حق المواطن في الإطلاع على المستندات الرسمية: الطريق إلى المساءلة

المساءلة والشفافية، كلمتان إنضمّتا إلى قافلة التعابير المستهلكة، كالوفاق الوطني والتعايش ودولة القانون والمؤسسات، فأصبحتا غريبتين عن المعنى المرتجى. والسبب في ذلك عدم اقترانهما بآلية عملية في اتجاه تمكين المواطن من ممارسة حق المساءلة بموازاة سلطة وإدارة تلتزمان الشفافية. لذا، فإن مقاربة الموضوع من زاوية الإدارة، لا بدّ من أن تطرح مفهوماً يرتبط بحق أساسي من حقوق المواطن، ونعني به هنا الحق في الإطلاع. هذا المفهوم الذي يكوِّن في الواقع آلية متماسكة وعمليّة في اتجاه المساءلة.

 Password-lock-2

لكن ما المقصود بـ (حق الإطلاع)؟ إنه حق كل مواطن بالإطلاع على أي معلومات لها علاقة بالمعاملات والسجلات الرسمية أو بالشؤون البلدية والتي ترتبط مباشرة بمصالحه والتي يحقّ له الإطلاع عليها. ولكن كم من المواطنين لديهم المعرفة الكافية عن هذه المعاملات؟ وما هو سبب عدم المعرفة بالسجلات التي يحقّ للمواطن الإطلاع عليها؟ أهو غياب الوعي أم غياب قانون حق الإطلاع؟ وما هي المرجعية في مواجهة إعاقة المعلومات؟ أهي الواسطة (عبر معرفة النافذين أو الرشوة المالية) أم تقديم الشكاوى؟

تُعتبر حرية الحصول على المعلومات, وبالتحديد حرية الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات الحكومية والعامة, حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وجزءاً من حق حرية الرأي والتعبير. وقد قامت العديد من الدول التي تسير في نهج تعزيز الديمقراطية والحريات بتبنّي قوانين حرية المعلومات أو هي في خضمّ عملية الإعداد لذلك. ويأتي هذا التوجّه العام انطلاقاً من مبدأ أن توفر المعلومات ضروري للديمقراطية، فالديمقراطية من حيث الأساس تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فاعل في عملية صنع القرارات التي تؤثر بهم. كما أنها تتجلى بحقّ كل مواطن بمراقبة أعمال قادته وتقدير أداء الحكومة والإدارات التابعة لها، وذلك لا يمكن أن يتمّ إلا بالتمكّن من على الحصول على المعلومات المتعلقة بكل الأمور ذات الإهتمام العام. ,لا ننسى أن حرية الإطلاع على المعلومات بإمكانها أن تشكّل أداة رئيسية في مكافحة الفساد والأخطاء التي تقع في الإدارات، إذ بوسع الصحفيين الذين يعملون في مجال التحقيق والمنظمات غير الحكومية استخدام حق الحصول على المعلومات لكشف الأخطاء والمساعدة على اجتثاثها.

 folders

إن أهمية الحق في الإطلاع تتخطّى المواطن الفرد في علاقته المباشرة بالإدارة إلى الأداء العام لتلك الإدارة، هذا الأداء الذي يرتبط بمفاهيم أخرى كالشفافية والمحاسبة والمساءلة والإثراء غير المشروع والمعاني السياسية والقضائية المتأتية عنها. وبالتالي، فإن الحق في الإطلاع يكون أساساً بالغ الأهمية في ما يسمّى (دولة القانون)، وذلك من زاوية كونه آلية تتيح الحصول على المعلومات التي من شأنها إتاحة المراقبة الشفافة، وبالتالي المساءلة.

لكن هذا الحقّ تعترض ممارسته عوائق في النصوص وفي الممارسة، إضافة إلى ضرورة التنبّه إلى الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحق في الإطلاع وبين الحرية الشخصية والحياة الخاصة.

حق الإطّلاع في المبدأ

 

في المبدأ، يجمع المتعاملون مع المعلومات على الاعتراف بهذا الحق. حتى إن المتضررين من تكريسه أنفسهم يخشون البوح بخلاف ذلك.

تاريخياً فقد ظهر هذا المبدأ لأول مرة في السويد منذ ما لا يقل عن قرنين. إلا أن الإعتراف الدولي والرسمي بهذا المفهوم لم يظهر فعلياً إلا بدءاً من أواسط القرن الماضي. فمنذ عام 1946، إعتمدت الأمم المتحدة في أحد قراراتها مبدأ حرية المعلومات، معتبرة أنه من حقوق الإنسان الأساسية.

وفي عام 1948 جاءت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتكرّس هذا الحق، وإن لم ترد الإشارة إليه بصورة صريحة:

المادة 19: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة دون التقيّد بالحدود الجغرافية”.

وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1966 وانضم لبنان إليه عام 1972، تكرّر الرقم 19 (وكأنه أصبح مرادفا لحرية المعلومات، وهو ما حدا بمجموعة غير حكومية بأن تطلق على نفسها تسمية Article 19) حيث نصّت المادة 19 منه على ما يلي:

“لكل إنسان الحق في حرية التعبير، الأمر الذي يوليه الحرية في طلب جميع أنواع المعلومات والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة يختارها”.

وفي عام 1993، أنشأت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مكتب “المقرّر الخاص حول حرية الرأي والتعبير”. وفي عام 1998، جاء في التقرير السنوي للمقرر المذكور:

“إن حق طلب المعلومات والحصول عليها وبثّها يفرض على الدول موجب تأمين الوصول إلى المعلومات”.

وفي الكومنولث، وفي آذار 1999، صدرت وثيقة تؤكّد أن حرية المعلومات يجب أن تتيح لكل فرد الحصول على السجلات والمعلومات التي بمتناول السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أو بمتناول أي مؤسسة أو هيئة ذات صفة عامة.

أما الإتحاد الأوروبي، فيبدو أقل حماسة لتكريس الحق في الاطلاع على نحو آلي أو واسع، وخصوصاً أن المادة العاشرة من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان الذي يكفل هذا الحق، يترك المجال واسعا أمام التفسيرات الضيقة.

879651_31330332

وفي حين تتطرّق دساتير بعض الدول إلى هذا الحق، فمن المهم أن نشير إلى التحوّل الخطير في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تكرّس حقّ الاطلاع بموجب ما يعرف بقانون حرية المعلومات أو Freedom of Information Act. فبعد أحداث 11 أيلول المؤسفة، جرى تجميد السواد الأعظم من أحكام هذا القانون بحيث سقطت الحرية لمصلحة الأمن، وهو ما طُبّق في دول أخرى لم تتوانَ عن التذرّع بالأمن للتضييق على الحرية.

أما في لبنان، فقد كرّس الدستور في المادة 13 منه حرية التعبير قولاً وكتابة، لكنه لم يتطرّق عام 1926 إلى الحق في الإطلاع. لكن الأمر اختلف بعد إضافة مقدّمة الدستور بعد اتفاق الطائف. هذه المقدمة تشير بصورة واضحة إلى أن “لبنان ملتزم مواثيق منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الانسان”.

هذا النص يعني أن المادة 19 من الإعلان العالمي، وبصورة أخص المادة 19 من العهد الدولي الخاص، لهما قيمة دستورية. بالتالي من المهم التشديد على أن أي قانون لا ينطبق على المعايير الدولية التي تكرّس هذا الحق، يكون قابلاً للطعن بهدف الإبطال أمام المجلس الدستوري.

كيف يتعاطى المواطن مع حق الإطلاع على المعلومات؟

عملياً، وفي غياب أي تشريع داخلي حول الموضوع، كيف يتعاطى المواطن وكيف تتعاطى الإدارة وكيف يتعاطى القضاء مع حق الإطلاع على المستندات الرسمية؟

والمقصود هنا بالمستندات الرسمية، المستندات التي يمسكها القطاع العام أو المؤسسات ذات الطابع أو الصفة العامة، مع إمكان أن تكون بعض هذه المستندات تتعلق بأفراد.

والواقع أن القانون اللبناني والممارسة الإدارية تتيح، في غياب أي نص تنظيمي، إدراج هذه المستندات والسجلات ضمن  مجموعات أربع:

– المجموعة الأولى: السجلات الرسمية المعدّة أصلاً لإطلاع الجمهور. مثلاً: السجل العقاري والسجل التجاري.

– المجموعة الثانية: السجلات والمستندات التي يمكن طلب وإعطاء المعلومات في شأنها لأصحاب العلاقة مباشرة أو لوكيل خاص مفوّض أو بأمر من المحكمة. مثلاً: السجل العدلي.

– المجموعة الثالثة: السجلات والمستندات التي تكون سرية لمرحلة معينة ثم يصبح ممكناً الإطلاع عليها. مثلاً: التحقيق الأولي، وبعض الأسرار العسكرية.

– المجموعة الرابعة: السجلات والمستندات والمعلومات السرية، وأهمها ما يتعلق بالدفاع والإستخبارات.

access-to-personal-info

ولكن كيف يتعاطى المواطن مع المعلومات؟ وكيف يمكنه أن يمارس حقّه في الاطلاع، تأميناً للمساءلة والشفافية؟

في الحالات الخاصة، حيث الموضوع يتعلق بأفراد أو بمصالح خاصة، فحقّ الإطلاع يبقى محصوراً بأصحاب العلاقة، علماً أن هذا الحق ليس منظماً في القانون اللبناني إلا ضمن الحد الأدنى الذي يسمح لصاحب العلاقة بأن يطّلع على السجلات العامة وإذا رغب في الحصول على معلومات أخرى، وجب عليه مراجعة القضاء، وهذا أمر مشروع لحماية الحياة الخاصة والشخصية.

أما على مستوى الحياة العامة، فلا بدّ من الإشارة إلى الدور الأساسي الذي يمكن أن تقوم الإدارات الرسمية به في هذا المجال. هنا تجب الإشارة إلى المراسيم الإشتراعية لعام 1959 التي ألزمت بعض إدارات الدولة، ولا سيما هيئات الرقابة، نشر تقاريرها السنوية. وهكذا مثلاً يُنشر تقرير ديوان المحاسبة وتقرير رئيس هيئة التفتيش المركزي ورئيس مجلس الخدمة المدنية. هذه التقارير التي تُرفع إلى رئيس مجلس الوزراء تُنشر إلزامياً في الجريدة الرسمية، تماماً كما تُنشر الموازنة وقطع الحساب السنويين.

والواقع أن حق المواطن في الإطلاع على المسائل العامة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الإعلام والصحافة، لكون المواطن العادي ربما لا يتنبّه إلى ما يعتور سلوك الإدارة من أخطاء أو مخالفات. والصحافة والإعلام يتجهان اليوم إلى ما يُسمّى الصحافة الإستقصائية. إن دور الإعلام في مراقبة عمل الإدارة هو أمر أساسي في هذا المجال، إضافة إلى الإعلام المتخصص الذي يعمل على تثقيف الناس على حقوقهم.

يبقى أن نشير أيضاً إلى دور أساسي يقوم المجتمع المدني به من خلال جمعيات أهلية تعمل على تعميم المعرفة الحقوقية البسيطة، من خلال منشورات ودورات وندوات.

 المراجع:

* زياد بارود: حق المواطن في الإطلاع (حرية الإطلاع على المعلومات – منشورات الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية)

* توبي مندل: حرية المعلومات – مسح قانوني مقارن (منشورات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة الاونيسكو)

Advertisements

Tagged: , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: