تأثير الإعتماد المفرط على السيارة

sayr khanek

أصبحت الحوادث المرورية وما ينتج عنها من خسائر بشرية ومادية من أبرز المشكلات التي تواجهها الدول والمجتمعات. وتتّضح هذه المشكلة بشكل حادّ في البلدان النامية. ويُتوقع بحلول عام 2020 أن ترتفع نسبة الوفيات بسبب الحوادث المرورية في بلدان العالم النامي إلى حوالى 80 ٪ مما هي عليه الآن.

وقد اكتسبت فكرة التقليل من استخدام السيارات والإعتماد المفرط عليها، كجزء من عملية مكافحة حوداث السير على الطرقات والحدّ منها، أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة. وأصبح لدى الدول في أميركا وأوروبا خطط عمل في هذا المجال. فاستراتيجية الدول المتقدمة تهدف إلى خفض عدد السيارات الخاصة التي تدخل إلى مراكز المدن الرئيسية، خاصة في ساعات الذروة. فقد ثبت لديهم من الواقع العمليّ فائدة هذا الإجراء في خفض المشاكل المرورية ورفع مستوى السلامة على الطرق.

وتسعى بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تقليل الإعتماد على استخدام السيارات الخاصة داخل المدن الرئيسية، عن طريق أساليب مختلفة، منها تشجيع استخدام وسائل النقل العام واستحداث قوانين لذلك، وفرض رسوم مرتفعة على وقوف السيارات في وسط المدن. كما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية مليارات الدولارات على تطوير مرفق النقل العام وزيادة كفاءته، فهناك نحو 300 حافلة نقل عام لكل مائة ألف نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى وسائل النقل العام الأخرى مثل مترو الأنفاق.

ومن المعلوم أن من أهم سبل رفع مستوى السلامة المرورية التي ينبغي الأخذ بها، الإهتمام بوسائل النقل العام ورفع كفاءتها للتقليل من الإعتماد على السيارة الخاصة، والتحوّل إلى وسائل النقل العام الآمنة، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض دول شرق آسيا.

  

المشاكل الناتجة عن الإعتماد المفرط على السيارة

 يترافق الإستعمال الكثيف للسيارات بمشاكل عديدة:

أولاً: الأخطار البيئية: 

1- تؤدي السيارات إلى تلوّث الهواء المحليّ بسبب انبعاث الغازات السامة كاوكسيد النتروجين, اوكسيد الكبريت والمُركّبات العضويّة المتطايرة التي تؤثّر على صحّتنا.

2- تساهم السيارات بالمشاكل البيئية العالمية التي تهدّد استقرار كوكب الأرض, مثل المطر الحمضيّ وارتفاع حرارة الأرض الناتج عن زيادة نسبة ثاني اوكسيد الكربون، حيث أن 25 % من انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون في لبنان مصدرها قطاع النقل.

3- تساهم السيارات في التلوّث الضوضائي, وخاصة في لبنان, بسبب ازدحام السير وكثرة التزمير والمحرّكات القديمة.

4- تُخلّف السيارات كمية كبيرة من النفايات الصلبة والسائلة التي تلوّث الهواء والماء وتتلف القيمة الجمالية للأراضي، من هذه النفايات: زيوت السيارات, الإطارات المستخدمة, بطّاريات السيارات وهياكل المركبات.

ثانياً: الأخطار الإجتماعية الإقتصادية والصحية:

 

1- تسبّب كثرة السيارات ازدحاماً في السير مما يؤدّي إلى سلوك سلبيّ لدى السائقين (توتّر, عدائيّة, الخ..).

2- يشكّل ازدحام السير مضيعة للوقت على الطريق مما يخفّض الفاعليّة والإنتاجيّة، والإرتفاع المتزايد في أزمة السير يسبّب خسارة هائلة في الإنتاجيّة تُقدَّر بملايين ساعات العمل سنوياً.

3- تكاليف نقل عالية واستهلاك للموارد (تكلّف السيارة في البلاد المتقدمة 7000 $ في السنة).

4- عدد السيارات الكبير والإدارة الضعيفة للمرور تزيد من خطر الحوادث، ومن المعروف أن ضحايا حوادث السير في لبنان يزيدون على 600 قتيل و10 آلاف جريح كل عام.

5- تصل كلفة الأمراض والوفيات بسبب تلوّث الهواء في لبنان إلى 130 مليون دولار في السنة.

6- أعلى إنفاق للدولة هو لصيانة وإعادة تأهيل وبناء الطرق والاوتوسترادات لاستيعاب عدد السيارات المتزايد.

حقائق عن النقل البري في لبنان 

1- يبلغ معدّل ملكية السيارات في لبنان حوالى سيارة واحدة لكلّ ثلاثة أشخاص، وهذا المعدّل هو من الأعلى في العالم حتى بين البلدان المتقدمة، وهذه نتيجة لعقلية “لكل فرد سيارة” السائدة.

2- هنالك حوالى 1,3 مليون سيارة في لبنان، ومعظمها قديمة نسبياً وصيانتها رديئة.

3- هناك حوالى 900 ألف سيارة خاصة (أي 90 % من كلّ المركبات) ومتوسّط عمرها 14 سنة.

4- عدد الباصات العاملة التابعة لمصلحة السكك الحديد والنقل المشترك انخفض في الأعوام الماضية من 200 باص إلى ما دون المائة.

5- يستهلك قطاع النقل حوالى 45 % من مجمل المنتجات النفطيّة المستوردة.

6- تتمّ يومياً 1.75 مليون رحلة في المركبات ضمن منطقة بيروت الكبرى, 68 % منها تتمّ بالسيارة (هذه النسبة المئوية لاستعمال السيارة الخاصة عالية جداً, حتى بالنسبة إلى البلدان المتقدّمة حيث لا ينبغي أن تتجاوز هذه النسبة 50 %).

7- من المتوقّع أن تزيد الرحلات اليومية بالسيارة في منطقة بيروت الكبرى إلى خمس ملايين رحلة في 2015.

8- هناك حوالى 38 ألف نمرة حمراء في لبنان, بينما لا تتجاوز حاجة النقل العامّ أكثر من 18 ألف نمرة حمراء.

9- تتراوح نسبة الجزيئات في الهواء في بعض مناطق بيروت بين 102 إلى 291 ميكروغرام/م3 بينما المستوى الآمن لنسبة الجزيئات هو 75 ميكروغرام/ م3 (من المعروف بأن هذه الجزيئات هي من مسبّبات سرطان الرئة).

10- في بعض مناطق بيروت يتجاوز الضجيج 75 ديسيبيل (وحدة قياس قوة الصوت) بينما معدّل الضجيج في هكذا مناطق لا يجب أن يتجاوز 72 ديسيبيل.

11- أنفقت الدولة حوالى 26,1 مليون دولار للصيانة ولإعادة تأهيل وبناء الطرق والاوتوسترادات في العام 2000, وحوالى 564.3 مليون دولار في الفترة الممتدة بين 1991و2000.

za7meh

استراتيجية “إدارة الطلب على النقل” في لبنان

لا حلّ للواقع السيء الذي ذكرنا جوانبه السيئة آنفاً إلا بوضع استراتيجية وطنية شاملة للنقل المستدام، وذلك بالتعاون بين وزارات الأشغال العامة والطاقة والداخلية والبيئة ومجلس الإنماء والإعمار واللجنة النيابية للأشغال العامة والنقل، إضافة إلى البلديات والمنظمات المدنية والجمعيات التي تُعنى بالبيئة.

استراتيجية “إدارة الطلب على النقل” التي قامت باقتراحها “جمعية الخط الأخضر” تهدف للتخفيف من استعمال السيارات وتشجيع استخدام طرق النقل الصديقة للبيئة (النقل العام، استخدام الدراجات، المشي…) من خلال:

– تحسين إدارة ونوعية النقل العام.

– تحسين البنية التحتية لتشجيع النقل غير الآلي (كالأرصفة للمشاة).

– إيجاد إدارة جيدة للمواصلات من خلال فرض قوانين السير.

– تنظيم المواقف العامة للسيارات.

– فرض إلزامية المعاينة الميكانيكية للسيارات على أن تكون جيدة وموثوقة.

محاسن تبنّي هذه الاستراتيجية تتضمن الآتي:

– التخفيف من نسبة تلوث الهواء حتى 80 %، ومن التلوث الضوضائي حتى 50 % في أماكن تطبيق الخطة.

– التخفيف من زحمة السير، وبالتالي الزيادة بإنتاجية المجتمع والتخفيف من التوتر لدى المتنقلين.

– التقليل من مصاريف الحكومة على شقّ وبناء الطرق وصيانتها.

– التوفير على المستهلك من تكاليف صيانة وتشغيل سيارته.

– الزيادة في السلامة العامة على الطرقات، كون قلة السيارات تعني تلوثاً أقلّ، سرعة أقلّ، وعدائية أقلّ، مما يؤدّي إلى طرقات سالمة.

– التحسين في خيارات النقل: سيصبح بإمكان المواطنين، حتى الذين لا يستخدمون النقل العام، أن يستخدموا هذا الخيار البيئي في الحالات الطارئة.

– تأمين النقل العام للأشخاص المعوّقين جسدياً وغير الميسورين.

– الإستخدام الفعّال للأراضي: التقليل من شقّ طرقات وإنشاء مواقف للسيارات، وذلك لقلة الطلب، مما يؤدّي الى استعمال الأراضي المتوافرة بشكل فعّال أكثر.

– التنمية الإقتصادية: مثل انجذاب السائح أو المتنزّه إلى الأماكن التي لا تجوبها السيارات مثل وسط المدينة.

يوم من دون سيارات

“يوم من دون سيارات” هو حملة بيئية إبتدأ تطبيقها في فرنسا في سنة 1998، وتهدف إلى التخفيف من تلوث الهواء الناتج عن الإعتماد المفرط عليها. منذ ذلك الوقت انتشر هذا النوع من الحملات في معظم المدن الأوروربية الكبرى، إضافة إلى العديد من دول العالم ككندا وكولومبيا. والموعد السنوي لـ “اليوم بدون سيارات- Car-free Day” يقع بين 16 و22 أيلول من كل عام، والمنظّمون يريدون عبر هذه الحملة أن يؤكدوا للناس أنه في إمكانهم التمتع بيوم جميل من دون استخدام سياراتهم، والتعريف بمنافع “النقل المستدام” عبر الإعتماد على الأقدام كأحد بدائل التنقل في المدينة.

يبدو أننا أصبحنا بحاجة لمثل هذا النشاط في لبنان مع تحوّل مدننا وشوارعنا إلى كراج كبير يسيطر عليه أسطول بري جامح من السيارات التي تثقل هواءنا بكمّيات كبيرة من الملوّثات على أنواعها وتملأ رئاتنا بالأمراض. ولعلّ إقامة “يوم من دون سيارات” لمرة واحدة في السنة بتنظيم من البلديات وتنسيق مع الجمعيات البيئية سيمثّل بداية جيدة نحو مواجهة خطر التلوّث الناتج عن السيارات والتوعية حول فوائد استخدام النقل العام أو مجرد المشي بدلاً من الإعتماد المفرط على السيارات.

Advertisements

Tagged: , , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: