Monthly Archives: August 2013

الرشوة في الإدارات الرسمية: هيدا جونا هيدا نحنا

٤٩% من اللبنانيين يلجأون إلى دفع الرشاوى بهدف تسريع معاملاتهم الإدارية في الدوائر الرسمية. هذا ما توصلت إليه دراسة أعدتها الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية عن مستويات الفساد في لبنان في ٢٠١٣.

مع الأسف فإن واقع الحياة العملية في لبنان يدل على مأساة حقيقية نعيشها كل يوم إسمها الرشوة أو “الإكرامية”، والتي تقف حائلاً بين المواطن وبين معاملته القانونية. وعلى الرغم من الجهود المبذولة من قبل هيئات المجتمع المدني للتوعية حول مخاطر هذه الظاهرة وأضرارها على المجتمع والإقتصاد وسمعة الدولة، إلا أن ظاهرة الرشوة في لبنان تكاد تكون “سيدة الميدان” في معظم الإدارات والمصالح الحكومية.

bribery

تُعدّ الرشوة بأشكالها المختلفة من الأمراض المجتمعية الخطيرة التي تنمو في ظل فساد إداري ومجتمعي بعيد عن الرقابة الفعالة بل بعيد عن أي وازع ديني وأخلاقي قد يكفي لخلق رقابة ذاتية ربما تُعدّ الأكثر جدوى من أية رقابة أخرى قد تفرضها القوانين والأنظمة والمتابعات الإدارية الأخرى.

الأبعاد الإجتماعية للرشوة

ولو أردنا تبسيط وصف الرشوة فيمكن القول إنها أحد أخطر “الثقوب” التي تستنزف خزائن الدول وجيوب الشعوب في الوقت عينه. وللرشوة أبعاد اجتماعية متعددة، بعد إقتصادي – مالي، وبعد حقوقي، وبعد مسلكي-أخلاقي.

البعد الإقتصادي – المالي يكمن في أن الموظفين المرتشين يستنزفون خزينة الدولة في عملية تحصيل رسومها من المواطنين ذوي العلاقة. هذا بالطبع شكل واحد من أشكال الرشوة وطريقة نهب مال الدولة.

فالموظف المرتشي مستعد دوماً للإقدام على فعل الغش في مسؤوليته الرسمية في مقابل مبلغ محدد من المال يتلقاه من مواطن صاحب علاقة بمعاملة رسمية ما. ومثال على ذلك: تاجر بناء (وهم كثر اليوم) يلجأ إلى الموظف المسؤول عن تحديد القيمة التأجيرية لشققه التي ينوي بيعها. في المقابل، الموظف الفاسد مستعد كل الاستعداد للكذب على نفسه ودولته بتدوين مساحة كل شقة أقل بكثير من مساحتها الفعلية.

والنتيجة هي: الموظف المرتشي قبض الرشوة والتاجر “الفاجر” دفع قليلاً من ماله ولكن بالمقابل، ربح الكثير من جرّاء تهربه من دفع الرسم الفعلي للدولة كضريبة على ممتلكاته. أما الخاسر الوحيد في هذه المعادلة المنحطة فهي الدولة، وبطلاها مجرمان اثنان أحدهما مفسد وثانيهما فاسد.

في البعد الحقوقي، الموظف الفاسد أخذ مالاً لا حقّ له فيه. فحق الموظف الرسمي هو راتبه وما قد يتبع ذلك من امتيازات قانونية تقدمها له الدولة. أما أي مبلغ يدخل إلى جيب الموظف الرسمي خارج ما تحدده له دولته هو مال حرام يجب أن يحاسبه عليه القانون. والمواطن الذي ارتكب فعل الرشوة قام بالتلاعب والالتفاف على حقوق دولته عليه، بالتواطؤ مع الموظف المرتشي.

الأمر المهم هو أن حق الدولة في نهاية الطريق هو حق الشعب، فإن الدولة المسيّبة حقوقها هي بالضرورة مسيبة لحقوق شعبها. تقول النظرية العلمية “كل ما يبدأ خطأ سوف ينتهي بالضرورة بالخطأ”. ويعتقد كبار الباحثين الإقتصاديين في لبنان إن تخلّف الدولة عن قيامها بواجباتها تجاه شعبها سببه الأول الفساد.

في البعد المسلكي- الأخلاقي، بحسب رأي علم الإقتصاد وعلم الإجتماع معاً، المرتكز الأساسي والأول لدولة فعالة وعادلة وناهضة متطورة هو الأخلاق. المجرم ليس فقط من يقتل إنساناً. القتل جريمة فردية لها أسبابها ودوافعها العديدة، أما المواطن الذي يُقدم على فعل الرشوة والموظف المرتشي كلاهما مجرم بحق شعب بأكمله.

الفساد الإداري في لبنان: هيدا جونا هيدا نحنا!

 Bestikkels

بناءً على بحث أكاديمي قامت به دائرة الإقتصاد في إحدى الجامعات اللبنانية حول الرشوة في لبنان، يؤكد البحث أن مجموع ما سُرق ونُهب من مال من داخل أجهزة الدولة وخارجها منذ العام ١٩٩٢ إلى اليوم يشكّل أكثر من ٤٠% من الدين العام الملقى على أكتاف الشعب اللبناني وهو الآن في جيوب اللصوص والفاسدين.

ولا مبالغة في القول إن الرشوة باتت أمراً معروفاً بل بديهياً في معظم الدوائر الرسمية. فالموظف تجده لا يتحرك إلا إذا وعدته بمنفعة مادية أو معنوية. فعلى سبيل المثال لو ذهب شخصان لإنجاز معاملة قانونية الأول يحمل كتاب توصية من وزير والثاني يحمل منفعة مادية، تُرى من ينجز معاملته أولاً ؟ بالطبع المنفعة المادية تسبق كل شيء. والغالبية الكبرى من الموظفين تجدهم يحبون تلقّي “الإكراميات”. وكلمة إكرامية هي تجميل للحقيقة المرة لكلمة “رشوة “.

ولكن نتساءل عن الأسباب التي تؤدي إلى فعل الرشوة وما هي الخطوات التدبيرية التي يجب أن تتخذ لمحاربة هذه الآفة التي تهز كيان الإدارات العامة للدولة. ذلك أن الإتجار بالوظيفة العامة واستغلالها للمصلحة الشخصية للموظف هو أساس جريمة الرشوة ولذلك فقد نصت المادة ٣٥١ من قانون العقوبات اللبناني على ما يلي:”كل موظف وكل شخص نُدب إلى خدمة عامة سواء بالإنتخاب أو بالتعيين وكل امرىء كُلف مهمة رسمية كالحَكم والخبير والتمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات”.

كما نصت المادة ٣٥٢ من القانون نفسه:”كل شخص من الأشخاص السابق ذكرهم التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدّعي أنه داخل في وظيفته أو ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة”.

نرى من خلال هاتين المادتين أن القانون ميّز في المادة الأولى مَن يقبل الرشوة لأداء خدمة قانونية تقتضيها وظيفته التي هو أساساً مسخّر لأداء الخدمات فيها. أما في المادة الثانية فقد أشار القانون إلى استغلال الوظيفة لأداء ما هو مخالف للقانون وللوظيفة. إذن فالقانون نصّ على معاقبة الراشي والمرتشي، لكن هل طُبقت هذه المادة أم بقي روح النص يعيش بلا جسد يطبق عليه العقوبة؟

والطامة الكبرى تكمن في الدوائر العقارية اللبنانية. الحقيقة أنه مهما تكلمنا عن سوء حال موظفيها لا نعطي أحداً حقه في هذه الدوائر. الأمر ليس من تحت الطاولة، بل هناك مافيات تعمل بشكل علني اللهم بعض الموظفين المتحضرين في منازلهم وليس في دائرتهم!

الأمر الذي لا ينفي وجود الفساد وانتشار ثقافة الارتشاء في سائر الإدارات، من أقلام النفوس وجباية الضرائب وحتى وصولاً إلى المحاكم الدينية!

أسباب الرشوة

يعمد البعض إلى تفسير انتشار ظاهرة الرشوة من خلال التركيز على الأسباب التالية:

– عدم التناسب بين الرواتب وغلاء المعيشة.

– عدم وجود رقابة صارمة على الموظفين.

– خوف صاحب المصلحة من إهمال معاملته يدفعه إلى عرض الرشوة.

– عدم وجود نظام صحيح للحوافز لدى الموظفين.

Photo3

يقول رجل الدولة الكبير شارل ديغول:”إذا كنت أريد أن أبني دولة راقية ومتطورة يجب أن يكون جميع المسؤولين فيها لا جيوب في سراويلهم ولا مذلّة في قلوبهم”.

والحقيقة أنه مهما قلنا عن إصلاحات وحلول وقوانين، فالرشوة داء عضال لا يمكن الشفاء منه إلا من خلال إصلاح الفرد وتهذيبه وتعليمه، ابتداءً من أصغر موظف في الدولة وصولاً إلى أعلى المناصب. ولا قيام لدولة ما دمنا نعيش وسط غابة من اللصوص وعديمي الكرامة، ولا يمكن بناء إدارة فعّالة وشريفة وساهرة على شؤون شعبها، ما دامت أجهزتها الرسمية مسخّرة لجيوب الفاسدين والعديمي الأخلاق.

شوارع طرابلس: فوضى عارمة وتنظيم مفقود

IMG_9393

بقلم: مطيعة الحلاق

ربما تكون “الفوضى الغير خلاقة” هي خير توصيف لحال طرقات مدينة طرابلس وشوارعها هذه الأيام. ويخطىء من يظنّ أن أسباب هذه الفوضى تقتصر فقط على ورش تأهيل الطرقات والأرصفة التي تقوم بها شركة “BATCO” والتي بات يخيل للطرابلسيين أنها قدرهم ومصيرهم إلى أبد الآبدين نظراً لاستمرار هذه الورش  منذ مدة  طويلة جاوزت السنتين في أعمالها.

هناك أسباب عديدة للفوضى التي نتناولها في هذا المقام. فإذا بدأنا بذكر أشكال الفوضى اللائحة تطول، ولن تكون زحمة السير الخانقة وقلة تنظيم المرور على رأس اللائحة، خاصة مع عدم وجود خطة سير واضحة للمدينة لا سيما في ساعات الذروة الصباحية أو عند الظهيرة وخلال الموسم المدرسي وزحمة باصات الطلاب. ولن يكون آخر هذه الأسباب انعدام وجود الإشارات المرورية الضوئية في طرابلس رغم أن هياكلها ما زالت صامدة في بعض تقاطعات المدينة.

فتنظيم السير في طرابلس لا يعني فقط وقوف شرطي السير عند الإشارات والتقاطعات المهمة والساحات المزدحمة، رغم إننا نلاحظ غياب شرطة المرور في الكثير من الأوقات في بعض النقاط المزدحمة خاصة في المدخل الجنوبي لطرابلس عند مستديرة النور. بل إن تنظيم السير يعني أيضاً وضع خطة متكاملة للطرق وكيفية دخول السيارات وخروجها في الشوارع الفرعية وتحديد اتجاهات السير في هذه الشوارع حيث أن الطرقات الفرعية باتجاه واحد تساعد كثيراً في التخفيف من الزحمة. هذا بالإضافة إلى منع الوقوف في خط  ثانٍ سواء إلى يمين أو يسار الطريق وهذا كثيراً ما نراه في المدينة.

IMG_9390

ولا بد أيضاً من ذكر الدراجات النارية التي ربما تكون هي الطامة الكبرى. حيث إنها لا تخضع في أي ظرف من الظروف لأي من قواعد السير أو السرعة أو السلامة العامة أو عبور الأرصفة. حيث نجد الدراجات النارية لا تلتزم بإشارات المرور، هذا إذا كانت أصلاً لا تجتاز الشوارع والطرقات عكس اتجاه السير. كما أننا نجدها “تعربش” على الأرصفة وتمر فيها بسرعة تشكل خطراً على المشاة. هذا عدا عن أننا لا نرى أحداً من سائقي هذه الدراجات يعتمر خوذة الأمان على رأسه.

كذلك فإن  تنظيم المواقف العمومية أمر مهم للغاية وتحديد أماكن تواجد هذه المواقف خاصة المواقف التي تنقل الركاب إلى خارج طرابلس، مثال أن يكون موقف المنية وعكار عند المدخل الشمالي لطرابلس بينما تكون مواقف البترون وجبيل وبيروت إلى جنوب المدينة، ليجري بناءً على هذا منع الباصات بمختلف أحجامها من دخول المدينة، الأمر الذي يعني تلقائياً التخفيف من الإزدحام بدرجة كبيرة.

وإذا انتهينا من مشكلة السير نأتي إلى الأرصفة التي هي الأخرى تساهم في زيادة هذه الفوضى، حيث ما زلنا نجد الكثير من السيارات المتوقفة فوق الأرصفة بدل توقّفها إلى جانب الطريق. ثم نلحظ أحياناً كثيرة خروج واجهات المحلات التجارية إلى منتصف الأرصفة وعرض بعض أصحاب المحلات لبضاعتهم على الأرصفة، خاصة بائعي الخضار، مما يعيق حركة المارّة.

كما نلاحظ في الآونة الاخيرة مشكلة ارتفاع مستويات الأرصفة بشكل كبير، خاصة تلك التي قامت شركة “BATCO” بإعادة تأهيلها، حيث ارتفعت بعض الأرصفة إلى ثلاثين سنتيمتراً في مواقع كثيرة.

وفي طرابلس لا ممرات للمشاة، حيث يجتاز المارّة الشوارع في أي نقطة يريدونها مما قد يشكّل خطراً عليهم وعلى سائقي الآليات على حد سواء. كما أن توقّف عربات الخضار وانتشار بسطاتها بشكل عشوائي، لا سيما على طول الطرقات الرئيسية يزيد من الطين بلة وقد تسببت هذه الأخيرة بحوادث كثيرة سابقاً.

IMG_9364

ويجدر أن نذكر كذلك قضية النفايات التي خُصصت لها حاويات بأعداد محددة في كل شارع وحيّ، لكن الذي يحصل أن النفايات “تطوف” إلى خارج المستوعبات نظراً لعدم قدرتها على استيعاب كميات كبيرة منها. فتبدأ الأوساخ بالتراكم إلى جوانب الحاويات لتصل أحياناً إلى أمتار عديدة ممتدة حولها، مما يعني فوضى إضافية وعدم مراعاة شروط الصحة العامة، وما يزيد من تأثير المشكلة هو عدم وجود خطة واضحة وجدية لفرز النفايات وتوزيعها على حاويات خاصة بكل نوع منها.

كل هذه الامور تشكّل أزمة حقيقية في شوراع طرابلس وتنعكس سلباً على حياة المواطنين في المدينة وعلى البيئة العامة فيها. وإذا كان الأمر يجب أن يبدأ عبر وضع خطة سير محكمة ومدروسة، فإنه يجب كذلك أن يمر عبر قيام كل جهة رسمية أو محلية بواجباتها، كمثل قيام شرطة المرور بتطبيق القوانين التي حددتها وزارة الداخلية والبلديات بشكل صارم واتخاذ الإجراءات بحقّ المخالفين، ومنها استخدام البلدية لصلاحياتها في هذا الإطار كمثل نشر عناصر شرطة البلدية عند الحاجة.

ولكن الأمر يبدأ وينتهي وقبل كل شيء مع المواطن نفسه، وبمدى التزامه بالقوانين ومراعاته شروط السلامة العامة في قيادة سيارته أو آليته أو دراجته، وبمراعاة المشاة شروط سلامتهم في المرور وتنمية حس المواطنة لديهم وتعميق إيمان المواطنين بأن الإلتزام بالقوانين هو لمصلحتهم قبل كل شيء ولمصلحة الجميع تالياً.

هذه الأمور هي سلة متكاملة على الجميع تطبيقها في حياتهم اليومية. كما أنه على المدارس والجمعيات الكشفية ومؤسسات وجمعيات العمل المدني تقويتها لدى التلامذة والطلاب والشباب في سن مبكرة ليكبر التلميذ مواطناً مؤمناً بضرورة تفعيل روح المواطنة ويتعامل في حياته وسلوكياته بناء على هذه المبادىء المتعلقة بسلامة السير والحفاظ على النظام العام والصحة العامة وغيرها من الشروط المدنية التي تدعم حس المسؤولية عند المواطن منذ نعومة أظفاره في منزل والديه وبين أهله.

إنجازات المجلس النيابي خلال ٢٠١٢ قلة في التشريعات وسيطرة منطق المحاصصة

في مشهد يتكرر كل سنة مع افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب، كنا نرى “مطاحشة” بين أصحاب السعادة على رئاسة اللجان النيابية أو حيازة مقعد عضو فيها. حتى أن منهم من لا يُنزل يده ولا يتوقف عن المطالبة بإدراج إسمه في خانة إحداها، حتى يكون له ما يريد.

مَن يرى ممثلي الأمة يتقاتلون على عضوية اللجان يعتقد بأن العمل التشريعي لهؤلاء سيبلغ ذروته. إلا أن جردة بسيطة على الحضور والغياب، وكمية اقتراحات القوانين التي يتقدّمون بها، تكشف أن عدداً كبيراً منهم يعتبر اللجنة النيابية أشبه بـ “برستيج” يضيفها هؤلاء على سيرهم الذاتية.

33

لا مبالغة إذا قلنا بأن النواب يتصرفون مع لجانهم بكل استهتار: يحضرون متى أرادوا، ويتغيّبون متى يحلو لهم. منهم من لم يرَ قاعة الاجتماعات حتى، ولم يتشرف بالتعرّف على زملائه. يتم ذلك، في أغلب الأحيان، من دون تقديم عذر وفق ما نصّت عليه المادة ٦١ من النظام الداخلي لمجلس النواب، والتي تنص:”لا يجوز للنائب التغيب عن أكثر من جلستين إلا بعذر مشروع مسبق يسجل في قلم المجلس”. التقاعس عن حضور الجلسات، قاعدة لا تسري على الجميع طبعاً، إذ يحضر ثلث النواب على الأقل الإجتماعات بشكل منتظم، وهذا ما يضمن انعقادها، مع العلم أنه في أحيان كثيرة تطير الجلسات لعدم اكتمال النصاب فيها.

هذا من حيث حضور جلسات اللجان النيابية، أما من ناحية “إنجازات” المجلس خلال العام ٢٠١٢ فحدّث ولا حرج!

أعمال المجلس النيابي في ٢٠١٢

 

الملفت في هذا الصدد هو ضآلة الجهد التشريعي الحاصل في ٢٠١٢، إن من حيث عدد القوانين الصادرة أو دينامية عمل معظم اللجان النيابية. فقد بلغ عدد القوانين الصادرة والمنشورة في الجريدة الرسمية ٤٢ قانوناً تمّ إبطال أحدها بقرار من المجلس الدستوري (القرار المتعلق بإبطال القانون الخاص بترقية مفتشين في المديرية العامة للأمن العام الصادر في ١٣/١١/٢٠١٢). وعدد هذه القوانين يعكس في الواقع تراجعاً بالنسبة إلى سنة ٢٠١١ حيث صدر ٦٨ قانوناً. وإن بقي بحدود متوسط عدد القوانين الصادرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، حيث صدر ٤٨ قانوناً عام ٢٠٠٨، ١٤ قانوناً عام ٢٠٠٩، و٥٣ قانوناً عام ٢٠١٠.

هذا بالنسبة إلى عدد القوانين، أما فيما يتعلق بنوعها يقتضي علينا التمييز بين القوانين الداخلية والقوانين الآيلة إلى الإجازة للحكومة التصديق على اتفاقيات ومعاهدات دولية والتي تمثّل عادةً جزءاً هاماً من العمل التشريعي. فمن المعلوم أن هذه القوانين تتطلب جهداً تشريعياً محدوداً على أساس أن هذه الوثائق تتم صياغتها خارج لبنان وأن إجازة المصادقة عليها غالباً ما تقتصر على مادة واحدة. أما بخصوص القوانين الداخلية، فإنه يسوّغ تقسيمها إلى ثلاث فئات لجهة إنتاجيتها على صعيد تنظيم حياة المواطنين العامة:

– فئة أولى من القوانين وهي القوانين المجردة من أي مفعول على صعيد تنظيم الحياة العامة وهي القوانين التي تنظم عادةً أعمال الإدارة العامة كالقوانين الآيلة إلى تنظيم شؤون موظفيها المالية أو إلى تمويل الإدارات العامة أو القوانين ذات المفعول الرمزي.

– وفئة ثانية من القوانين وهي القوانين ذات المفعول السلبي أي القوانين الآيلة إلى الإعفاء من تطبيق أحكام قانونية أو إلى تعليق العمل بها.

– وفئة ثالثة من القوانين وهي القوانين الإيجابية على صعيد تنظيم الحياة العامة وهي القوانين الآيلة إلى إيجاد قواعد أو مؤسسات جديدة أو إلى تطوير النصوص المتوفرة في هذا الخصوص.

أقل من خمس مواد قانونية تنظيمية من كل نائب!

 

في نظرة شاملة إلى مجموع المواد التنظيمية (الموضوعة تحت الفئة الثالثة المذكورة آنفاً) التي أنجزها مجلس النواب، على تفاوت أهميتها، قد بلغت ٦٠٩ مواد أي ما يعادل ٤.٧ مادة لكل نائب. وإذا وضعنا جانباً قانون السير، وهو وحده يتألف من ٤٢٠ مادة غالبها يشكّل استعادة واضحة للمواد في القوانين السابقة والذي أشار وزير الداخلية إلى وجوب تجميده وتعديل بعض مواده نظراً لصعوبة تطبيقه، يهبط هذا المعدل إلى مادة ونصف لكل نائب! وهو المعدل نفسه الذي توصلت إليه دراسة عن قوانين ٢٠٠٥- ٢٠٠٦.

وعلى صعيد موازٍ، فمن المفيد التذكير بالمدة التي يستغرقها كل من هذه القوانين للوصول إلى الهيئة العامة لمجلس النواب. فبطء العمل على القوانين يؤشر على مدى نشاط هذا المجلس خاصة على صعيد اللجان. وعلى سبيل المثال، من المعلوم أن قانون السير قد صدر بعد عشر سنوات عمل، أي أن المشرّع عمل على ٤٢ مادة منه كل سنة!

وتبعاً لعملية حسابية بسيطة لمشاريع القوانين التي تمّ إقرارها في ٢٠١٢، أي المشاريع التي أحالتها الحكومة إلى المجلس النيابي وهي تتميز عن اقتراحات القوانين التي يقدمها النائب عادةً، ثبت أن المدة لإقرارها تراوحت بين ستة أشهر وست سنوات وأن المعدل العام هو حوالى سنتين وشهر. وتجدر الإشارة إلى أن إقرار المشاريع يبقى عموماً أسرع من إقرار اقتراحات القوانين إذ أن المشروع الصادر عن الحكومة يكون قد دُرس سابقاً من قبل معظم الأفرقاء وتمت الموافقة عليه داخلها.

 44

التقييم النوعي للأعمال التشريعية في ٢٠١٢

 

عند الإمعان في القوانين الـ ٤٢ الصادرة في ٢٠١٢ والمناقشات النيابية الدائرة خلال الجلسات التشريعية الخمسة التي جرت، يظهر بوضوح أن اعتبارات “النظام السياسي” بدت غالبةً بل مهيمنة على اعتبارات الدولة. والمقصود باعتبارات النظام، الإعتبارات التي يقوم عليها النظام من محاصصة بين زعماء الطوائف وزبائنية داخل الإدارات العامة، فيما أن المقصود باعتبارات الدولة هو تغليب المصالح العامة ضمن مبادئ المساواة والمواطنة. فمثلاً، تقود اعتبارات النظام النائب إلى إيلاء الإهتمام بآليات تعزيز فرص المحاصصة بين الزعماء والطوائف والمناطق وضمان نفوذها وإضعاف أجهزة الرقابة وتعزيز الإستنسابية، فيما تقوده اعتبارات الدولة على العكس من ذلك تماماً إلى التفكير بتنمية شاملة وتقوية القضاء وأجهزة الرقابة وإرساء تنظيمات أكثر ملاءمة للحياة اليومية والتعامل بين الناس وإعطاء المواطنين حقوقاً مكتسبة بهدف تمكينهم من المشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة. وبالطبع، ليس مستبعداً أن تكون خلفية بعض القوانين هي اعتبارات الدولة وأن تدعمها قوى سياسية معينة لسبب أو لآخر، فتتدخل قوى سياسية أخرى لتصحيح هذه القوانين على نحو يحول دون تعارضها مع مصالح النظام.

إعتبارات النظام حين تهيمن على المشهد العام

يشكل عدد القوانين وتصنيفها بحدّ ذاته دليلاً على هذا الأمر، فالتشريع ولا سيما التشريع في مسائل تنظيمية يبقى في حدّه الأدنى (١٢ قانوناً من أصل ٤٢). بالمقابل تحظى التشريعات الخاصة بالحقوق المالية للموظفين (وعلى رأسهم العسكر) وبتعيينهم وترقيتهم، إلى جانب التشريعات الآيلة إلى تمويل أجهزة الدولة حيزاً كبيراً من السياسة التشريعية، وكأنما هذه الأجهزة تهتم بخدمة نفسها أكثر مما تهتم بخدمة المواطنين.

والأهم من ذلك هو أن جردة القوانين أظهرت أن أربع منها خلال ٢٠١٢ آل إلى تعطيل قوانين سابقة أو إلى تعليق العمل بها، مما يؤشر إلى تعميم الشعور بأن القوانين ليست أبداً نهائية وأنه يمكن تعطيلها أو تعليق العمل بها بعد حين بقانون عفو عام أو ما شابهه. فكأنما المشرّع يشجع الناس على عدم الالتزام بكل ما تلزم به الدولة، وذلك من خلال قوانين تهدف إلى مسايرة المواطنين وإعطائهم خدمات آنية وغير قانونية كتخفيض الغرامات أو تقسيطها. وبالطبع فإن ذلك مخالف لمنطق الدولة بحيث يبدو القانون وكأنه يميّز ضد الذين يلتزمون به.

لقد أخذت المحاصصة، إن على صعيد زعامات الطوائف أو على صعيد المناطق، حيّزاً بارزاً من اهتمام نواب الأمة أثناء مناقشاتهم لمشاريع القوانين الإنمائية. فعلى سبيل المثال، وتحت غطاء الإنماء المتوازن، وفي خضم مناقشة مشاريع قوانين من بينها مشروع القانون الخاص بتمديد العمل بأحكام القانون رقم ٢٤٦ المتعلق بتخصيص اعتمادات لتنفيذ بعض المشاريع وأعمال الاستملاك والتجهيز. فإذ نجح نواب طرابلس وعكار في إقناع المجلس بإضافة اعتماد ١٠٠ مليون دولار لأوتوستراد الشمال في غضون دقائق ومن دون أي دراسة سابقة، دفع ذلك أحد نواب الجنوب بالقول “فليتعهد رئيس الحكومة بإعطاء ١٠٠ مليون دولار للجنوب”.

تالياً نسجل من خلال هذا المثال بأن المحاصصة تبدو أقوى من القانون، طالما أن لا بأس من مخالفة القانون شرط أن يستفيد الفرقاء من المخالفة بالدرجة نفسها. كما أن المحاصصة باتت مفهوماً يتم تفسير المفاهيم الدستورية على أساسه: وهذا ما نقرأه بوضوح من خلال المنحى الذي أخذه مفهوم الإنماء المتوازن في الخطاب العام. فالإنماء المتوازن أصبح يعني المحاصصة بين المناطق والطوائف فيما تبقى المعايير الأخرى كحاجات هذه المناطق أو درجة التضامن فيما بينها غائبة تماماً. وهكذا يصبح منطقياً أن يسجّل نائب ملاحظة بحفظ حق الجنوب بمائة مليون دولار أميركي في موازاة منح الشمال مبلغاً مماثلاً (مع العلم أنه حتى الساعة لم يستفد الشمال من أي جزء ولو صغير من هذه الأموال). أما الحرص على مبدأ المساواة فيتجلى فقط عند الحديث عن حقوق الطوائف أو بين أتباع الجهات السياسية المختلفة.

ونورد أخيراً اقتراح قانون يُعتبر من الأكثر دلالة على المحاصصة في الدولة، وهو الاقتراح المتعلق بتثبيت كتّاب العدل والذي ورد على جدول الهيئة العامة لمجلس النواب بإجماع الكتل عليه. إلا أنه لم يقرّ نتيجة تعطيل الجلسة تبعاً للاختلاف الذي كان يحصل بشأن قانون المياومين. وقد نص هذا المشروع على تثبيت الملكفين بالعمل ككتّاب عدل لفترة لا تقل عن ثلاث سنوات منقطعة أو متواصلة، ككتّاب عدل أصيلين، وذلك من دون المرور بأي مباراة. وهنا تبرز أولاً المخالفة على صعيد المنهجية المتبعة واعتماد الصلاحيات التشريعية لتثبيت أشخاص في الإدارة العامة وخصوصاً في الوظيفة التي يُفترض أن تكون أكثر الوظائف إيحاءً بالثقة. لا بل سُجّل أن عدداً من الأشخاص المستفيدين من هذا المشروع كانوا قد رسبوا بشكل كبير في مباريات كتّاب العدل، مما يثبت ليس فقط غياب فحص الكفاءة، إنما غياب الكفاءة نفسها. ولعل أسوأ ما ورد في الأسباب الموجبة لهذا المشروع تبرير للتعيين من دون مباراة فحواه أنه “بكل تأكيد يؤمّن وفراً للخزينة على صعيد المصاريف التي تتكبدها في حال إجراء مباراة جديدة”.

 Lebanon

أي مكان للدولة وللمواطن في القانون؟

 

نتطرق هنا إلى القوانين التي ظهر فيها مجلس النواب مظهر السلطة العامة، التي تتحرك ضمن مفهوم الدولة بما لها من اعتبارات. وهنا يمكن إعطاء الأمثلة التالية:

أولاً: المجلس بقي صامتاً بشأن الحريات الخاصة والعامة، فقد خلت قوانينه تماماً من أي بند بهذا الخصوص خلال ٢٠١٢. وهكذا بقي مشروع القانون المتصل بالعنف ضد النساء أو بالعنف الأسري عالقاً خلال العام ٢٠١٢ (تم إقراره يوم ٢٢ تموز ٢٠١٣ في اللجان النيابية المشتركة كمرحلة أولى قبل إدراجه أمام الهيئة العامة). كما بقي اقتراح قانون النائب سامي الجميل بشأن تعديل المادة ١٥ من قانون الموظفين للسماح لهم بإنشاء نقابات عالقاً، وكذلك الأمر بخصوص اقتراح قانون النائب سيمون أبي رميا بشأن تخفيض سن الانتساب إلى الجمعيات مع فتح باب المشاركة أمام الأطفال بشروط معينة. كما أن الإصلاحات التي كان يقتضي إدخالها على قانون العقوبات في مجال الحريات الخاصة أو العامة ظلت منسية تماماً، علماً أن العمل على تعديل هذا القانون قد بدأ منذ ما يزيد على عشر سنوات وعُيّنت بخصوصه اللجنة تلو اللجنة مع ما يستتبع ذلك من كلفة على عاتق الدولة.

ثانياً: المجلس بقي صامتاً بشأن الحقوق الأساسية على اختلافها. وهكذا بقي اقتراح قانون المخفيين قسراً بما يستتبعه من اعتراف بحق المعرفة والذي قدّمه النائب حكمت ديب عالقاً لدى المجلس. أما لجنة حقوق الإنسان فقد دعت الجمعيات المعنية إلى جلسة خلال شهر تشرين الثاني، لكن ليس لمناقشة مشروع قانون إنما لمناقشة مشروع مرسوم مجرّد من أي ضمانات لتكريس هذه الحقوق فعلياً. كما أن المجلس لم يقدّم أي جديد بشأن وضع حقوق المعوقين أو وضع حق المدمنين بالعلاج كبديل عن العقاب موضع تنفيذ، رغم ازدياد الأصوات المطالبة بالسير به.

ثالثاً: يُطرح التساؤل عن دور الدولة في تنظيم العلاقات بين الفئات المختلفة من المواطنين ولا سيما الفئات التي قد يكون بينها تضارب في المصالح. هنا تجدر الإشارة بشكل خاص إلى القانون الآيل إلى إعطاء الحكومة صلاحية في تحديد بدل النقل. وقد أتى هذا القانون ليشرّع الواقع المعمول به، والذي هو لصالح أرباب العمل، بشأن إقرار بدل نقل من قبل الحكومة بعدما عدّ مجلس شورى الدولة المراسيم بإقرار بدلات مماثلة باطلة لغياب أي تفويض تشريعي في هذا المجال.

بالمقابل، وفيما غابت الدولة بشكل شبه كامل في الميادين سابقة الذكر، بدت حاضرة في عدد من القوانين الخاصة بوضع قواعد تنظيمية للحياة الإجتماعية بشكل عام. ومن أبرز هذه القوانين قانون السير، يليه قانون الآداب الطبية وقانون السنة السجنية. لكن هنا أيضاً بدت اعتبارات النظام واضحة.

فرغم الطابع التنظيمي المحايد لقانون السير الذي أدخل تعديلات هامة، من اللافت أن المناقشات التي دارت بشأنه عادت بالمجلس إلى التفكير باعتبارات طبقة معينة، كادت تؤدي إلى تعطيل إقراره. وهذا ما نقرؤه من خلال الخلاف الحاصل حول المادة ١٥٤ منه المتعلقة باللوحات المميزة ومنها لوحات النواب الزرقاء. فقد تم حذف هذه المادة من القانون المقرّ على أن تُدرس لاحقاً على حدة. وكان قد نشأ خلاف قانوني حول ما إذا كانت هذه اللوحات تمنح حقوقاً مكتسبة لحامليها، فقال أحد النواب:”هناك أشخاص دفعوا مئات آلاف الدولارات ثمن أرقامهم بصرف النظر عن كيفية إتمام ذلك بموجب أي قانون وأي عرف وأي أخلاق. لقد اعتبروه حقاً مكتسباً. ماذا نقول لهم، وهم يمثلون قطاعات نخبوية كبرى وعائلات سياسية؟ فلندرس هذا الموضوع على حدة”. وكأن من المحرّم على المشرّع أن يمسّ بمكاسب هؤلاء، حتى ولو كانت اكتُسبت خلافاً للقانون!

أما لجهة قانون تخفيض السنة السجنية لتصبح مرادفة لتسعة أشهر حبس، فيبدو أنه شكّل الحل الأسهل لمعالجة اكتظاظ السجون بمنأى عن أي تفكير بإصلاح السجناء أو إعادة تأهيلهم أو دمجهم الإجتماعي. فالتخفيض يحصل بشكل آلي من دون وضع أي آلية أو إمكانية من شأنها إسقاط حق السجين بالاستفادة منه في حالات معينة. ومن هذا المنطلق يصح وضعه في خانة التنظيم الإجتماعي وتحديداً تنظيم الأزمات الإجتماعية أكثر مما يصلح وضعه في خانة الحقوق.

في جردة أخيرة، يمكن اعتبار العام ٢٠١٢ عيّنة من عمل المجلس النيابي خلال فترة ولايته التي بدأت مع انتخابات ٢٠٠٩ ولم تنتهِ كما يفرض القانون في حزيران ٢٠١٣. فهو حتى من ناحية التمديد لنفسه يكون قد أعطى لنفسه حقاً غير موجود في القانون ولا في الدستور. ويؤكد مجدداً على أن “النشاط النيابي” في سنّ القوانين، على قلته، كان في العديد من الحالات لمصالح سياسية وطائفية ومناطقية، بعيداً عن الصالح العام ومصالح المواطنين والدولة.

المرجع: المفكرة القانونية – العدد السابع