمعيات البيئية سيمثّل بداية جيدة نحو مواجهة خطر التلوّث الناتج عن السيارات والتوعية حول فوائد استخدام النقل العام أو مجرد المشي بدلاً من الإعتماد المفرط على السيارات.

كيف نوقف هدر المياه؟

أشارت دراسة قامت بها منظمة اليونيسف خلال التسعينات إلى أن 60 إلى 70 في المائة من مصادر المياه والشبكات في لبنان معرّضة للتلوث الجرثومي، وهذا التلوث موجود في جميع المناطق اللبنانية.

Wasserhahnjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjj

ترشيد استهلاك المياه

 

إن مشاكل نقص وتلوّث المياه ليست من مسؤولية مصالح المياه أو الوزارات والإدارات المختصة فقط، بل لا بدّ من مشاركة جميع المواطنين في علاج هذه المشاكل وذلك عن طريق اكتساب “وعي مائي” وتنمية الإتجاهات والسلوكيات السليمة لدى المواطنين في تعاملهم مع الموارد المائية بهدف ترشيد استهلاك المياه واستغلالها بشكل أفضل.

ولكن واقع الحال يُظهر إساءة استخدام المياه في المجالات المختلفة، والمواطن اللبناني ليس لديه ثقافة الترشيد في مجال المياه. فعلى سبيل المثال، يجري استهلاك مياه الشرب بلا ضوابط فتُغسل بها السيارات والشوارع وتُروى بها الحدائق. ويبدو أن رخص ثمن المياه ووصولها إلى المستهلكين بأسعار في متناول أيديهم يشكّل دافعاً لهم لإهدارها!

من هنا تبرز أهمية توعية المواطن لإدراك ضرورة حسن استهلاك المياه، خاصة وأن ترشيد استهلاك المياه أصبح يُعدّ مؤشراً على المواطنة الصالحة ورمزاً للتحضّر وإسهاماً حقيقياً في حماية البيئة. وللعلم فإن معظم الدول الأوروبية، التي تمتلك عدداً وفيراً من الأنهار والبحيرات العذبة ولا تتهدّدها مشكلة شح الموارد المائية، تنتهج سياسة ترشيد استهلاك المياه على المستويين الرسمي والشعبي لقناعتها بأن الماء مورد نفيس يجب المحافظة عليه من الهدر.

والمقصود بالترشيد هو الإستخدام الأمثل للمياه الذي يؤدّي إلى الإستفادة منها بأقل كمية وبأرخص التكاليف المالية الممكنة في جميع مجالات النشاط. وعند التحدّث عن ترشيد استهلاك المياه فالهدف الرئيسي هو توعية المواطن بأهمية المياه باعتبارها أساس الحياة والعنصر الأساسي في كافة المجالات الصناعية والزراعية والسياحية. والدعوة إلى الترشيد لا يُقصد بها الحرمان من استخدام المياه بقدر ما يُقصد بها العمل على تغيير الأنماط والعادات الإستهلاكية اليومية بحيث يتّسم السلوك الإستهلاكي للمواطن أو للأسرة بالتعقّل والإتزان وعدم الإسراف.

أشكال الهدر وكيف نوقفه

 

إن هدر المياه هو استهلاك الكمية الزائدة عن الحاجة، وهذا النمط من السلوك مرتبط بعادات المواطنين المتوارثة وبقلة الوعي وضعف الإحساس بالمسؤولية. غير أن تلك العادات يمكن تداركها بكل بساطة حفاظاً على الثروة المائية وتخفيفاً من هدرها.

ما هي حالات الهدر التي نمارسها في حياتنا اليومية وما العمل للتخفيف منها تمهيداً للتخلص منها؟

– ترك الحنفية مفتوحة لبعض الوقت من دون فائدة لا يؤدي سوى إلى هدر المياه والخسارة المادية بسبب ما يؤديه ذلك من ارتفاع قيمة فاتورة المياه، المفروض إغلاق الحنفية في حال عدم الحاجة إليها.

– الحنفية التي تسرّب الماء تهدر 726 ليتر يومياً على الأقل، وهذه تشكّل نسبة كبيرة من حصة الفرد من مياه الشرب يومياً. لذلك لا بد من إصلاح أي تسرّب للمياه ضمن المنزل.

– إستخدام كأس عند تنظيف الأسنان يوفّر كميات كبيرة من المياه، إذ غالباً ما تُترك الحنفية مفتوحة أثناء تنظيف الأسنان وبذلك تُهدر كمية لا تقلّ عن ثلاثة ليترات بينما يكفي لتنظيف الأسنان نصف ليتر.

– إستعمال الدوش عند الإستحمام يستهلك تقريباً 20 لتر من الماء، بينما يستهلك حوض الإستحمام (البانيو) ما يزيد عن 140 لتر.

– غسيل أرض المنزل بواسطة خرطوم المياه يتسبب في هدر كبير للمياه، بينما تستهلك طريقة المسح العادي كمية أقل بكثير من المياه.

– إستخدام الغسّالات الحديثة يؤدي إلى توفير الإستهلاك، إذ تستهلك الغسالات القديمة 100 ليتر على الأقل بينما الحديثة تستهلك 25 ليتر.

– إستخدام دلو المياه عند غسل السيارة وعدم استخدام خرطوم المياه لأن الخرطوم يستهلك حوالي 300 لتر في كل مرة.

 Water_droplet_blue_bg05

من جهة أخرى، تقع مسؤولية كبيرة على مصالح المياه والإدارات المسؤولة عنها في مسألة الحدّ من هدر المياه. وهذه المسؤولية تتمثّل بحماية المصادر المائية المتوفّرة والحفاظ عليها كي تبقى صالحة للإستهلاك البشري ومنع تلوّثها، وتجديد أو تبديل شبكات خطوط المياه القديمة والمهترئة للحدّ من نسبة الهدر المائي فيها، إضافة إلى قمع المخالفات والتعدّيات التي تحصل على الشبكات وإيقاع العقوبات اللازمة بحق المخالفين.

الإعتماد الحقيقي يبقى على وعي المواطن

 

لا شكّ أن التوعية حول ضرر الإستعمال غير المسؤول للمياه مازالت تحتاج إلى بذل جهود كبيرة على كافة الإتجاهات ومن كل مؤسسات المجتمع. فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع، ابتداءً من المنزل مروراً بالمدارس والجامعات وكافة المؤسسات الإجتماعية والتربوية والأجهزة الرسمية في الدولة، وصولاً إلى دور وسائل الإعلام الجوهري في مجال التوعية في هذا الشأن.

لقد حان الوقت لتبنّي “ثقافة مائية” أكثر تقشفاً للحفاظ على الثروة الكبرى التي تشكّلها المياه في لبنان واستثمارها بطريقة فعّالة. مع التنويه بأن حاجات المواطنين من المياه قد تصل إلى مرحلة لا تعود خلالها الموارد المائية قادرة على تلبية الطلب المتزايد في حال لم يتمّ اعتماد ثقافة استهلاك مائية مسؤولة ومتطورة، والأمر المشجّع هو أن ترشيد استخدام المياه لا يتطلب إمكانيات اقتصادية أو فنية كبيرة وهو في متناول يد كل مواطن.

ترشيد استهلاك المياه، ضرورة وليس ترفاً

المياه عنصر أساسي من عناصر البيئة التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهي أساس الحياة على هذه الأرض وأساس حياة الكائنات عليها. ولا تقتصر الماء على الحياة فقط، فهي تدخل في معظم الأنشطة الإقتصادية وخاصة الزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء.

تشكّل المياه حوالى 70 % من سطح الكرة الأرضية، إلا أن نسبة المياه العذبة تشكّل 3 % فقط من إجمالي المياه الموجودة في العالم. ومع تزايد عدد السكان بشكل يصعب على كمية المياه المتوافرة سدّ حاجاتهم، فقد برزت منذ عقدين من الزمن على الأقل مشكلة النقص في المياه الصالحة للشرب. وهذه المشكلة لم تنتج عن الزيادة السكانية في مختلف دول العالم فحسب، مما أدّى إلى استنزاف الموارد المائية، بل كذلك عن زيادة نسبة التلوث في مصادر المياه ومجاريها ومسطحاتها. وبالرغم من الأهمية القاطعة للمياه التى تفرض على كل مواطن مسؤولية الحفاظ عليها، فإن حالة التسيّب السائدة على هذا الصعيد بالإضافة إلى عدم الوعي بخطورة الموضوع أدت إلى وقوع إهدار رهيب للمياه وانتشار طرق الإستهلاك الخاطئ لهذه الثروة الطبيعية.

 2006-02-13_Drop-impact222222

شهدنا في الأعوام الأخيرة ازدياداً كبيراً في حرارة الجو خلال أشهر الصيف وتناقصاً في معدلات تساقط الأمطار، وضرب ارتفاع الحرارة أرقاماً قياسية خلال هذه الأعوام. هذا الأمر أدى إلى انتشار الجفاف والشحّ في المياه في الكثير من مناطق العالم ومنها لبنان. وبالرغم من تميّز لبنان عن سائر دول الجوار بوفرة مصادر المياه فيه، فإن مشكلة لبنان مع المياه ليست جديدة. ومع أن عواقب الحرب الأهلية لعبت دوراً في خلق أزمة المياه، فإن استمرار هذه الأزمة وتفاقمها يعود إلى سوء الإدارة لدى الجهات الرسمية المختصة وإلى عدم استهلاك الماء بشكل مسؤول ومنضبط من قبل المواطنين.

ثروة المياه في لبنان

تتمثل مصادر المياه في لبنان بالموارد التالية:

1- مياه الأمطار.

2- الثلوج المتراكمة التي تُعتبَر خزّاناً مهماً للمياه الجوفية.

3- المياه الجوفية.

4- الأنهار والينابيع والآبار الجوفية.

يصل عدد الأنهار في لبنان إلى سبعة عشرة نهراً أهمها نهر الليطاني، ويُقدَّر عدد الينابيع بحوالى 2000 وعدد الآبار بـ 2500 بئراً.

وتوفر هذ المصادر ما يقارب 10 مليارات متر مكعب, علماً أن التقديرات لدى بعض المؤسسات والخبراء هي متناقضة, حيث أن بعض التقديرات للموارد المائية في لبنان تتراوح بين 3 و5 مليارات متر مكعب.

الأمطار

 2006-01-28_Drop-impact2222222222222

يبلغ المعدل السنوي العام للمياه على مختلف الأراضي اللبنانية في سنة متوسطة الأمطار نحو 8200 مليون متر مكعب. يتسرّب من هذه الكميات إلى باطن الأرض 1500 مليون م3 في حين يبقى 6700 مليون م3 على سطح الأرض. وفي المياه المتسرّبة إلى داخل الأرض يجري 685 مليون م3 إلى فلسطين والبحر، ويتبخّر 250 مليون م3، فيما يبقى في جوف الأرض 565 مليون م3 كحد أقصى من المياه القابلة للاستعمال.

أما كميات المياه السطحية والتي تبلغ 6700 مليون م3 فيذهب منها إلى سوريا 450 مليون م3 عبر نهر العاصي و220 مليون م3 إلى فلسطين عبر الوزاني والحاصباني، وتبلغ الكميات التي تتبخّر 3850 م3 ويبقى قابلاً للإستعمال 2200 مليون م3. وتُقدَّر كميات المياه التي يمكن استعمالها إن في جوف الأرض أو على سطحها بـ 2767 مليون م3 يُستخدم منها حالياً 1300 مليون م3 ويُهدر 1467 مليون م3 في البحر.

وتُظهر هذه الأرقام أن المياه التي تعبر أنهار وسواقي وأراضي لبنان وتصبّ في البحر، تتعدّى حجم المياه التي تُستخدَم للشفة (350 مليون م3) والصناعة (70 مليون م3) والري (900 مليون م3) في وقت يعيش فيه العديد من المدن والقرى والمناطق شحّاً وتقنيناً في المياه طوال السنة وحتى في أيام الشتاء أحياناً.

تلوّث المياه

 

أشارت دراسة قامت بها منظمة اليونيسف خلال التسعينات إلى أن 60 إلى 70 في المائة من مصادر المياه والشبكات في لبنان معرّضة للتلوث الجرثومي، وهذا التلوث موجود في جميع المناطق اللبنانية. أما أسباب التلوث وفقاً للدراسة فهي:

– عدم وجود حماية لمصادر المياه الطبيعية.

– تعرّض الينابيع والمصادر السطحية لمياه الزراعة والمياه المبتذلة والنفايات الصلبة.

– الطرق غير السليمة للتخلص من المياه المبتذلة والنفايات الصلبة.

– تعرّض شبكات المياه لتسرب المياه المبتذلة إليها.

– غياب الصيانة الدورية لشبكات توزيع المياه.

– غياب الطرق السليمة لتعقيم المياه.

ولفتت الدراسة إلى أن المياه الجوفية تتعرّض لاستغلال عشوائي في غياب القوانين والأنظمة الرادعة. وقد نتج عن استباحة هذه الثروة الطبيعية استنزاف كميات المياه المتوافرة واختلال التوازن بين الوارد الطبيعي المغذّي للخزّان الجوفي وعملية السحب المتمادية للمياه بواسطة آبار ارتوازية ارتفع عددها بشكل عشوائي مخيف.

وهكذا فلبنان مهدّد كسواه من الدول العربية بنقص في المياه بحلول عام 2015 مما يوجب إعطاء أهمية لاعتماد سياسة مائية أي خطط ومشاريع للإستفادة من المياه المتاحة وإيجاد مصادر جديدة لتلبية الحاجات من قبل الجهات المسؤولة. ولكن ما هو دور المواطن؟ وهل يستطيع كل فرد منا أن يساهم في معالجة مشكلة المياه أو تفاقمها؟

سوء تعامل المواطن مع الممتلكات العامة عادة متأصّلة في المجتمع اللبناني

التعدي على المشاعات العامة ومخالفات البناء في منطقة الصرفند

التعدي على المشاعات العامة ومخالفات البناء في منطقة الصرفند

تمرّ بك مشاهد في لبنان، غير مألوفة في العديد من البلدان الأخرى، ولكنها مألوفة جداً إلى درجة الإعتياد في هذا البلد. فهنا مبنىً مخالف يقضم من الطريق العام وآخر هناك غير مطابق لمواصفات التنظيم المدني، بينما تجد هنالك اقتطاعاً لجزء من الشارع العام أوحتى رصيف المشاة لمواقف السيارات أو لبسطات الفاكهة والخضار والثياب. هذا بالإضافة إلى مشاهد الجدران المطلية بالعبارات والصور والرسوم والأشكال إن على الطريق السريع (الأوتوستراد) أو على جوانب الطرق الرئيسية و الفرعية. فكأنما يد الملصق والخط العشوائي لا تترك منطقة أو زاوية أو جداراً إلا وتملأه بالشعارات والإعلانات والملصقات.

وفي كل مكان على امتداد شاطئنا، تتعدّى بعض المنتجعات والمجمـّعات البحرية والفنادق على الأملاك العامة البحرية بشكل كلّي أو جزئي، فلا تترك مجالاً للمواطن ولا حتى للسلطة العامة بالتصرّف أو التنقّل في هذه الأملاك.

ومؤخراً، أُضيف مشهد إلى سلسلة المشاهد الكثيرة من التعدّي على الأملاك العامة، ألا وهو احتلال الساحات العامة والمكوث فيها وشغلها للسكن والإستعمال المتماديين!

كلّ ذلك يطرح مشكلة كبيرة وعميقة الأثر في مجتمعنا ألا وهي ظاهرة التعدّي على الأملاك العامة التي يبدو أنها أصبحت عادة متأصّلة في مجتمعنا اللبناني، وأصبحنا معتادين عليها إلى درجة أننا نمرّ عليها مرور الكرام.

سرقة الكهرباء إحدى العادات المتجذرة في المجتمع اللبناني

سرقة الكهرباء إحدى العادات المتجذرة في المجتمع اللبناني

ما هي الأملاك العامة؟

 

باختصار هي كل الأملاك التي ليست ملكاً خاصاً لأحد بل هي ملك للدولة أو للبلديات، والتي يمكن وصفها بالتالي أنها “ملك لجميع المواطنين”. وتُعتبَر أملاكاً عامة الطرقات والشوارع والساحات والأرصفة وخطوط الكهرباء والهاتف والمياه والشواطئ، مع الإشارة هنا إلى الوضعية الخاصة للشواطئ في لبنان حيث أن الشريط الساحلي الذي لا يتعدى طوله الـ 220 كلم والذي من المفترض أن تكون النسبة الأكبر فيه متاحة لجميع المواطنين، نجد أن هذه النسبة الأكبر هي على العكس من ذلك غير متاح الوصول إليها للجمهور إلا بعد دفع رسوم دخول معينة.

حالة متجذّرة وقديمة

يمكن اعتبار سوء تعامل المواطن مع الممتلكات العامة ظاهرة لبنانية ميّزت مجتمعنا منذ وقت طويل وخاصة بعد اندلاع الحرب وحتى الآن، وهي للأسف ظاهرة شاملة إذ أنها تشمل المناطق اللبنانية كافة بنفس النمط من ذهنية التعدّي وعدم احترام الملكية العامة، وبشكل نسبيّ بين منطقة وأخرى. إن احترام أو التعدي على الأملاك العامة يمكن النظر إليه من عدة زوايا:

1- الزاوية القانونية: فالقانون هو الذي يحدّد الأملاك العامة ويحميها وينظّم أسلوب التعاطي معها. ومن هنا فالمواطن محكوم (ولو نظرياً!) بالتقيّد بالقانون الذي ينظّم علاقته بهذه الأملاك، والسلطة لها الحق القانوني بالتصرّف واستعمال وحماية تلك الأملاك. وهنا تظهر إشكالية من جانب المواطن الذي يتعدّى حيناً ويستهتر أحياناً في تعامله مع الأملاك العامة، وكذلك من جانب الدولة التي قد تمتنع، لسبب أو لآخر، عن حماية تلك الأملاك أو إزالة التعدّيات عليها بعد حصولها.

وهنا تجدر الإشارة إلى بعض ما لحظه القانون اللبناني في شأن التعدي على الساحات والطرق العامة مثلاً، فقانون العقوبات اللبناني أشار في المادتين ٧٥٠ و ٧٥١ منه إلى معاقبة كلّ مَن أقدم على تخريب الساحات والطرق العامة أو سدّ الطريق من دون رادع من السلطة بوضعه عليها أي شيء يمنع حرية المرور وسلامته، بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة من مائة ألف إلى مليون ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

2- الزاوية النفسية: فهناك نظرة تقليدية متوارثة ومستمرة لدى أغلب المواطنين، تنظر إلى الأملاك العامة كأملاك يمكن التصرف أو التعدّي عليها، أو في أحسن الأحوال الإستهتار بها. وفي الوقت الذي يبدو فيه ظاهراً من قبل الجمهور احترام الملكية الخاصة، فإن التعدي على الأملاك العامة لا يعدّ من المحرّمات بل هو “شطارة”. والملك العام في أغلب الحالات غير محترم، و”الشاطر” هو من يستخلص حصته منه، مع الحرص على عدم الإنكشاف أمام الجهات المسؤولة. وهذه “الحالة النفسية” يمكن إرجاعها إلى رغبة في “الإنتقام من الدولة” وخاصة من قبل الشرائح الإجتماعية المحبطة اقتصادياً أو اجتماعياً، مع ما يرافق هذا الإحباط من مسلكيات وتعدّيات وكسر للأنظمة والقوانين. هذا الأمر يوصلنا إلى الزاوية الثالثة.

3- علاقة المواطن بالدولة: فمن منطلق التهاون القانوني في التعامل مع الأملاك العامة ومن منطلق النظرة إلى تلك الأملاك على أنها أقلّ حرمة من الأملاك الخاصة، نجد أن نظرة اللبناني هذه جزء من علاقته الأشمل مع الدولة بمؤسساتها وأملاكها. إذ يأخذ المواطن دائماً على الدولة مآخذ جمـّة تكاد تشمل كل نواحي حياته ومعاناته، وهو لا يثق بها ويحذّر من جميع أعمالها التي يضعها في خانة الشك أو المآخذ المسبقة. ويعتبر أن الدولة، في الكثير من مواقعها ومؤسساتها، سلطة محسوبيات وأشخاص مستفيدين من مراكزهم ليس إلاّ. ومن هنا يأتي التعامل من قبل المواطن نفسه مع الأملاك العامة التي تخصّ هذه الدولة، مع العلم أن التعدّي على الأملاك العامة ليس تعدياً فقط على أملاك الدولة، بل هو في جوهره تعدٍّ على حقوق مواطنين آخرين.

مخالفات البناء

هذه الظاهرة منتشرة بشكل واسع في لبنان، وهي تتضمّن:

1- البناء على أملاك عامة أو على أجزاء منها، أو استعمال مساحات عامة لأغراض الإستفادة الخاصة. ونورد هنا مثلين معهودين:

الأول : البناء الذي يتعدّى على الطريق العام، أو الذي لا يحترم المسافات الواجب مراعاتها بين مبنى وآخر.

الثاني : استخدام الأرصفة المتواجدة أمام محال تجارية أو صناعية لعرض البضائع والعمل، ويلاحَظ أن التعديات على الأرصفة أصبحت أمراً معتاداً إلى درجة باتت معها الأرصفة حقاً مكتسباً للمتعدّين!

2- مخالفة رخص البناء بما يتسبّب بأضرار على الأملاك العامة أو البلدية أو الخاصة، فبالرغم من صدور تراخيص قانونية يخالف صاحب المبنى شروطه بما يتسبّب بأضرار عديدة.

3- عدم اتباع شروط وطرق التنظيم المدني، وما ينتج عنه من إنشاء أبنية غير متناسقة وغير مرتبة تتميّز بألوان وأشكال واصطفافات متنافرة.

التعدّي على الأملاك العامة البحرية والنهرية

إن حالات التعدّي على الأملاك العامة البحرية والنهرية هي من أبرز ظواهر مخالفات البناء والتعدّي على الأملاك العمومية في لبنان، وذلك أولاً بسبب انتشار هذه المشكلة على طول الساحل اللبناني وعلى العديد من مجاري الأنهار، وثانياً بسبب المبالغ الطائلة التي يجري الحديث دائماً عن إمكانية تحصيلها من قبل الدولة في حال تمّت تسوية هذه المخالفات. فهذه التعديات تغطّي أكثر من 20 مليون متر مربع من الأملاك العامة النهرية و8 ملايين متر مربع من الأملاك العامة البحرية، كما أن إحدى اللجان النيابية قد توصّلت في السابق إلى أن مردود استثمار هذه الأملاك، إذا تمّ تطبيقه، سيعود بـ700 مليار ليرة لبنانية سنوياً على مالية الدولة.

استعمال  الجدران العامة للصق الإعلانات والشعارات والصور

وتبرز هذه الظاهرة خلال الحملات الإنتخابية والدعايات السياسية والمناسبات الوطنية والحزبية (وما أكثرها!)، كما أن المناسبات الفنية تلقي بعبئها على الجدران العامة من خلال الصور والإعلانات. وفي معظم الأحيان، لا يحمّل اللاصق لتلك الإعلانات والملصقات نفسه عبء إزالتها بالرغم من أنها ممنوعة. والطريف أنه في حالة الملصقات الإنتخابية، حيث يقوم مرشّحون نيابيون وبلديون بترشيح أنفسهم للقيام بالخدمة العامة (؟) ويملأون الجدران بصورهم وشعاراتهم، لا تتمّ إزالة صور هؤلاء المرشحين إلا بعد وقت طويل من انتهاء العمليات الإنتخابية وإلا بعد توجيه إنذارات لهم من قبل الجهات المختصة، هذا إذا أُزيلت أصلاً.

إن هذه الظاهرة تبرز استسهال بعض المواطنين الكتابة على الجدران العامة للإعلان والتسويق أو حتى التسلية.

إحتلال الساحات: بين التعبير الديموقراطي وانتهاك الأملاك العامة

من اعتصام قوى 8 آذار في وسط بيروت في 2006

من اعتصام قوى 8 آذار في وسط بيروت في 2006

بدأت الساحات العامة في لبنان “تُخصّص” للإعتصامات الإعتراضية منذ أكثر من عامين، فمن تحرّك قوى ١٤ آذار في عام ٢٠٠٥ والذي بقي ٧٢ يوماً في ساحة الشهداء إلى اعتصام قوى 8 آذار في وسط بيروت بين كانون الأول ٢٠٠٦ وأيار ٢٠٠٨، تعددت أوجه هذه الظاهرة. وبالطبع، فإن المواطنين المعتصمين لا يضعون أنفسهم في خانة المخالفين لأحكام القانون من ناحية تعدّيهم على الساحات العامة المخصصة لكلّ المواطنين، وهم يعتبرون، ووفق توجّهاتهم السياسية، أنهم يخدمون قضيتهم. كما أنهم ينظرون إلى هذا الأمر بصفته تعدياً “مشروعاً” مارسته وتمارسه كل فئة من المجتمع اللبناني على أملاك عامة هنا وهناك على اعتبار أن لكلّ فئة “الحق” في استخدام تلك الأملاك بما أنها عمومية، وبما أن “عرفاً ما” بات معمولاً به في هذا الشأن. وللأسف فإن هذا الأمر غير غريب في مجتمعنا، إذ أنه التعبير الجليّ عن النظرة اللبنانية لا بل العربية إلى كل ما هو عامّ.

ولا بدّ هنا من التذكير بما ينص ّ عليه القانون اللبناني في مثل هذه الحالات، فقانون العقوبات إعتبر في المادة ٣٤٦ منه أن كل حشد أو موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور، يعدّ تجمعاً للشغب ويعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة، إذا تألّف من ٧ أشخاص على الأقل بقصد الإحتجاج على قرار أو تدبير اتخذته السلطات العامة بقصد الضغط عليها. ولكن واقع الحال يقول بأن استعمال الأماكن العامة – ومن قبل كل الأطراف – للإحتجاج والضغط المؤقّت أصبح أمراً اعتيادياً!

إن كثيرين من بيننا يعتبرون انتهاك الأملاك العامة مصدراً للمفاخرة ومقياساً للنفوذ والقوة، فمن ضروب القوة والنفوذ لدى هؤلاء أن يتخطى المرء حدود القوانين والأنظمة دون عقاب. ولذا يبقى تطبيق القانون وتحويله من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية هو الحلّ وهو الحامي للممتلكات العامـّة. فمفهوم احترام الأملاك العامة يجب أن يكرَّس لدى الجمهور ليصبح راسخاً لدى الأجيال المتعاقبة. كما أن التطبيق يجب أن يصاحبه قمع المخالفات والتعدّيات وفرض الغرامات من قبل السلطات المختصة على كل المخالفين ومن دون استثناء. ولعلّ يوماً يأتي تتحوّل فيه الممتلكات العامة من أملاك سائبة إلى أملاك يحترمها الجميع.

 ربيع داغر

حق المواطن في الإطلاع على المستندات الرسمية: الطريق إلى المساءلة

المساءلة والشفافية، كلمتان إنضمّتا إلى قافلة التعابير المستهلكة، كالوفاق الوطني والتعايش ودولة القانون والمؤسسات، فأصبحتا غريبتين عن المعنى المرتجى. والسبب في ذلك عدم اقترانهما بآلية عملية في اتجاه تمكين المواطن من ممارسة حق المساءلة بموازاة سلطة وإدارة تلتزمان الشفافية. لذا، فإن مقاربة الموضوع من زاوية الإدارة، لا بدّ من أن تطرح مفهوماً يرتبط بحق أساسي من حقوق المواطن، ونعني به هنا الحق في الإطلاع. هذا المفهوم الذي يكوِّن في الواقع آلية متماسكة وعمليّة في اتجاه المساءلة.

 Password-lock-2

لكن ما المقصود بـ (حق الإطلاع)؟ إنه حق كل مواطن بالإطلاع على أي معلومات لها علاقة بالمعاملات والسجلات الرسمية أو بالشؤون البلدية والتي ترتبط مباشرة بمصالحه والتي يحقّ له الإطلاع عليها. ولكن كم من المواطنين لديهم المعرفة الكافية عن هذه المعاملات؟ وما هو سبب عدم المعرفة بالسجلات التي يحقّ للمواطن الإطلاع عليها؟ أهو غياب الوعي أم غياب قانون حق الإطلاع؟ وما هي المرجعية في مواجهة إعاقة المعلومات؟ أهي الواسطة (عبر معرفة النافذين أو الرشوة المالية) أم تقديم الشكاوى؟

تُعتبر حرية الحصول على المعلومات, وبالتحديد حرية الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات الحكومية والعامة, حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وجزءاً من حق حرية الرأي والتعبير. وقد قامت العديد من الدول التي تسير في نهج تعزيز الديمقراطية والحريات بتبنّي قوانين حرية المعلومات أو هي في خضمّ عملية الإعداد لذلك. ويأتي هذا التوجّه العام انطلاقاً من مبدأ أن توفر المعلومات ضروري للديمقراطية، فالديمقراطية من حيث الأساس تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فاعل في عملية صنع القرارات التي تؤثر بهم. كما أنها تتجلى بحقّ كل مواطن بمراقبة أعمال قادته وتقدير أداء الحكومة والإدارات التابعة لها، وذلك لا يمكن أن يتمّ إلا بالتمكّن من على الحصول على المعلومات المتعلقة بكل الأمور ذات الإهتمام العام. ,لا ننسى أن حرية الإطلاع على المعلومات بإمكانها أن تشكّل أداة رئيسية في مكافحة الفساد والأخطاء التي تقع في الإدارات، إذ بوسع الصحفيين الذين يعملون في مجال التحقيق والمنظمات غير الحكومية استخدام حق الحصول على المعلومات لكشف الأخطاء والمساعدة على اجتثاثها.

 folders

إن أهمية الحق في الإطلاع تتخطّى المواطن الفرد في علاقته المباشرة بالإدارة إلى الأداء العام لتلك الإدارة، هذا الأداء الذي يرتبط بمفاهيم أخرى كالشفافية والمحاسبة والمساءلة والإثراء غير المشروع والمعاني السياسية والقضائية المتأتية عنها. وبالتالي، فإن الحق في الإطلاع يكون أساساً بالغ الأهمية في ما يسمّى (دولة القانون)، وذلك من زاوية كونه آلية تتيح الحصول على المعلومات التي من شأنها إتاحة المراقبة الشفافة، وبالتالي المساءلة.

لكن هذا الحقّ تعترض ممارسته عوائق في النصوص وفي الممارسة، إضافة إلى ضرورة التنبّه إلى الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحق في الإطلاع وبين الحرية الشخصية والحياة الخاصة.

حق الإطّلاع في المبدأ

 

في المبدأ، يجمع المتعاملون مع المعلومات على الاعتراف بهذا الحق. حتى إن المتضررين من تكريسه أنفسهم يخشون البوح بخلاف ذلك.

تاريخياً فقد ظهر هذا المبدأ لأول مرة في السويد منذ ما لا يقل عن قرنين. إلا أن الإعتراف الدولي والرسمي بهذا المفهوم لم يظهر فعلياً إلا بدءاً من أواسط القرن الماضي. فمنذ عام 1946، إعتمدت الأمم المتحدة في أحد قراراتها مبدأ حرية المعلومات، معتبرة أنه من حقوق الإنسان الأساسية.

وفي عام 1948 جاءت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتكرّس هذا الحق، وإن لم ترد الإشارة إليه بصورة صريحة:

المادة 19: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة دون التقيّد بالحدود الجغرافية”.

وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1966 وانضم لبنان إليه عام 1972، تكرّر الرقم 19 (وكأنه أصبح مرادفا لحرية المعلومات، وهو ما حدا بمجموعة غير حكومية بأن تطلق على نفسها تسمية Article 19) حيث نصّت المادة 19 منه على ما يلي:

“لكل إنسان الحق في حرية التعبير، الأمر الذي يوليه الحرية في طلب جميع أنواع المعلومات والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة يختارها”.

وفي عام 1993، أنشأت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مكتب “المقرّر الخاص حول حرية الرأي والتعبير”. وفي عام 1998، جاء في التقرير السنوي للمقرر المذكور:

“إن حق طلب المعلومات والحصول عليها وبثّها يفرض على الدول موجب تأمين الوصول إلى المعلومات”.

وفي الكومنولث، وفي آذار 1999، صدرت وثيقة تؤكّد أن حرية المعلومات يجب أن تتيح لكل فرد الحصول على السجلات والمعلومات التي بمتناول السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أو بمتناول أي مؤسسة أو هيئة ذات صفة عامة.

أما الإتحاد الأوروبي، فيبدو أقل حماسة لتكريس الحق في الاطلاع على نحو آلي أو واسع، وخصوصاً أن المادة العاشرة من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان الذي يكفل هذا الحق، يترك المجال واسعا أمام التفسيرات الضيقة.

879651_31330332

وفي حين تتطرّق دساتير بعض الدول إلى هذا الحق، فمن المهم أن نشير إلى التحوّل الخطير في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تكرّس حقّ الاطلاع بموجب ما يعرف بقانون حرية المعلومات أو Freedom of Information Act. فبعد أحداث 11 أيلول المؤسفة، جرى تجميد السواد الأعظم من أحكام هذا القانون بحيث سقطت الحرية لمصلحة الأمن، وهو ما طُبّق في دول أخرى لم تتوانَ عن التذرّع بالأمن للتضييق على الحرية.

أما في لبنان، فقد كرّس الدستور في المادة 13 منه حرية التعبير قولاً وكتابة، لكنه لم يتطرّق عام 1926 إلى الحق في الإطلاع. لكن الأمر اختلف بعد إضافة مقدّمة الدستور بعد اتفاق الطائف. هذه المقدمة تشير بصورة واضحة إلى أن “لبنان ملتزم مواثيق منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الانسان”.

هذا النص يعني أن المادة 19 من الإعلان العالمي، وبصورة أخص المادة 19 من العهد الدولي الخاص، لهما قيمة دستورية. بالتالي من المهم التشديد على أن أي قانون لا ينطبق على المعايير الدولية التي تكرّس هذا الحق، يكون قابلاً للطعن بهدف الإبطال أمام المجلس الدستوري.

كيف يتعاطى المواطن مع حق الإطلاع على المعلومات؟

عملياً، وفي غياب أي تشريع داخلي حول الموضوع، كيف يتعاطى المواطن وكيف تتعاطى الإدارة وكيف يتعاطى القضاء مع حق الإطلاع على المستندات الرسمية؟

والمقصود هنا بالمستندات الرسمية، المستندات التي يمسكها القطاع العام أو المؤسسات ذات الطابع أو الصفة العامة، مع إمكان أن تكون بعض هذه المستندات تتعلق بأفراد.

والواقع أن القانون اللبناني والممارسة الإدارية تتيح، في غياب أي نص تنظيمي، إدراج هذه المستندات والسجلات ضمن  مجموعات أربع:

– المجموعة الأولى: السجلات الرسمية المعدّة أصلاً لإطلاع الجمهور. مثلاً: السجل العقاري والسجل التجاري.

– المجموعة الثانية: السجلات والمستندات التي يمكن طلب وإعطاء المعلومات في شأنها لأصحاب العلاقة مباشرة أو لوكيل خاص مفوّض أو بأمر من المحكمة. مثلاً: السجل العدلي.

– المجموعة الثالثة: السجلات والمستندات التي تكون سرية لمرحلة معينة ثم يصبح ممكناً الإطلاع عليها. مثلاً: التحقيق الأولي، وبعض الأسرار العسكرية.

– المجموعة الرابعة: السجلات والمستندات والمعلومات السرية، وأهمها ما يتعلق بالدفاع والإستخبارات.

access-to-personal-info

ولكن كيف يتعاطى المواطن مع المعلومات؟ وكيف يمكنه أن يمارس حقّه في الاطلاع، تأميناً للمساءلة والشفافية؟

في الحالات الخاصة، حيث الموضوع يتعلق بأفراد أو بمصالح خاصة، فحقّ الإطلاع يبقى محصوراً بأصحاب العلاقة، علماً أن هذا الحق ليس منظماً في القانون اللبناني إلا ضمن الحد الأدنى الذي يسمح لصاحب العلاقة بأن يطّلع على السجلات العامة وإذا رغب في الحصول على معلومات أخرى، وجب عليه مراجعة القضاء، وهذا أمر مشروع لحماية الحياة الخاصة والشخصية.

أما على مستوى الحياة العامة، فلا بدّ من الإشارة إلى الدور الأساسي الذي يمكن أن تقوم الإدارات الرسمية به في هذا المجال. هنا تجب الإشارة إلى المراسيم الإشتراعية لعام 1959 التي ألزمت بعض إدارات الدولة، ولا سيما هيئات الرقابة، نشر تقاريرها السنوية. وهكذا مثلاً يُنشر تقرير ديوان المحاسبة وتقرير رئيس هيئة التفتيش المركزي ورئيس مجلس الخدمة المدنية. هذه التقارير التي تُرفع إلى رئيس مجلس الوزراء تُنشر إلزامياً في الجريدة الرسمية، تماماً كما تُنشر الموازنة وقطع الحساب السنويين.

والواقع أن حق المواطن في الإطلاع على المسائل العامة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الإعلام والصحافة، لكون المواطن العادي ربما لا يتنبّه إلى ما يعتور سلوك الإدارة من أخطاء أو مخالفات. والصحافة والإعلام يتجهان اليوم إلى ما يُسمّى الصحافة الإستقصائية. إن دور الإعلام في مراقبة عمل الإدارة هو أمر أساسي في هذا المجال، إضافة إلى الإعلام المتخصص الذي يعمل على تثقيف الناس على حقوقهم.

يبقى أن نشير أيضاً إلى دور أساسي يقوم المجتمع المدني به من خلال جمعيات أهلية تعمل على تعميم المعرفة الحقوقية البسيطة، من خلال منشورات ودورات وندوات.

 المراجع:

* زياد بارود: حق المواطن في الإطلاع (حرية الإطلاع على المعلومات – منشورات الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية)

* توبي مندل: حرية المعلومات – مسح قانوني مقارن (منشورات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة الاونيسكو)

الإعلام المرئي في الأوضاع المتشنجة: نقل وقائع… أم تأجيج؟

1001494_531416210240001_741135717_n

كانت الاشتباكات المسلحة، بين الجيش وأنصار الشيخ أحمد الأسير، محتدمة في عبرا، عندما بثّت إحدى القنوات التلفزيونية المحلية مقاطع فيديو «مباشرة من داخل مجمع الأسير»، تصوّر ضحايا أصيبوا بطلقات نارية في رؤوسهم.
وسرعان ما تهافتت معظم التلفزيونات على نقل المشاهد ذاتها، وفق توصيف مكاني أدقّ: «مسجد بلال بن رباح من عبرا، بعد سيطرة الجيش عليه». وفيما أشارت بعض القنوات إلى أن المشاهد منقولة عن «يوتيوب»، تم «حفظ حق النقل» عن التلفزيون «السبّاق» لدى قنوات أخرى.
ولا يخفى على أحد حساسية عرض مشاهد مماثلة، محورها شبان من فئة معينة من اللبنانيين، مقتولين «داخل مسجد»، في تلك اللحظة المؤججة بالذات، ووسط تحريض على الجيش، واتهامات بمشاركة «حزب الله» بالقتال إلى جانبه.
لكن بعد نحو ربع ساعة من بث المشاهد، بالتزامن مع فتح «الهواء المباشر» للتحليل، اعتذرت إحدى المحطات التلفزيونية عن بثها، معلنة أنها «صوَر قديمة لتفجير في أحد مساجد العراق».
وليس في ذلك تخل عن مسؤولية الإعلام في مراعاة السلم الأهلي، وعدم التجييش الطائفي والمذهبي فحسب، وإنما فيه ما يصيب المهنية الإعلامية للمستفيدين من امتياز الفضاء العام، عبر دخوله منازل المواطنين.
ويمكن لمتابع تقارير «الرصد الأسبوعي»، الذي تنجزه إحدى الشركات لمصلحة «المجلس الوطني للإعلام»، أن يجد توصيفات لبعض ما تبثه الشاشات اللبنانية.
تعتمد التقارير على 75 ساعة بث مرئي، و65 ساعة بث مسموع، كما تشمل المحطات المصنفة فئة أولى في لبنان.
ولا يخلو أحد التقارير، في ما يتعلّق بمضامين البرامج التلفزيونية الحوارية على التلفزيونات كافة، من توصيفات مثل «منافٍ للمهنية الإعلامية. اتهام أطراف لبنانية بالإرهاب. تشهير واستهزاء بالشخصية الفلانية. كلام مثير للنعرات الطائفية والمذهبية بامتياز. تحريض واضح وجلي. وسؤال موجه ومثير للغرائز. الخ..».
ولا تعفي تقارير الرصد نشرات الأخبار، التي تتحول مقدماتها إلى «آراء سياسية»، بعيدة «كل البعد عن حق المواطن بالإعلام والخبر المجرد».
ويورد التقرير أن «الشاشات، على اختلافها، تقدّم الخبر نفسه بطرق مختلفة، تنسجم مع توجهاتها السياسية، حتى يظن المشاهد أن الخبر لا يدور حول المعلومة ذاتها».
وبينما يرفض المسؤولون في التلفزيونات مضامين هذه التقارير، ويصفها بعضهم بـ«المخابراتية»، ترتسم على وجه بعض مقدمي البرامج التلفزيونية ابتسامة متواطئة، لدى سؤالهم عن تأثير الحلقات التي تشهد تراشقاً كلامياً، يصل في بعض الأحيان إلى حد التضارب بين الضيوف.
يعترف بعضهم بأنهم يلجأون لذلك عمداً لاعتقادهم أن حلقات مشابهة ترفع نسبة المشاهدين، وبالتالي ترتفع نسبة الإعلانات وتتغير أسعارها وتزداد شهرة الإعلامي، بالإضافة إلى أنها تحظى بمتابعة «نارية» على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلى النيابة العامة

يرى رئيس «المجلس الوطني للإعلام» عبد الهادي محفوظ، أن «التقارير التي يعدها المجلس تهدف إلى إطلاع الرأي العام والمؤسسات الإعلامية، على المخالفات التي يرتكبها الإعلام لتصويب الأداء الإعلامي».
ويشير إلى استخدام المؤسسات الإعلامية، «لغة غريبة عن الأدبيات اللبنانية، خصوصاً في موضوع الشتائم»، مشدداً على «ضرورة التمييز بين الخبر والرأي، إذ غالباً ما تتضمن مقدمات الأخبار مقاييس تتناقض مع الشفافية والقانون».
ويعتبر أن المعالجة تكون بالحوار مع المؤسسات الإعلامية، التي تتباين في نسبة التجاوب، مؤكداً أن ما يهدد «هذه المؤسسات ليس التقارير، بل المخالفات التي ترتكبها».
ويقول إن «المجلس قد يعمد إلى تحويل تقاريره إلى النيابة العامة التمييزية، لأن الانقسام السياسي في البلاد يحول دون وجود قرار لدى السلطة التنفيذية، التي لا تمتلك إرادة واحدة تمكنها من تنفيذ توصيات المجلس خارج الاستنسابية السياسية».
يضيف أن معظم المؤسسات الإعلامية، تنتسب إلى الفريقين السياسيين الرئيسيين في لبنان، أو ترتبط بجهات خارجية، معرباً عن تفاؤله بـ«مشروع القانون الجديد، الذي يمنح المجلس صلاحيات كاملة تمكنه من تنفيذ القرارات التي تصدر عنه مباشرة من دون المرور على الحكومة».
وينص المشروع على إيجاد محكمة إعلامية، للبت بين المجلس والمؤسسات الإعلامية التي قد تعترض على قراراته، «وعندها لن يكون هناك أي حماية أو استنسابية سياسية، وهذه تجربة مستقاة من فرنسا»، وفق محفوظ.

تجاوزات.. سالكة

ثمة تقرير رفعه «المجلس الوطني للإعلام» إلى مجلس الوزراء، مطالباً بوقف بث أحد البرامج الحوارية المهمة لمدة يحددها القانون، بمثابة عقاب على التجاوزات الخطيرة التي تضمنتها إحدى حلقاته.
لكن التقرير رُمي في أدراج الحكومة مثل تقارير عدة أخرى مشابهة، وفق منظومة تسمح لكل فريق سياسي بحماية المؤسسة الإعلامية المحسوبة عليه، فيما يداري رجال السياسة المؤسسات الإعلامية والإعلاميين الذين يحرصون على عدم معاداتهم. ويمكن تصوّر «الهمروجة» التي تلي اتخاذ أي إجراء بعنوان «حرية الإعلام والتعبير».
وعلى سبيل المثال لا الحصر، عدد التقرير الذي طلب معاقبة البرنامج الحواري، مخالفات حلقته كالتالي: عدم المحافظة على النظام العام ومقتضيات المصلحة العامة، فضلا عن احترام الشخصية الإنسانية وحرية الغير، والطابع التعددي للتعبير عن الأفكار والآراء والموضوعية في بث الأخبار والأحداث.
بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن البرنامج «لم يلتزم بعدم بث كل ما من شأنه أن يؤدي إلى ترويج لعلاقة مع العدوّ الصهيوني، وخالف الفقرة التاسعة، التي تنص على عدم بث أو نقل كل ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية، أو الحض عليها أو كل ما من شأنه أن يدفع بالمجتمع، وخاصة بالأولاد، إلى العنف الجسدي والمعنوي، والانحراف الخلقي والإرهاب والتفرقة العنصرية أو الدينية».
ويسأل مصدر رسمي مطلع ومعني بموضوع الإعلام، عن «السبب الذي منع الحكومة من اتخاذ قرار بمعاقبة البرنامج موضوع التقرير»، لافتاً إلى أن «المخالفات ذاتها ترتكبها معظم البرامج الحوارية، وعدم المعاقبة وفق القانون، هو ما يشجع على ارتكاب المزيد منها».

«تقارير استخبارية»

يرفض المسؤولون في المؤسسات الإعلامية، تقارير «المجلس الوطني للإعلام» جملة وتفصيلاً. ويؤكد كل منهم أن محطته بعيدة كل البعد عن اتهامات مماثلة: «نضبط برامجنا ونشراتنا الإخبارية على إيقاع الموضوعية والواقعية، ونقوم بنقل ما يحصل على ألأرض».
وتصف مديرة الأخبار في تلفزيون «الجديد»، مريم البسام، تقارير المجلس الوطني بـ«التقارير المخابراتية، وعندنا شكوى عليهم وعلى تقاريرهم». وتسأل: «لماذا يكلف المجلس شركة خاصة بإنجاز التقارير ويمنحها موازنة، بينما هناك عشرة أعضاء من الكتبة؟ ماذا يفعلون وما هي وظيفتهم؟».
من جهته، يعرب مدير الأخبار والبرامج السياسية في قناة «إم تي في»، غياث يزبك، عن عدم ثقته بالتقارير ذاتها، معتبراً أن «معدّيها غير مهيئين مهنياً لإنجازها، وليس لديهم معايير حول أخلاق المهنة». ويطالب، كما البسام، بأن يقوم أعضاء المجلس بهذه المهمة، «لأنهم أصحاب كعب عال ومتفرغون وليس لديهم أي دور آخر يقومون به».
ويتحفظ يزيك على نشر مضامين التقارير في وسائل الإعلام، مشيراً إلى «وجود عبارات مجتزأة أحياناً، ويتم تفسيرها بشكل يشوه المعنى ويغيره».
وتعليقاً على تقارير «المجلس الوطني للإعلام»، يرى رئيس مجلس إدارة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بيار الضاهر، أنه «عندما توصف كل التلفزيونات بالتعابير نفسها، فهذا يعني أن هناك خطأ إما في القانون أو في تطبيقه، خصوصاً أنه وُضع في العام 1994 حيث كانت الأجواء في البلاد مختلفة».

«اللبنانية للإرسال» و«المنار»

يرفض الضاهر تحميل وسائل الإعلام مسؤولية الأوضاع المتشنجة في البلاد، قائلاً «إننا نسمع الكلام نفسه منذ العام 1975، وكأن الإعلام هو من أوجد الحرب».
ويرى أن الإعلام «ينقل ما يحصل في لبنان فقط لا غير، وتأتي الاتهامات لتوحي كأنه لا مشكلة طائفية وسياسية واصطفاف، ودول تتدخل في مسائلنا ورفض للرأي الآخر، كأننا نحن من نخترع كل هذا».
ويقول الضاهر إن «المُشاهد الحرّ يستطيع أن يبدّل القناة التي لا يريدها»، سائلاً: «ألا تصب تصريحات السياسيين في خانة التجييش المذهبي؟».
إلى ذلك، يعتبر المدير العام لتلفزيون «المنار»، عبدالله قصير، أن «المنار تتجنب استضافة أشخاص معروفين بكلامهم الذي يسبب التوتر، وخصوصاً عندما يمر لبنان بظروف حساسة ودقيقة، ولكننا لا نستطيع أن نضمن ضيوفنا مئة في المئة، نحن نلفت نظرهم ولكن بعضهم لا يلتزم».
ويؤكد أن «المنار» تعتمد «أجندة تراعي التنوع، حتى أننا استضفنا صحافيين محسوبين على تيار «المستقبل»، والنائبين محمد الحجار ومحمد قباني». شاكياً «عدم استجابة من يختلفون مع سياسة المحطة لتلبية الدعوات، إذ غالباً ما يعتذرون بذريعة الانشغال».
ويقول «إننا لا ندّعي التزام الحيادية، حيث لا حيادية في الإعلام وكل وسائل الإعلام لديها أجندة سياسية، لكننا نحاول مراعاة الموضوعية والمصداقية، ونركز على عدم بث أي خبر من شأنه توتير البلاد مذهبياً وطائفياً».

«الجديد» و«إم. تي. في»

تحمّل البسام مسؤولية الاتهامات التي تساق ضد وسائل الإعلام المرئية، للإعلام المكتوب: «أصبحوا بلا رحمة، ويمارسون التقوى الإعلامية».
وترى أن الإعلام المرئي يتعرض للظلم والإساءات، بينما يتلقى مراسلوه الضربات في الشارع، ويعانون من المناطق المغلقة على هذه الجهة أو تلك».
وبعد تعدادها أمثلة عن مخاطر ومضايقات يتعرض لها مندوبو «الجديد»، تشير إلى أنها لن تسكت على أي اتهامات بعد اليوم «وسوف نرد»، معتبرة أن «الإعلام المكتوب يحرض على التلفزيونات، ويضعنا في عين العاصفة المجنونة».
وترى أن ما تنقله التلفزيونات، ليس سوى «حال البلد، ونحن لا يمكننا أن نخرج من الواقع والحالة المتوترة والانقسامات التي تفرض أسماءها علينا». وتذكّر بأن الإعلام ليس «من خلق الأسير بل الدولة هي من فاوضته، كما أن وزير الداخلية مروان شربل زار النائب محمد كبارة في اليوم الذي طلب فيه رئيس الجمهورية رفع الحصانة عنه». وتؤكد البسام أن نشرة أخبار «الجديد» تخضع لأقصى أنواع الضبط، وتتجنب الفتنة.
بدوره، يقول يزبك إن أجندة «إم تي في وطنية، وخطها الوطني كان يعتبر رديفاً للمنار في ما يتعلق برفض الاحتلال الإسرائيلي ومناهضته، حتى حلول العام ألفين».
يضيف أن «المحطة تستلهم قناعاتها الوطنية من صلب الدستور اللبناني»، مشيراً إلى أنها «لا ننتمي لأحد سياسياً، بل نبحث عن لبنان متعدد يجب أن يتباهى بغنى هويته الثقافية والاجتماعية، وبكونه ملجأ لكل طالب حرية في العالم وخاصة في الشرق».
ويؤكد أن المحطة تحرص، عندما تختار ضيوفها، على تمثيل كل فئة لتعبر عن آرائها، وثمة «صعوبات، غالباً، في استضافة مسؤولين من الصف ألأول، فتتم استضافة شخصيات تمثلهم».
لكن المسؤولين في المحطة، وفق يزبك، تصيبهم الصدمة عندما يلجأ بعض الضيوف إلى «الشتم، فنحاول أن نكون صارمين معهم، ونمتنع عن استضافتهم مرة ثانية»، معتبراً أن «الإفلاس طال الشخصيات التي تتمتع بوزن وتجربة».
ويلفت إلى «وجود منظومة قيم وقوانين وأعراف وقواعد مداسة في لبنان، وليس هناك ميثاق أخلاقي لممارسة المهنة»، مؤكداً أن «وسائل الإعلام المرئية ستعمل على إثارة الغرائز ومحاربة الآخر، ما دامت تنطق باسم جهات سياسية».

«المستقبل»

يعتبر مدير الأخبار في تلفزيون «المستقبل»، عماد عاصي، أن وسائل الإعلام تعكس الواقع السياسي، مؤكداً أن «تلفزيون المستقبل، ونسبة لانتمائه لتيار عابر للطوائف، هو المؤسسة الوحيدة في البلاد البعيدة عن الطائفية والمذهبية».
ويشير إلى أن «هناك أحداثاً طائفية ومذهبية تحصل، لكننا ننقلها بعد محاولتنا التخفيف من لغتها الطائفية قدر الإمكان»، لافتاً إلى «لجوء بعض الوسائل الإعلامية إلى تغطية أحداث توتير مذهبي، فتضطر التلفزيونات الأخرى إلى اللحاق بها، وتتحول التغطية إلى سبق صحافي لاستقطاب هذه الفئة أو تلك لأهداف إعلانية».
ويؤكد أن «جمهور المستقبل يعتب عليه لأنه لا يلجأ إلى التوتير المذهبي والطائفي».

جماهير… لا جمهور

يرى الدكتور في كلية الإعلام في «الجامعة اللبنانية»، ومعد ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الأهلي في لبنان مع «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، محمود طربيه، أنه «لا جمهور في لبنان، بل جماهير مقسمة حسب التلفزيونات الموجودة، حيث نعرف توجه الشخص من المحطة التي يشاهدها».
ويشير إلى أن الجماهير تتابع المحطات «التي تشبهها وتشبع ميولها السياسية والطائفية والمذهبية». وكي تحافظ التلفزيونات على التنافس والاستقطاب، وفق طربيه، تلجأ إلى مخزون من المصطلحات ذات النبرة العالية، وتضخ «اتهامات مخيفة في مقدمات نشرات الأخبار والبرامج الحوارية».
ويشير إلى أن «وسائل التواصل الاجتماعي تستكمل نقل الجو المتوتر مذهبياً وسياسياً، إذ تبث أي حلقة قد تلاقي صدىً وتمكن الجماهير من متابعتها في حال تفويتها».
ويرى أن الإعلام «ليس مرآة للواقع كما يقولون، لأنه حالياً يعكس جزءاً من هذا الواقع وليس كله، حيث كرست المحطات اللبنانية تقليداً خاصاُ بها لا يدرس في أي كلية إعلام في العالم، في ظل غياب وازع ذاتي لدى المحطات».

بقلم سعدى علوه – نقلاً عن جريدة السفير عدد 12 تموز 2013