Monthly Archives: October 2013

شاب واحد من كل ثلاثة في لبنان هو عاطل عن العمل

شاب واحد من كل ثلاثة في لبنان هو عاطل عن العمل!

هذا ما رصدته آخر دراسات البنك الدولي عن معدلات البطالة من ضمن الفئة العمرية الشابة. ما يمكن اعتباره كارثة إقتصادية – إجتماعية تستدعي المعالجة الجدية. والواقع يشير إلى استمرار ازدياد معدلات البطالة، لا سيما مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية وكذلك استمرار تدفق اللاجئين السوريين الذين أصبحوا يزاحمون مواطني البلد على فرص العمل. لكن بالرغم من هذه الأرقام المخيفة يبدو جليّاً للمراقب أن المسؤولين عن تسيير شؤون البلاد هم أبعد ما يكونون عن الإهتمام أو حتى الإلتفات إلى هذه المعضلة!

 Three Employees Slumped Over In Chairs And Sleeping During A Boring Staff Meeting While A Shocked Manager Watches Clipart Illustration Image

 أزمة البطالة في لبنان هي أزمة مُزمنة ناتجة عن غياب سياسات حكومية واضحة لسوق العمل، وعن الفارق الشاسع بين متطلبات سوق العمل وبرامج إعداد الكادرات المهنية والتقنية في الجامعات، وبين الوضع الإقتصادي المُتدهور منذ سنوات عدة.

وما زاد الوضع حدّة:

– الأزمة المالية العالمية الحالية التي أدت الى صرف لبنانيين عاملين في دول خليجية، دول أوروبية، ودول شمال أفريقيا نتيجة الوضع الإقتصادي، إلى جانب أزمة الديون السيادية والإضطرابات التي تصيب العالم العربي.

– الوضع الإقتصادي المتردي في لبنان بعدما ضُرب قطاع الخدمات، وقد أدى رفع الحد الأدنى للأجور إلى صرف قسم من الموظفين والعاملين.

ويتوافق المراقبون والمحللون على أن السبب الأساسي للثورات في العالم العربي هو البطالة والظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الشباب العربي، والتي بدأت بـ”ثورة الياسمين” يوم أحرق محمد بوعزيزي نفسه كردّة فعل على مصادرة الشرطة لعربة الخضراوات التي كان يمتلكها، كذلك الحال في مصر وليبيا وسوريا. ومن هنا نستنتج أن الوضع اللبناني ليس مختلفاً عن الوضع العربي إذا ما استمرت حالة البطالة بالتفاقم، فإن الوضع سيصبح أشبه بقنبلة موقوتة موضوعة تحت كراسي الزعامات السياسية، مهددة السلم الأهلي.

 

البطالة بالأرقام

وفق التعريف العلمي فإن العاطل هو كل قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى. كما تُعَرَّف البطالة بأنها عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 عاماً وما فوق، والذين مازالوا يبحثون عن عمل من دون جدوى. أما معدل البطالة فهو نسبة عدد الأفراد العاطلين إلى القوة العاملة الكلية، وهو معدل يصعب حسابته بدقة. مع الإشارة إلى أن هذه النسبة تختلف وفقاً للمكان (المدينة أو القرية) وكذلك حسب الجنس والسن ونوع التعليم والمستوى الدراسي.

ليس هناك من أرقام موحّدة للبطالة، في ظل غياب إحصاءات رسمية علمية غير مسيّسة. وكل ما يُذكر من إحصاءات ونسب يبقى تكهنات ولا يجوز إعتبارها معلومات دقيقة تُعبّر عن الحقيقة: فالإحصاءات الرسمية تُحدد نسبة البطالة في لبنان بـ11،9% في حين أن وزارة العمل تُعطي الرقم 16%.

وتُشير مؤسّسة البحوث والاستشارات (CRI) إلى أن معدّل البطالة في لبنان يتراوح بين 10% و15.6%، أما الـESCWA فتحدد الرقم بـ 16%. وفي تقريرها أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن نسبة البطالة في لبنان تُوازي الـ 25%. وخلال مؤتمر حول التوظيف في لبنان، أشار مركز خدمات التوظيف في جامعة البلمند بالتعاون مع جمعية “قدرات للحد من البطالة” إلى أن نسبة البطالة في لبنان تُقارب الثلاثين أو الاربعين بالمئة تبعاً للمناطق.

أما البنك الدولي، وفي آخر إحصاء له عن معدّل البطالة بين الشباب في لبنان، فقد قدّر معدل تلك البطالة بـ 34%.

ويأتي هذا الفارق في الأرقام بسبب اختلاف منهجية القياس الناتجة عن عدم فعالية المركز الوطني للتوظيف في وضع إحصاءات دقيقة عن البطالة وفق منهجية موحدة، فالمهم في قياس نسبة البطالة المنهجية هو تقويم السياسة الاقتصادية للحكومة، وما إذا كانت تُعطي ثماراً أم لا.

ويمثّل حمَلة الشهادات الجامعية 21.2% من إجمالي العاطلين عن العمل، في حين يمثّل ذوو المستوى التعليمي الإبتدائي 27.6% منهم، وذوو المستوى التعليمي المتوسط 26.2%.

كما أن الوسيلة الأكثر اعتماداً لإيجاد الوظائف هي البحث عن طريق المعارف والأصدقاء، وهي وسيلة يلجأ إليها 72.5% من المتعطّلين. في حين تأتي الإعلانات والصحف في المرتبة الثانية 13.3%، ثم البحث لدى أرباب العمل 12.1%.

وأظهرت الدراسة أن 40.5% من العاطلين عن العمل قضوا فترة لا تقل عن 6 أشهر في البحث عن العمل، و22.6% بين 6 أشهر وسنة، و 34.2% فترة تزيد عن سنة.

Brooklyn Academy Of Music Hosts Career Fair For Job Seekers

الأزمات المتلاحقة وتأثيرها على البطالة

يتخرّج من الجامعات الخاصة سنوياً في لبنان 10 آلاف طالب، ومن الجامعة الرسمية 6 آلاف. فالسوق المحلية بحاجة نظرياً لخلق 16 ألف فرصة عمل على الأقل كل سنة لسدّ حاجات هؤلاء الخرّيجين، في حين لا يتوافر حالياً أكثر من 12 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً وهذا في أحسن التقديرات. والشباب يواجه عقبات صعبة للغاية عند البحث عن عمل، إذ غالباً ما يضطرون، نظراً لقلة خبرتهم بالعمل ونقص التعليم والتدريب، للبحث مدة أطول من المتوسط وقبول وظائف مؤقتة أو لجزء من الوقت.

بالإضافة إلى المشاكل السياسية والأمنية، فإن المشكلة الرئيسية التي تقف خلف بطالة الشباب وخاصة خرّيجي الجامعات بينهم تكمن في غياب أي دراسة لسوق العمل اللبناني والتنسيق بينه وبين اختصاصات الطلاب. في المقابل حيث تتوافر فرص العمل، فإن الأجور تكون منخفضة ما لا يلبي طموح الشباب خصوصاً الشبان الذين يسعون لبناء مستقبل مهني وتكوين عائلة. وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة والوضع الاقتصادي المتأزم يضطر عدد كبير منهم للهجرة الى الدول العربية والأجنبية للعمل بضع سنوات وتوفير المال الكافي للعودة إلى لبنان. وما يزيد من مأساة الشباب المتخرّج هو االواسطة التي تلعب دوراً أساسياً في التوظيف. فقد يتعرض أحد الشباب المتفوقين ذوي الشهادات العليا والكفاءة إلى صدمة قاسية تؤثّر على طموحه وحماسه عندما ترفض أحد الشركات أو المؤسسات توظيفه وتوظف زميله الذي نجح  بصعوبة لأن والده أو أحد أقربائه أو معارفه من أصحاب النفوذ والمال أو السياسة.

والبطالة في لبنان لا تقتصر على فئة عمرية أو خريجي تخصص معين، بل تمتد لتطال كل فئات الشعب اللبناني والشرائح العمرية. هذا فضلاً عن الصرف التعسفي من العمل، والذي يتضمن أرقاماً مخيفة، ما يعني ارتفاع عدد العاطلين عن العمل. كلها عوامل توحّد أجيالاً من السكان في لبنان حول التفكير في الهجرة وهو ما تبيّنه الدراسة التي تشير إلى أن أعداد المهاجرين منذ انتهاء الحرب الأهلية وحتى العام 2009 يتراوح بين المائتي ألف والأربعمائة ألف لبناني.

وإذا ما قمت بـجولة صغيرة على المقاهي في أي منطقة في لبنان، فإنك لن تجد فيه كبار السن، كما هي العادة، بل سيشد انتباهك على الأرجح أعداد المراهقين والشباب بداخلها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خلل اجتماعي مقلق قد يؤدي إلى آفات اجتماعية خطيرة، وخير مثال على ذلك المشاكل الكثيرة التي يعاني منها العديد من المناطق والتي يذهب ضحيتها العديد من الشبان العاطلين عن العمل، فالواقع يشير إلى أن أكبر نسبة للجرائم والإنحرافات تقع بين العاطلين.

وعند النظر في تعاطي وسائل الإعلام اللبنانية المختلفة مع موضوع البطالة، نجد أن هذا الموضوع لا يأخذ حيزاً فيها إلا إذا كان موضوعاً سياسياً أو أدخلته الأطراف السياسية مادة أساسية في سجالاتها ومواقفها.

والمؤسف أن العاملين في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والإعلامية في لبنان يدركون جميعاً حجم مشكلة البطالة المتزايدة في لبنان ونسبة هجرة الشباب اللبناني، وبالرغم من ذلك لا توجد أية دراسة واضحة عن نسبتها، كما أنها لا تظهر في الإعلام اللبناني هذه الأيام إلا مرور الكرام في تصريح لسياسي أو حزب أو جمعية.

تأثير اليد العاملة الأجنبية

بالنسبة إلى تأثير اليد العاملة الأجنبية على معدل البطالة، يعتقد بعض الخبراء الإقتصاديين بأن تأثيرها ليس كبيراً كونها تقوم أو تَشْغُل وظائف “يستحي منها اللبناني”، وبالتالي لا تؤثر على بطالة اللبناني، خاصة فئة الخرّيجين الجامعيين. وتضيف هذه النظرية بأنه إذا ما توقفت اليد العاملة الأجنبية فذلك سيؤدي حتماً إلى غلاء رهيب في الأسعار ودون أن تستطيع أن توظف اللبناني فيها. لماذا؟ لأن اللبناني بشكل عام لا يعمل في قطاع الإعمار أو محطات البنزين، وبالتالي لا تأثير لعمالة الأجانب في هذه القطاعات على معدلات البطالة لدى اللبنانيين. ولا بد من التوقّف هنا عند مسألة رفض اللبناني القبول بأي عمل، إذ أن المشكلة تكمن في الشخص الذي يبحث عن عمل، فلا يمكن إجبار شخص على قبول عمل لا يتقبّله. وهذه العقلية اللبنانية السائدة، والتي لم تخضع إلى أي عملية تطوير منذ فترة طويلة، يجب أن تتغير برأينا كحلّ من حلول مشكلة البطالة.

سبل المعالجة المقترحة

بالنسبة الى واجبات الدولة أو منظمات العمل المحلية والدولية للحد من نسب البطالة، الحل الأساسي والفعّال يكمن بإعادة النمو في الإقتصاد الوطني، والذي من خلاله تستطيع الدولة استيعاب عدد أكبر من العاطلين عن العمل، إضافة الى عودة أو جذب الاستثمارات التي تخلق فرص عمل.

ولكن هذين الأمرين يحتاجان إلى وضع سياسي وأمني مستتب، لبنان لا يعيشه.

لذا تكمن معالجة ظاهرة البطالة في ثلاثة مستويات:

1-   حل الأزمة السياسية وتحقيق استقرار سياسي طويل المدى.

2-   وضع سياسات إقتصادية صحيحة ومناسبة، كوضع برنامج نمو إقتصادي شامل في قطاعات تولّد فرص عمل.

3-   تدعيم هذه الخطة بسياسات توظيف خاصة، وسياسات إجتماعية مناسبة.

في لبنان إدارة رسمية معنية بالتوظيف، هي المكتب الوطني للإستخدام التابع لوزارة العمل، غير أن القائمين عليه يشكون كما الباحثين عن عمل من صعوبة الأوضاع الراهنة في البلد. ويدرك المسؤولون ما تضمنته دراسة البنك الدولي من إشارة إلى ضرورة زيادة معدلات العمل إلى ستة أضعاف المعدلات الراهنة للحدّ من البطالة، ويدركون أيضاً أن هذا لن يتم إلا بالتوازي مع تحسن الظروف السياسية والأمنية.

وفي ظل هذا الواقع يخشى كثير من المراقبين من أن تحوّل البطالة في ظل التوتر السياسي والأمني في البلاد كثيراً من الشباب العاطل إلى أدوات تُستخدم في الشارع، كما يحصل حالياً في طرابلس. ومن هنا تبرز أهمية إضافية لضرورة الحدّ من البطالة.

  

ماهر عوض