Monthly Archives: February 2014

دور الشباب في التغيير

كان الحديث عن الشباب وما يزال من أسس البناء لمشاريع التغيير، ومن مكونات مشاريع النهضة وحركات التحرر الوطنية. ومن هذا المنطلق فإن تناول موضوع الشباب والتغيير يعد مسألة تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي كما تتعلق ببناء الخطط التنفيذية لعمليات التغيير.

Main Pic

ويمتاز سن الشباب على مراحل العمر الأخرى بمزايا أساسية توفر له أهلية خاصة في مشاريع التغيير ومنها الطاقة والحيوية المتجددة والمتفجرة والتفاعلية مع المتغيرات والأحداث، وعلو الهمة والقدرة على العطاء البدني والعقلي، والطموح المتجدد والكبير وعدم الاستسلام واليأس، وحب المغامرة ومواجهة التحديات وعدم الخوف، ورفض الذلة والاستسلام للظلم أو التعايش معه، والقدرة على التطوير والتطور، والتخفف من أعباء الحياة.

وقد أثارت موجات الثورة العربية على الاستبداد والظلم والفساد منذ عام 2011 والتي خاضها الشباب بكفاءة وعلو همة ومواصلة ومثابرة وتحمل وتضحية، وتجري حالياً مراجعة شاملة لدى أطياف الفكر العربي في النظر إلى الدور الطليعي الذي أخذه الشباب في الثورة، من حيث دوره في القيادة وتجديدها وتطويرها، ودوره في عملية البناء الجديدة للأوطان. وعندما نخص الشباب في الحديث فإننا نعني الأعمار التي تناسب مقام المهمة وحاجاتها، حيث تُعتبر سنوات 18–22 عاماً من أهم مراحل العطاء العقلي والمشاركة الفاعلة للشباب في المرحلة الطلابية في بناء شخصيته والتفاعل السياسي مع المحيط، بينما يمثل الشباب في سن 22-35 مشروع القيادة والريادة في تطوير الوطن وتوجيه دفة مساره وبناء مشروع نهضته.

من هنا فإن جل الحديث عن الشباب يتناول هذه المراحل الثلاث وفق طبيعة المهمة والقدرات والإمكانات المتاحة واللازمة.

ولذلك فان دور الشباب في مشروع التغيير العربي المعاصر يتمثل في إتجاهات ثلاثة، الأول: البناء والقيادة والتخطيط والإدارة والتطوير الداخلي للمشروع ليبقى حداثياً معاصراً وقادراً على الفعل، ومتجدد الأفكار والإبتكار في الوسائل والأساليب. والثاني: التفاعل مع المحيط والتأثر والتأثير به، فيما يعرف بالمعاصرة والتجدد الحضاري، والذي يمنع التكلس أو الجمود أو التخلف عن ركب التكنولوجيا، والمتطلع إلى واقع أفضل والذي لا تقعده التحديات في سبيل ذلك. الثالث: استمرار إنهاض المشروع من أي كبوة، وتقديم التضحيات في سبيل إنجاحه، وتحمل تبعات المواجهة مع الأعداء وقوة الشد العكسي في الأوطان وعلى الحدود، بما في ذلك التنافس وربما الصراع في المضمار الحضاري.

youth2010c

ومن خصائص المجتمعات في لبنان والدول العربية أنها مجتمعات يكثر فيها الشباب والفئات العمرية المتوسطة بصورة أكبر، ولكن السلطات تتركز في الفئات الأكبر والأقل عدداً، يستخدمون الدين والعرف والتقاليد والقانون وسيلة لتدعيم تلك السلطات بين أيديهم ومقاومة من يريد أن يقلب الأمور بشتى الوسائل. ومع قلة الموارد وشحها تتجه تلك الهجمات المتبادلة بينهم لصراع شامل بين الكبار والصغار، مما يؤدي في النهاية إلى إزاحة أحد الأطراف بشكل كامل عن موقعه وجعله يرضخ تحت إرادة الآخر.

ولكن الشباب وقلة خبرتهم في الحياة تكون عائقاً لهم في معرفة الطرق المثلى لإدارة السلطة إن نجحوا في سعيهم لذلك لانعدام الخبرة بشكل كبير أو لسنوات من السلطة الفاسدة، وإن فشل الشباب في التغيير، فستصبح الدولة بلا يد عاملة وبلا شباب، وهو العامل والصانع والمستقبل.

ونستطيع تجنب مثل هذه الصراعات المرة التي قد نشهدها عن طريق تكاتف الكبار مع الشباب ومساعدتهم في حياتهم بالنصح والإرشاد. كما أن إتاحة المجال للكوادر الأقل تشدداً من بينهم قد يساهم في تطوير الأمور باتجاه الأحسن وعدم جعلها تتصادم مع بعضها، كما قد تنقذ المجتمع من ويلات التشرذم والإنقسام والدمار.

 

نحو رؤية تطويرية لدور الشباب في مشروع التغيير

حتى نتمكن من تطوير دور الشباب بمشاركتهم وببرنامج متوازن وعاجل يقترح تبني استراتيجية تتناول مختلف جوانب البناء والتطوير لواقع الشباب، وأهمها زيادة الاهتمام بالتربية على القيادة والريادة في العطاء والتضحية والتغيير في مراحل العمر الأولى منذ الخامسة والسادسة عشرة وببناء متصاعد للإنجاز بحكمة الشيوخ وعزيمة الشباب، وزيادة انفتاح قيادات مشاريع التغيير على أفكار وطموحات الشباب المعاصر، وفهم شخصيته واستعداداته وتفعيلها في الخطة والإدارة والهيكل، ورفع مستوى مشاركة الشباب في القيادة الميدانية والسياسية لمشاريع التغيير وفق متطلبات المرحلة والجغرافيا، وزيادة برامج التدريب والتخطيط والقيادة للشباب في مراحله المختلفة لتكون القيادة في مشاريع التغيير متجددة وشبابية بمجموعها، كما هو المشروع متجدد ومعاصر دائماً، وتوسيع دوائر توريث التجارب ونقل الخبرات إلى جيل الشباب وفق برامج منهجية على مستوى مشروع التغيير الذي نطمح إليه، واستبعاد نظريات الإقصاء والتهميش لقطاع الطلبة من بين الشباب، واستبداله بترشيد دورهم وفتح المجال أمامهم للتعبير عن ذواتهم وقدراتهم القيادية والفكرية، وتفعيل برامج البناء الفكري والثقافي للشباب، ونقله من مرحلة المعلومات المختصرة إلى مرحلة النضج الفكري والعقلي لتأمين قدرته على الانتقال بالمشروع بسلام وقوة وكفاءة، والتجهيز لإعداد الطاقات الشبابية وتوجيهها لمرحلة المساهمة في قيادة الدولة، بمفهوم بناء رجال الدولة والحكم المعاصر، وتبني الكفاءات المتخصصة في مختلف مجالات العلوم والتكنولوجيا والفنون.

المنظّمات غير الحكوميّة اللبنانيّة بين المؤسساتيّة وحقوق الإنسان

4

هل تستطيع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في لبنان أن تؤدي إلى إحداث التغيير الإجتماعي المطلوب؟ وهل تستطيع أن تقفز فوق التجمعات العائلية والعصبيات المذهبية والدينية للتأسيس لتحرك على قاعدة إقتصادية واجتماعية في ما يتعلق بمصالح الوطن والمواطن؟ وما هو سبب عدم فعالية معظم تحركات منظمات المجتمع المدني اللبنانية على الرغم من زيادة التقديمات المالية من الدول الغربية والإهتمام الدولي المتزايد بلبنان؟ أسئلة تدخل في صلب أي عمل تحليلي لوضع المنظمات غير الحكومية في لبنان وميادين عملها ودورها في السنوات العشرين الماضية، وتحديداً منذ نهاية سنوات الحرب الأهلية اللبنانية وحتى اليوم.

كانت المنظمات غير الحكومية اللبنانية خلال فترة التسعينيات الفاعل الأكبر على ساحة التحركات الإجتماعية في لبنان. والتحرك الإجتماعي هذا ليس شاملاً، فهو من دون مرتكزات سياسية أو اقتصادية ويهتم بحقوق المرأة، حقوق الإنسان، البيئة، الزواج المدني، الإنتخابات المحلية، التنمية المحلية وقضايا الشباب. وبالتالي فإن المنظمات عملها محدد، وهي مدنية ذات صفة تعاقدية وتطوعية تعمل من أجل أهداف مشتركة مثل الحقوق المدنية وحرية التعبير، وهي مختلفة عن المنظمات والتجمعات ذات الصفة العائلية والدينية. وبالإمكان تقسيم فترة عمل هذه المنظمات إلى مراحل ثلاث: الأولى تمتد من نهاية الحرب حتى 2005، الثانية هي فقط العام 2005 ويمكن اعتبارها فترة سيادية، أما الفترة من 2005 حتى اليوم فهي فترة التحاق سياسي. وهناك أسباب عدة لعدم نجاح المنظمات غير الحكومية في لبنان منها المضمون السياسي لعمل بعضها، ما يجعلها في حالة تنافر وتناقض مع روحية الحركة الإجتماعية ككل. واللافت أن التحرك الإجتماعي الآن أخف مما كان عليه في الثمانينات رغم وجود قيود على العمل الإجتماعي آنذاك مقابل الحرية على مستويات القوانين والسياسة اليوم وزيادة الدعم المادي المخصص للمجتمع المدني، خصوصاً مع وجود لبنان على “الأجندة” الدولية.

من تحركات المجتمع المدني في طرابلس للمطالبة بالسلم الأهلي

من تحركات المجتمع المدني في طرابلس للمطالبة بالسلم الأهلي

لقد استطاع الناشطون الإجتماعيون خلال فترة التسعينات أن يحصلوا على منابر إعلامية للحديث عن المفقودين والقضايا البيئية، ومسائل البناء الإنساني والاجتماعي، وحصلت مساهمات جدية في تفعيل ثقافة المنظمات غير الحكومية وترجمتها على أرض الواقع من خلال صروح أكاديمية مثل جامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت. أما اليوم فتبدو الأولوية للتبعيات الطائفية والسياسية مع دفع التحرك الإجتماعي إلى المنصة الخلفية، وقد يعود السبب إلى استسلام ناشطي المجتمع المدني للواقع.

في المقابل، فمن يتابع عمل الجمعيات في لبنان منذ نهاية الحرب سنة 1990 وحتى الآن، سيلاحظ ازدياد عددها إلى حد كبير مع العلم أن عدداً كبيراً منها لا يزال غير فعال أو حتى غير ناشط فضلاً عن تبعية العديد منها لجهات سياسية أو حزبية أو لزعامات محلية.

إن زيادة أعداد هذه الجمعيات تعود إلى الفراغ الذي تركته الأحزاب السياسية والنقابات، وإلى مشاركة المنظمات المجتمعية والمدنية في إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب. كما أن قطاع المنظمات غير الحكومية استطاع مأسسة وجوده بسبب ضعف النظام السياسي المتزامن مع التفتيت الحاصل في الدولة كمفهوم، ومع سيطرة القبائلية على البنية المجتمعية في لبنان التي أدّت إلى زيادة المؤسسات الطائفية والمذهبية والعائلية.

خلال إحدى ورش العمل للناشطين المدنيين

خلال إحدى ورش العمل للناشطين المدنيين

ويمكن أن نعزو ضعف الجذور الإقتصادية والإجتماعية للحركة الإجتماعية إلى هجرة الطبقة الوسطى وزيادة التفاوتات الإجتماعية والإقتصادية، والتقسيم المذهبي لمؤسسات الدولة. فيما لم تستطع المساعدات المادية المتدفقة على لبنان أن تعوّض هذا الضعف. كل هذا يضاف إلى البعد عن العمل المؤسساتي والجنوح نحو العمل السياسي في لبنان والتناقضات التي يعيشها المجتمع المدني اللبناني.

ويبقى التحدي في إيجاد مضامين أقل تفككاً للخروج من حالة التشتت واللاحركة. فالناس يجب أن تشعر بالحاجة إلى التغيير كي يحصل هذا التغيير، ومن الضروري أن تتناول الحركة الإجتماعية حاجات الناس وطموحاتهم وتحققها، كما يجب التغلب على كل العقبات لاستمرار النشاط المدني الحالي للمنظمات، وجذب الجمهور للعمل المدني وفي دوائر التغيير لإحداث الحراك الإجتماعي. والمجتمع المدني يجب أن يكون حليفاً للدولة، لكن في ظل سعي الكل للعمل لمصلحته الخاصة يمكن القول أنه لا مكان للقضايا الإقتصادية والإجتماعية.

الكشف عن فضائح الفساد في لبنان: مَن يحاسب مَن؟

1

إنفجرت فضائح الفساد الإجتماعي والصحي والبيئي في لبنان دفعةً واحدة، وكأن هناك من اكتشف قارة اتلانتيس! نعم يا جماعة… هناك فساد!

وخلال بضعة أيام، وتحت عنوان اكتشاف الفساد، تحوّل لبنان إلى بلد مخيف بالفعل. كل شيء فيه يدعو إلى القلق: الغذاء والماء والدواء واستخراج النفط وتوفير الكهرباء… وحتى العديد من الأبنية فيه والجسور صارت موضع تشكيك، وظنّ كل لبناني أن لا خيمة فوق رأسه تحميه، وأنه يقيم تحت سقوف تترنّح وقد تسقط في أية لحظة!

وفجأة وفي لحظة واحدة، إكتشف البعض أن ما من شيء في لبنان إلاّ وينخره الفساد. وفي اللحظة الأكثر حساسية في تاريخ الشرق الأوسط، وفيما أنظمة وخرائط تهتزّ أو تسقط، جرى إشغال اللبنانيين بخصوصيات أمنهم الغذائي والصحي والإجتماعي. ورأينا وزيرين على شاشات التلفزة وهما يكيلان التهم بالفساد وكل منهما يلوّح بـ”وثائقه”!

السؤال الملحّ هنا: هل من يشنّ هذه الحملة مؤهل لأن يفعل ذلك؟ ومنذ متى صار لبنان مصاباً بهذا الحجم من الفساد في معظم مرافقه وقطاعاته؟ المحاضرون في الفساد… هم أربابه! والمؤكد أن هناك تجاوزات ومخالفات في مجال الأمن الإجتماعي في لبنان، يكون أعمى مَن لا يراها. وثمة فضائح سبق كشْفُها على مدى السنوات الأخيرة، وأُحيلَ أصحابُها إلى القضاء، وبعضهم تعرّض لعقوبات أدت إلى إقفال المؤسسات. لكن هناك في المقابل تجاوزات مستمرة لأن أبطالها محميّون، ولا يجرؤ الأمن على اعتقالهم، ولا القضاء على محاسبتهم، ولا الإعلاميون ومنظمات المجتمع المدني على الإشارة إليهم بالإصبع! وهنا يعيش الفساد الحقيقي ويعشّش ويستحكم… بعيداً عن الرقيب والحسيب.

والحملة الجارية اليوم لكشف الفساد والفاسدين ضرورية لكنها ليست محايدة. فجزء كبير من الطاقم السياسي الذي يهلّل لكشف الفساد والفاسدين، هو الأساس الحقيقي لمنظومة الفساد في لبنان، أو لـ “مدرسة الفساد اللبنانية”. وأبطال هذا الفساد يقومون اليوم على الأرجح بإثارة الغبار حول ملفات فضائحية معيّنة، قد تكون محقّة أو لا تكون، بهدف التغطية على فضائح أكبر منها بكثير وأشدّ رعباً!

وإلاّ، فلماذا بقي هذا الفساد مُصاناً طي الكتمان واللفلفة على مدى عشرات السنين، ليتمّ تظهيره دفعة واحدة، وفي توقيت معيّن؟ فلبنان بلد صغير، والناس فيه يعرفون بعضهم بعضاً، والجميع فيه يتشاركون إدارة الشأنين العام والخاص، ونادر مَن يستطيع الإدعاء بأنه يمتلك المناعة لشنّ الحملات على الآخرين، ومعظم اللاعبين بيوتُهم من زجاج، ولا يمكنهم رشق الآخرين بالحجارة!

الفساد والاصلاح

في حِماية الفساد السياسي والأمني

مشكلة الفساد هي مسألة مزمنة في لبنان وغالبية دول العالم العربي والعالم الثالث. والفساد السياسي والتسيّب الأمني هو المصدر الحقيقي للفساد الإجتماعي والفلتان البيئي والصحي في لبنان وسائر هذه الدول. ففقدان الحرية والديمقراطية في دول العالم الثالث هو رأس الفساد. والمؤسسات الدولية المتخصصة كالمنظمة الدولية للشفافية (Transparency International) تتحدث في تقاريرها السنوية عن انغماس لبنان في الفساد إلى حدود عالية، ولم نرَ الغيارى على الإصلاح والشفافية من السياسيين ووسائل الإعلام يتحركون. لذلك، ليس اكتشافاً أن يقال اليوم بوجود فساد في لبنان، على مستويات مختلفة. إلاّ أن تفجير الملف في الشكل الذي شهده لبنان في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً ما شهدناه خلال “الردح” الإعلامي بين الوزيرين غازي العريضي ومحمد الصفدي، يطرح علامات استفهام حول الجهات التي كانت وراء هذه الحملة المُبالَغ فيها والغايات التي تسعى إلى تحقيقها من خلال ذلك.

ويقول بعض المراقبين إن الدليل الأبرز على وجود افتعال لهذه الحملة، تحقيقاً لغايات معينة، هو ما أُثير حول سلامة الأبنية والجسور. فصحيح أن هناك كارثة مؤلمة وقعت في فسّوح، بسقوط مبنى سكني على بعض قاطنيه ما أدى إلى وقوع ضحايا. وصحيح أن المسؤولية تقع على المراجع المعنية لمراقبة المنشآت في شكل مستديم، ما يحول دون تكرار المآسي المماثلة. لكن اللافت هو مسارعة البعض إلى استغلال الكارثة، حتى تمكّن في مدى أسابيع قليلة، من تظهير صورة سيئة عن سلامة البناء في لبنان. وخلال هذه الحملة، جرى تفكيك جسر جل الديب في شكل طارئ، وتمّ استغلال سقوط مبانٍ أخرى وجدران كانت متداعية وانهيارات ترابية في طبرجا والشمال والجنوب والعاصمة. ومعظم هذه الحوادث يقع عادة في خلال فصل الأمطار والسيول، ولكن من دون أي ضجيج استثنائي. فلماذا يتمّ تضخيم الحوادث عينها هذا العام؟

وهل مِن أحد يخفى عليه مثلاً أن هناك خللاً فاضحاً في قطاع تعبئة مياه الشفة والتراخيص المعطاة إلى معامل التعبئة؟ وعندما يقول وزير الصحة علي حسن خليل إن ٨٥% من المعامل لم تنل ترخيصاً من الوزارة لمزاولة العمل، فما الجديد في ذلك، ما دامت هذه المعامل قائمة منذ عشرات السنين وتمارس عملها على مرأى ومسمع من كل النافذين؟ وكيف يمكن التصدّي أصلاً للخلل إذا كان بعض النافذين يمتلك بعضاً من هذه المعامل ويشغّلها في حرّية تامة؟! فإثارة وزير الصحة للمسألة قد تصبح مجرد محاولة لـ “النأي بالنفس” أو غسل الأيدي من هذه الأزمة وتداعياتها. وسيتبيّن لاحقاً أن مافيات تدير هذا القطاع، وليس في قدرة الوزير ردعها، ولا هو مضطرّ إلى الاحتراق في التصدّي لها ومحاولة اقتلاعها. وسيكون الوزير بهجومه الإصلاحي قد خرج من الأزمة وفقاً لقاعدة “اللهمَّ فاشهدْ… إني قد بَلّغت” أو على طريقة “دِقّ المَيْ مَيْ”!

وما يقال عن المياه في وزارة الصحة يقال أيضاً عن الدواء، جودةً وأسعاراً، وعن الإنقطاع المستهجن لبعض أدوية السرطان. والوعود المزمنة بضبط ملف الدواء محمولة من وزير سلف إلى وزير خلف، لكنها فالِج لا تعالِج.

وأما المضبوطات الغذائية التي تمّت مصادرتها وإتلافها، بالأطنان، فتشكل في حجمها جزءاً صغيراً جداً من السوق. وفي مقابلها آلاف الأطنان السليمة في المتاجر والمطاعم والفنادق. ولا يجوز تصوير لبنان وكأنه بلد الفساد الغذائي وهو يقوم على قطاع السياحة والخدمات، لمجرد ضبط كميات من المواد المنتهية الصلاحية أو الفاسدة في أحد المستودعات، والعثور على كميات متفرّقة من المواد الغذائية في مكبّات النفايات في بعض المناطق. والأحرى بالمرجعيات والأجهزة الرقابية أن تقوم بما يلزم سريعاً وفي شكل حازم وحاسم، ولكن من دون تشهير وتعميم وتضخيم يؤدّي إلى إلحاق الأذيّة بالإقتصاد اللبناني في اللحظة الحرجة. أما إذا كانت هذه الأجهزة تتصرّف على أساس امتلاكها معلومات عن فساد يستشري في الكثير من المتاجر، فذلك يستدعي في الدرجة الأولى أن تحاسَب هذه الأجهزة قبل سواها، لأنها أتاحت بالإهمال أو التواطؤ حصول هذا الفساد. وتالياً، يجب العودة إلى المصدر الحقيقي لفساد الأمن الإجتماعي، أي الفساد السياسي والأمني.

الفساد الحقيقي… لا ضجيج!

الجهات المتابعة لملفات الفساد تطرح أسئلة عن توقيت مشبوهٍ لإثارة ملف الفساد في هذا الشكل المبالغ فيه، وتجيب بأن إثارة كل هذا الضجيج والغبار في هذا الوقت تحديداً تهدف إلى التعمية عن فساد آخر أكبر بكثير. وهذا الفساد، في رأي تلك الجهات، ذو وجهين أساسيين: الأول هو التغطية على فشل القوى السلطوية الحالية في إدارة شؤون البلد، والتصارع على المغانم في قطاعي الكهرباء والنفط. والثاني هو التغطية على تجاوزات ومخالفات خطرة يحذّر منها المجتمع الدولي، ولا سيما صناعة الممنوعات على أنواعها وترويجها، من مخدرات وتبييض أموال ومخالفات مالية أخرى.

ففي الأسابيع الأخيرة، تردّدت في الأوساط الأوروبية والأميركية معلومات عن خطوات قد يتخذها الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على صعيد المخالفات المالية، نتيجة للحصول على معلومات تتعلق بتصنيع المخدرات وترويجها عبر العالم، من بوابة بعض دول أفريقيا وأميركا اللاتينية. وتردّد أن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ديفيد كوهين تناول هذا الملف بالتفصيل مع المسؤولين اللبنانيين خلال آخر زيارة له إلى بيروت.

ووفقاً لهذا المنظار، يغطي غبار الفساد في مستودع للحوم المنتهية الصلاحية، مأزق المتقاتلين على المغانم تحت شعارات الإصلاح. وربما يغطي على مستودعات الدمار الشامل بالمخدرات، في أماكن لا تخترق السلطة اللبنانية حصونها المنيعة. وثمة مَن وجد أن من الأفضل دفْع الرأي العام إلى التلهّي بفُتات الفساد، بدلاً من أن يتفرّغ للفساد الحقيقي… المحروس بفساد سياسي وأمني. ومن دون اقتلاع الوضع الشاذ سياسياً وأمنياً في البلد، عبثاً سيحاول الإصلاحيون… وستبقى شعارات الإصلاح وسيلة للتعمية أو الإستثمار السياسي والإنتخابي!

ه.خ.

صورة المرأة في الإعلام

إذا قمنا اليوم بقياس تفاعلنا مع المواد الإعلامية نجد أن الإعلام بكل أشكاله قد أصبح من روتيننا اليومي. وبذلك أصبح يشكّل الصور النمطية الراسخة في أذهاننا لكل شيئ، حتى فهمنا لذواتنا. فالإعلام، أو السلطة الرابعة، لا يقدّم فقط المعلومة والحدث لنا بل هو يقوم بتشكيل الرأي العام حول حدث أو قضية. إن له دور وسلطة في تحريك الرأي العام لذلك نجد أن للإعلام القوة في تحريك المجتمعات كما حصل خلال السنوات المنصرمة عندما اندلع الربيع العربي من تونس ثم انتقلت شرارته إلى جميع أنحاء الوطن العربي.

1

ينقسم الإعلام العربي إلى إعلام صادر عن دول محافظة واّخر مخصص للقطاع الخاص وهو في أغلبه تقليد للإعلام الغربي. وعلى الرغم من انتشار الفضائيات في الإعلام المرئي إلا أنه لا يعكس الواقع الحقيقي لبلد المنشأ، والصفة التي تعلب عليه هو كونه إعلاماً مسيساً أو إعلاماً للترفيه وليس التثقيف والتعليم. وإن تابعنا الإعلام المكتوب نجده إعلاما ناقلا للخبر والعلاقات العامة. ومع انتشار مواقع التواصل الإجتماعي نجد أن الكثير من الناشطين وجدوا أنفسهم قادرين على إيصال قضايا معينة والتفاعل بشكل مباشر وسريع مع المجتمع، بالإضافة إلى إنه غير تابع في أغلب الحالات إلى جهات سياسية أو حزبية، ولا يهتم بالربح التجاري، كما هو الحال في التلفزيونات والجرائد مثلاً، بل يركّز اهتمامه على قضايا ومسائل تهمّ المتابعين على وسائل التواصل.

ولطالما كان تعاطي وسائل الإعلام في العالم العربي مدار بحث ونقاش، والسؤال الذي يطرح هو: هل يتم التعامل بانتقائية مع قضايا المرأة العربية عبر وسائل الإعلام؟ أم أن المعالجة الإعلامية شاملة تطال المشاكل والعقبات التي تواجهها المرأة العربية؟

إن إجمالي المواد الإعلامية المتعلقة بقضايا المرأة هي مواد إنتقائية تتفاوت بإزدواجية بين القضايا الشكلية والقضايا المهمة. إن القضايا والمواضيع السائدة أو التي يطرحها الإعلام باستمرار هي قضايا تركّز على الأزياء والموضة والتجميل وصحة الأم والطفل.  لكن في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بالتحدث عن المشاركة السياسية للمرأة وأمور مثل الترشّح للانتخابات والتصويت، إضافةً إلى نقل أخبار الإحتفالات والفعاليات المختصة بالمرأة.

إن واقع المرأة العربية اليوم يتميز بازدواجية فعلية، فهي متواجدة في مناصب في صناعة القرار في العديد من الدول العربية وهذا الأمر يبدو أنه في ازدياد، أكان بفعل تطورات إجتماعية داخلية تطال بعض المجتمعات أو بسبب ضغوطات أميركية وأوروبية على هذه الدول والمجتمعات. أما الواقع الاّخر للمرأة، وهو يمثّل الحالة السائدة بشكل أكبر، هو معاناة المرأة من الأمية، والقصور في الثقافة العامة والوعي البيئي والحقوق المدنية. والإعلام للأسف لا يعكس هذا الواقع، كأنما هو يتعامل مع القضايا الإجتماعية المتعلقة بالمرأة فقط كمناسبات، مثل يوم المرأة العالمي مثلاً أو عند بروز قضية تكون “بطلتها” امرأة، كقضية عنف أسري مثلاً.

إن القضايا التي تتشارك بها المرأة العربية تتعلق بشكل كبير بالقوانين والتشريعات، كقوانين الجنسية والعقوبات والأحوال الشخصية. وعند تحليل ودراسة الإعلام العربي من حيث كيفية تقديمه لقضايا المرأة، نجد أنه يوجه رسالته في معظم الأحيان نحو القضايا “السطحية” من حيث عدم اقترابها من مشاكل المرأة الحقيقية، على الصعد القانونية والسياسية والإقتصايدة والإجتماعية. ونلاحظ أنه حتى في بعض البرامج التي تعالج مسائل جدية، يكون الطرح من خلال الغير مختصين ففي بعض الأحيان تكون المناقشة للقضايا المدنية من خلال رجال دين أو مراجع دينية فتخرج التوصيات للمرأة مركّزةً على ضرورة محافظة المرأة على جسدها وبيتها وزوجها، من غير التطرق إلى حقوق المرأة هذه!

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام العربية في تمكين المرأة؟

إن حضور المرأة كبير ومميز في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مع أن الدراسات تفيد بأنها نادراً ما تشارك في صياغة المضامين الإعلامية في هذه الوسائل وعادةً تكلف بما هو ثانوي من أعمال صحافية. فنجد أن أغلب الإعلاميات في الوسائل المرئية تبرزنَ في مهمة التقديم، خاصة في البرامج الترفيهية، وهذا ما يكرّس استثمار الصورة النمطية للمرأة الجميلة في شكلها وجسدها وطريقة تواصلها. وتقرّ بعض البحوث بأن ازدياد عدد الإعلاميات في وسائل الإعلام كفيل بأن يؤدي إلى تحسين أداء وسائل الإعلام من ناحية تقديم صورة إيجابية عن المرأة وهو ما جعل بعض الباحثين يهتمون  بحضور الإعلاميات عددياً، ليستنتجوا أن ذلك الحضور تطور بالنظر إلى ما كان عليه في بعض البلدان العربية وفي قطاع الإعلام المرئي بالأساس. كما يرى بعض الباحثين أن ما يزيد في سوء وضع الإعلاميات هو وضع قطاع الإعلام ككل في البلدان العربية، مستنتجين أن تحسين القطاع ككل يمكن أن يؤدي إلى تحسين أوضاع الإعلاميات، مع الإشارة هنا إلى أن وضع الإعلاميات لا يختلف كثيراً عن وضع الإعلاميين والخلل مرتبط بالظرف الإجتماعي والسياسي العام، والذي ينعكس بدوره على المؤسسات الإعلامية. إن ما يؤثر على عمل الإعلاميات والإعلاميين هو ارتباط مؤسسات الإعلام بمواقع سياسية، بالإضافة إلى المشاكل الهيكلية المتصلة بالظرف الإجتماعي، فالإعلاميات ينتقلنَ أكثر بين المؤسسات الإعلامية ومن مؤسسة إلى أخرى لأسباب مهنية وإجتماعية كالزواج والأسرة، الأمر الذي يحرم الصحافيات من الإرتقاء الذي هو مرتبط بالكفاءة و الأقدمية.

2

صورة المرأة في الإعلام العربي

 

إن الخلاصة التي قدمتها البحوث العربية حول صورة المرأة في الإعلام (نستتد هنا إلى ثلاثة وعشرين بحثأ) تشير إلى أنها صورة سلبية تقليدية. وتقدم لنا هذه البحوث دراسة إحصائية تركز على نسبة الصور السلبية التقليدية من الإيجابية العصرية، فتظهر لنا أن إجمالي تكرار الصورة السلبية هو 214 أي 78% ونسبة تكرار الصورة الإيجابية 58 أي 22%. وبهذا نستنتج وجود كلا الصورتين، ولكن الإعلام العربي ينشر الصورة السلبية بشكل يفوق الصورة الإيجابية للمرأة.

أ‌-        الصورة الإيجابية كما قدمتها البحوث العربية من خلال وسائل الإعلام المدروسة:

الصورة

التكرار

النسبة

عاملة

10

17,25%

قادرة على القيادة

7

12,7%

مشاركة في الشأن العام

6

10,34%

متعلمة

6

10,34%

مناضلة

5

8,62%

متفوقة

5

8,62%

ذات أخلاق عالية

6

10,34%

مواطنة

5

8,62%

رباضية

4

6,9%

عاملة عصرية

2

3,45%

ريفية

2

3,45%

المجموع

58

100

ب‌-    الصورة السلبية كما قدمتها البحوث العربية من خلال وسائل الإعلام المدروسة:

الصورة

التكرار

النسبة

مثيرة جنسيا

35

16,36%

فاسدة ألأخلاق و الطباع

26

12,15%

زوجة وربة بيت لا تعمل

26

12,15%

لا يعنيها إلا مظهلرها

21

9,81%

كائن مستضعف

21

9,81%

جاهلة و ضعيفة الأفق

17

7,94%

فاسدة العقل

14

6,54%

مادية و إنتهازية

10

4,68%

أم

10

4,68%

حضرية

10

4,68%

لا يهمها الشأن العام

7

3,27%

قابلة للإنجراح

7

3,27%

بدينة و قبيحة

3

1,40%

أخت

3

1,40%

إبنة

2

0,93%

فنانة

2

0,93%

مجموع

214

100

إن الصورة هي مجموعة أدوار وسلوكيات وصفات يتلقاها المشاهد، حيث تترسخ في أذهان المتلقي وتعطي صورة نمطية جديدة أو تكرس أخرى، على سبيل المثال: الإعلاميات الجميلات قد يمنحن النساء الجميلات قيمة أكثر في أذهان الناس. هناك صورة نمطية تترسخ في أذهان المتلقي من خلال المسلسلات وبرامج الترفيه والمواد الإعلانية بشكل أساسي. هذه صورة تشبه الأدوار أو السلوكيات أو الصفات التي تتكرر في المواد الإعلامية، مثال على ذلك المسلسلات السورية التي تعود لعهد قبل الإستقلال حيث كانت المرأة في درجة دونية وضعيفة خاضعة للرجل الأب والأخ والزوج، وخاصة الأغلبية التي لا تعمل وتعتمد على الرجل إقتصادياً، وتسود كذلك الأدوار التي تتمحور حول الرجل والزواج والنهايات السعيدة بتكوين عائلة. إضافةً إلى الصورة النمطية للمرأة السيئة السمعة التي تكون عادة تدخن السيجارة وتحتسي الكحول وتسهر، أو المرأة المطلقة المكسورة التي لا حول لها ولا قوة.

إن للإعلام التأثير المباشر على الرأي العام، لذلك عند تقديم المرأة على أنها شريك في المجتمع بكامل حقوقها الإنسانية والمدنية سيتم ترسيخ هذه الصورة، مع العلم أنها عملية تراكمية وتحتاج إلى وقت.

نادين ديب

طيور الظلام تحرق مكتبة السائح

1

كما جرت العادة منذ عدة أعوام، إحتشد اللبنانيون ليلة رأس السنة أمام شاشات التلفزة لمتابعة توقعات المنجّمين المودرن،اللذين توقعوا سنة كوارثية على لبنان، ولكن لا احد من هؤلاء المنجمين كان يتوقع ان كوكب المرّيخ وتأثيره الفلكي الكوارثي سيبدأ نشاطه بشكل مبكر للغاية،فمع بداية العام، هزّ تفجير ارهابي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، ثم عاد الهدوء الحذر ليلفّ لبنان قبل ان يتسلل الإرهاب تحت جنح الظلام ليعود الى طرابلس، فيغوص عميقاً، عميقاً جداً، فيمد يده الملوثة بالجريمة الى منارة من المنارات القليلة المتبقية ورمز من رموز المحبة والتآخي ما بين ابناء هذه المدينة الحزينة، التي أصبحت، كما يرى المتنورون من أبنائها، في يد الزعران!

إنها مكتبة السائح.

ففي ليل ٣-٤ كانون الثاني ٢٠١٤ وصلني الخبر التالي عبر Facebook: “إحراق مكتبة السائح التي تعود ملكيتها للأب ابراهيم سرّوج”، دون أن يعلم مصدر هذا الخبر أنه قد أصابني في الصميم.

فأنا تعرفت بالأب سرّوج عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، حيث كنت أذهب لزيارته كل يوم جمعة، بُعيد انصرافي من مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين القريبة.

في البدء كنت أقصد هذه المكتبة لشراء أو تبديل ما يسمّى بالألغاز، وهي مجموعة قصص بوليسية للأولاد، كان الأب سرّوج يضع على رفوف مكتبته أكبر مجموعة منها. لذلك تحوّلت لحظات تواجدي في هذه المكتبة لحظات متعة حقيقية، نظراً لشغفي آنذاك بهذا النوع من المطالعة. ومن ثم تطورت هذه الزيارات مع التقدم في العمر وتطور القراءات والإهتمامات، فتحوّلت زياراتي لهذه المكتبة عبارة عن “حلقات علم” إذ أن الأب ابراهيم قد تحوّل من مجرد صاحب مكتبة وقور وبشوش، إلى صديق متنور يعرّفني على أعظم الشخصيات الأدبية الموجودة على رفوف مكتبته المظلمة. فهناك التقيت بـ “حنا مينا” حاملاً ياطره ومصابيحه الزرق و”Milan Kundera” يطارد خفّته التي لا تُحتمل، وسمعت “نجيب محفوظ” يهمس همس الجنون في أذن “رادوبيس”، ورأيت “إبن رشد” يقف متفرجاً على ألسنة اللهب المتصاعدة من كتبه المحترقة وسمعت “محمد” عليه الصلاة والسلام يسرد سيرته النبوية العطرة!

وكان الأب سرّوج بالنسبة لي عبارة عن موسوعة حية، إذ انني لم أسأله يوماً عن شيئ إلا وكان لديه الإجابة اللازمة، التي كانت تشعرني بالفخر والاعتزاز بأنني صديقه القروي الصغير كما كان يصفني.

إمتدت يد الجهل والإرهاب لتحرق مكتبة السائح التي تحتوي على أكثر من ٨٠ ألف كتاب، ومَن غير جاهلٍ يستطيع أن يقدم على عملٍ كهذا، حيث التهمت ألسنة النيران ما يقارب العشرون بالمئة من محتوى هذا الصرح الثقافي الفريد.

وفور إعلان الخبر عبر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، هبّ المجتمع المدني الطرابلسي مستنكراً وبدأت على الفور حملة تضامن مع الراهب المحبوب من أهالي مدينته. كيف لا وهو رمز للعيش المشترك والمحبة الصادقة؟ فتمّ الحشد لاعتصام تضامني أمام المكتبة المحروقة، حيث عبّر المعتصمون عن غضبهم واستيائهم الشديد مما حصل. فوصف البعض إحراق المكتبة بأنه بمثابة “إحراق لمدينة طرابلس الفيحاء، مدينة العلم والعلماء”. وشبّه آخرون الحادثة بحادثة إحراق مكتبة بغداد على يد المغول في القرن الثالث عشر، ومكتبة قرطبة في الأندلس في القرن نفسه، مع الفارق أن القس “كمبيس” هو المجرم في قرطبة، بينما القس “سرّوج” هو الضحية في طرابلس.

خلال الإعتصام التضامني مع المكتبة

خلال الإعتصام التضامني مع المكتبة

وفور انتشار الخبر، توجهت أصابع الإتهام إلى من يسمّونهم بالـ”إسلاميين” ومن يريدون تغذية الحقد الطائفي والتفرقة بين أهالي المدينة الواحدة، خصوصاً بعدما أُشيع خبر عن مقال كتبه الأب سرّوج ومسيئاً فيه الى النبي محمد عليه الصلاة والسلام. ولكن تبين فيما بعد أنها إشاعة، وأن صاحب هذا المقال هو شخص آخر وقد كان كتبه في العام ٢٠١٠! فإعتبر مناصرو “الإسلاميون” أن هذا العمل هو من صنيعة المخابرات لإحداث فتنة وبلبلة، لنسمع بُعيد أيام قليلة إشاعة جديدة مفادها أن المجرم الحقيقي في هذا العمل الشنيع هو متمول من أبناء طرابلس وسياسي على صعيد الوطن، لا يتوانى في فعل أي شيئ لإزاحة من يعترض طريقه للحصول على مآربه. فقد أراد هذا المتمول شراء المبنى الذي توجد فيه المكتبة، وأرسل ن خلال مالك العقار مَن يفاوض الأب سرّوج على مبلغ كبير من المال مقابل ان يُخلي المكتبة. وحين رفض الراهب هذا العرض، لجأ هذا السياسي إلى إرسال طيور الظلام خاصته لإحراق المكتبة، محتمياً بالتوترات الطائفية المسيطرة على أجواء البلد حالياً. فقد أشيع الخبر أن الأب سرّوج قد تعرّض مع موظف لديه للتهديد بالسلاح، إذ أقدم أحد الشبان على إطلاق النار بين قدمي الموظف في الليلة التي سبقت حادثة الحريق. فتم إرسال عناصر من الدرك لحماية الكاهن ومكتبته، ولكن هؤلاء العناصر قد اختفوا عن الأنظار قبل أن يُقدم المجرمون على فعلتهم، مما رفع من احتمال أن يكون السياسي المذكور هو الطباخ الحقيقي لهذه الجريمة، إلى أن تكشف التحقيقات الجارية حالياً خباياها.

ولكن أبناء طرابلس الشرفاء برهنوا مرة أخرى أنهم أهل خير ومحبة. فكما هبوا للمساعدة والعمل بُعيد تفجير مسجدي السلام والتقوى، هبّوا أيضاً لإغاثة المكتبة المحروقة، فجمعوا التبرعات وحشدوا المتطوعين للقيام بأعمال التنظيف والترميم، ليعيدوا المكتبة تقريباً إلى ما كانت عليه قبل الحادثة، ليُظهروا وجه المدينة الحقيقي أمام أعين من يستغل كل شاردة وواردة ليصب زيت حقده على نار التفرقة.

الأب سروج يتحدث إلى الإعلام

الأب سروج يتحدث إلى الإعلام

إنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مكتبة في طرابلس للحريق، فقد سبق أن أُحرقت مكتبة بني عمار في القرن العاشر الميلادي. فعندما إحتل الصليبيون طرابلس، كان يرافق الحملة أحد القساوسة الذي تجوّل في القاعة المخصصة للقرآن الكريم، فاعتقد أن المكتبة بجميع قاعاتها مخصصة للقرآن الكريم، فأعطى أوامره بحرقها، وكانت تحتوي على ثلاثة ملايين كتاب (١)

ولكن ذلك لم يستطع أن يشوّه الوجه الجميل لهذه المدينة، بل تحوّل إلى حدث تاريخي عابر، يذكره المؤرخون في كتبهم وأبحاثهم، وهذا ما سيحدث مع ما نشهده الآن من أحداث عاصفة.

أما نحن، فسنبقى هنا، في طرابلس، لنزيل بأيدينا آثار الفتنة والجهل، في كل مرة ستمتد يد الجبناء إلى رموز المحبة والتآخي، فالخير أبقى من الشر، والنور وحده قادر على قهر الظلام.

(١) “شمس الله تسطع على الغرب” للمستشرقة الألمانية Sigrid Hunke

ماهر عوض