جمعية التنمية في عكار: جبهة لإنقاذ عكار وسدّ الثغرات

يتنفس شمال لبنان برئةٍ عكّاريّة، فطبيعة المنطقة الغنيّة وتنوّعها الملفت يمنح الشمال ذاك التوازن المثالي الذي يبقيه نابضاً بالحياة. أمّا عكّار نفسها، فغُيّبَ عنها الهواء اللبناني، تجدها تكافح للبقاء على قيد الحياة، غير قادرة على الاستفادة من مواردها الغنيّة ومن خيرات أرضها المعطاءة.

تعيش عكار واقعاَ مريراً، تعاني وأهلها الحرمان، التهميش والإهمال المتعمّد، كأنّها لا تمتّ للدولة اللبنانيّة بصلة ولا تنتمي إليها، فالأخيرة لا توليها من الإهتمام الشيء المذكور، لا تعمل على استثمار خيراتها أو الحفاظ عليها، كما لا تحاول تطوير قدرات شبابها أو تأمين أبسط احتياجاتهم وحقوقهم.

من هنا كان لا بدّ لجمعية التنمية في عكّار أن تبصر النور، فتمّ تأسيسها عام 2006 من قبل مجموعة من الشباب الغيور على منطقته ومصالحها، لتصبح الجمعيّة من تاريخ التأسيس وحتى يومنا هذا (بمراكزها الأربعة) الجهة التي تبذل كافة الطاقات والجهود لمحاولة سدّ الثغرات وتحسين واقع المنطقة وحال أهلها.

افتتاح متنزه الشيخ يونس

افتتاح متنزه الشيخ يونس

 

“بكرا أحلى”

إيمان أعضاء الجمعيّة ومؤسسسيها بأهمية دور الشباب في النهوض بالمجتمعات وتطويرها، دفعهم لتركيز جهودهم على تمكين شباب عكّار، تفعيل دورهم وإكسابهم مختلف المهارات والخبرات الضرورية، وذلك عبر إطلاق مشروع “بكرا أحلى” بمراحله الثلاثة.

المشروع المموّل من مكتب المبادرات الإنتقالية (OTI) التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدوليّة، هدف إلى تطوير قدرات الشباب في جرد القيطع وتأهيلهم للانخراط في العمل البلدي والمشاركة الفعالة فيه بغية تطوير وتحسين وضع قراهم وبلداتهم المهمّشة.

إستمرت كل مرحلة من مراحل المشروع الثلاث لما يقارب العام، تمّ خلال هذه الفترة تدريب عدد كبير من شباب جرد القيطع، حلبا ووادي خالد، على مفاهيم ذات صلة مباشرة بدورهم كشباب في العمل البلدي، كالمواطنة، المدافعة، عمل البلديات ودورها والقوانين التي تسيّر عملها. كما وتلقّى المشاركون تدريباّ مكثفاّ يتعلّق بالإعلام، وسائل التواصل الإجتماعيّة، العمل الصحافي وكتابة التحقيقات الصحفية.

تدريب الشباب على كتابة التحقيقات الصحفية

تدريب الشباب على كتابة التحقيقات الصحفية

كل ذلك بالإضافة لخضوعهم لعدد كبير من الدورات المكثّفة، كدورات أسس اللغة الفرنسيّة والانكليزيّة، دورات في الكمبيوتر والإنترنت، التصوير الفوتوغرافي، العمل المسرحي، الرسم، صناعة الأفلام القصيرة، دورات في الخياطة وفن الماكياج للنساء… وغيرها من الدورات التي أضافت الكثير من المعرفة للشباب المشارك.

وقد قام المشاركون بعدد من الزيارات الميدانية لعدد من المناطق والمعالم  داخل عكّار وخارجها، كالقموعة-عكّار، مدينتي جبيل وطرابلس. وشاركوا كذلك في عدد من النشاطات الكشفيّة والمخيمات الهادفة.

نال المشاركون في نهاية كل من المراحل الثلاث شهادات تفيد بمشاركتهم في الدورات التدريبيّة المختلفة التي سلّحتهم دون أي شكّ للمضي قدماَ نحو مستقبل أفضل و”بكرا أحلى”.

معرض عكّار في الذاكرة

وفي خطوة كانت الأولى من نوعها، قامت جمعية التنمية في عكار بتنظيم معرض “عكار في الذاكرة” خلال شهر أيلول 2012، الذي قام بإبراز تاريخ عكار، ذاكرة عكار وحضارتها، من خلال صور ووثائق قديمة جُمع معظمها من أرشيفات العائلات القديمة وأرشيفات شخصية لأفراد يستهويهم التاريخ والحضارة.

إحتوى المعرض أكثر من مائة معروضة، وثائق ورسائل قديمة، صور من العهد العثماني والفرنسي، لوائح ومستندات بالغة الأهميّة، تصفّح كلّ من تفقدها خبايا تاريخ المناطق العكّاريّة، وشهد مراحل لم يكتب عنها المؤرخون.

الصور والوثائق المعروضة، والتي قضى أحمد عمر (أحد مؤسسي الجمعيّة) سنيناَ عديدة لجمعها أو الحصول على نسخ منها، قاصداَ العائلات القديمة ومفتشاَ في الأرشيفات وخباياها قد أظهرت عكّار للجميع بأبهى حللها، عكّار التعايش التي اجتمع في صورها المسلم والمسيحي، عكّار العلم التي ضجّت مدارسها بطلاب العلم، عكّار الثقافة التي يظهر أبناؤها في إحدى الصور يقومون بتمثيل مسرحيّة في ساحة إحدى القرى، عكّار الكرم والضيافة و”المآدب التي اجتمع حولها كبار عائلاتها”، عكّار التقاليد والقيم والعادات الطيبة، يزيّن العريس وأهله صورها القديمة وسط فرحة “أهل الضيعة والمحبين”.

يوم الجيران

يوم الجيران

 

نشرة بكرا أحلى

قد تكون النشرة التي تصدرها الجمعيّة بشكل دوري تحت عنوان “بكرا أحلى” من أهمّ المبادرات التي يقوم بها أفرادها والقيمون عليها، فالنشرة لا تكتفي بنقل نشاطات الجمعية ومشاريعها المنفّذة مؤخراَ فحسب، فالدافع الأساسي للتحضير لنشرة من هذا النوع كان تأمين فرصة لشباب عكّار للتعبير عن أنفسهم وعن مجتمعاتهم من خلال تسليط الضوء على مختلف جوانب الحياة في مناطقهم وعلى المشاكل اليوميّة التي تشكّل عقبات في وجه تقدّمهم.

النشرة التي باتت تأخد طابع مجلّة إجتماعيّة بأبواب مختلفة، تنشر في صفحاتها تحقيقات تعالج مواضيع تؤثر مباشرة على حياة العكّاريين، يكتبها في معظم الأحيان مجموعة من الشباب الذين لا يمتلكون الخبرة المناسبة لذلك وليسوا بالصحافيين المتمرسين، بل هم شباب يربطهم بمناطقهم انتماء لا محدود يدفع بهم لإطلاق صرخات موجعة ومن القلب تصل للقارئ بشكل بسيط وواقعي، فتحثّ الأخير للتعاطف معهم وللتحرّك لمشاركتهم في المطالبة بما هو أبسط حقوقهم.

تجري الجمعيّة بشكل مستمرّ دورات تدريبيّة للشباب المشارك في النشرة، على أسس الكتابة وكيفيّة إجراء المقالات الصحفيّة، كما وتتمّ متابعتهم عن كثب لتطوير مهاراتهم وتشجيعهم على الكتابة والتعبير بشكل أفضل.

والنشرة التي باتت تُوَزَّع في عدد من المناطق اللبنانيّة، قد تكون وسيلة الإعلام المقروءة الوحيدة التي تصل إلى أيدي الكثير من العكّاريين، فوسائل الإعلام المكتوبة تغيب غياباً تاماً عن معظم القرى والبلدات العكّاريّة، ممّا يضع على كاهل جمعية التنمية في عكّار مسؤولية أكبر تدفعها إلى تطوير النشرة الخاصة بها والإهتمام بالمواضيع التي تنشر فيها والحرص على أن تنقل سطور النشرة ما يصب مباشرة في اهتمامات العكّاريين وأهل الشمال.

 

مشاريع تنمويّة مختلفة

يحاول القيمون على الجمعيّة جاهدين، عدم إهمال أي ناحية من نواحي التنمية في المناطق العكاريّة، والإهتمام بجمال المنطقة ونظافتها جزء لا يتجزأ من التنمية.

إنطلاقاً من هنا، قامت الجمعية ومنذ تأسيسها بتنفيذ مشاريع متعددة من شأنها تسهيل حياة السكان اليوميّة وإضفاء لمسة جماليّة على مناطقهم.

أبرز هذه المشاريع كان إنشاء الحدائق العامة والمتنزهات في عدد من القرى، تزيين مداخل القرى والبلدات وعدد من ساحاتها، تركيب عدد من المرايا في الطرقات لتسهيل عملية القيادة، وإنشاء خيم للانتظار.

 

جمعيّة التنمية في عكّار… اليوم في طرابلس

 

لم يقتصر نشاط جمعيّة التنمية في عكّار على ما يتعلق بالمناطق العكاريّة فحسب، فلم يتردد أعضاء الجمعية ومتطوعوها يوماً عن المشاركة في أيّ عمل تنموي خارج قراهم ومناطقهم.

ولا تُعتبر أعمال الجمعية التنمويّة متكاملة إن لم تطل عاصمة الشمال طرابلس، إذ يشكّل العكاريون نسبة كبيرة من سكان المدينة ويتوزعون على مناطقها كافة. ولا تقل نسبتهم في منطقتي التبانة والقبة عن الخمسين بالمئة من مجمل السكان. هذا بالإضافة إلى ارتياد أغلب طلاب العلم العكاريين جامعات ومعاهد طرابلس، مضطرين في أغلب الأحيان لتأمين سكن دائم بالقرب من مراكز دراساتهم و أعمالهم.

لم يقف القيمون على الجمعية ومتطوعوها مكتوفي الأيدي أمام مصاب إخوانهم إثر تفجيري طرابلس الأخيرين، فبادروا للمساعدة في رفع الأضرار عن الأبنية المتضررة إثر التفجير وخاصة المدارس منها.

وتُولي الجمعية اليوم العمل البلدي اهتماماً خاصاً، فتسعى لتفعيل دور الشباب الطرابلسي كما العكّاري في إدارة شؤون مناطقهم وفي صنع القرار فيها، فلم يعد من المسموح اليوم أن يهمّش دور الفئات الشابة أو أن تُستبعد الأخيرة عن العمل البلدي والمدني، فشباب اليوم ما هم إلّا قياديّو وقادة المستقبل القريب مما يجعل تدريبهم، تمكينهم وصقل قدراتهم وخبراتهم واجباً ملحاً تسعى جمعية  التنمية في عكار إلى تلبيته وأدائه بأفضل الطرق الممكنة.

 

بقلم أماني أحمد العلي

رئيسة تحرير مجلة “بكرا أحلى”

Advertisements

Tagged: , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: