Monthly Archives: March 2014

مشكلة تلوث الهواء تبرز مع انحباس الأمطار الأرض تختنق والهواء يكاد يصبح قاتلاً

2
يفوق الهواء كل العناصر المكونة للبيئة فى قابليته للتلوث، لأنه يحمل الملوّثات الغازية معه من خلال مسارات الرياح وحركتها. والمعروف أن عنصر الهواء هو الأكثر طلباً في بقاء الإنسان، فالفرد الواحد يحتاج إلى كمية من الهواء فى اليوم الواحد تعادل ستة أضعاف حاجته للماء وعشرة أضعاف حاجته للطعام. وقد ينجم عن هذه الحاجة الملحة له ازدياد الخطورة على صحة الإنسان وعلى البيئة التي يعيش فيها نتيجة لتدهور نوعية الهواء الذي نتنشقه.

على مدار التاريخ وتعاقب العصور لم يسلم الهواء من التلوث بدخول مواد غريبة عليه، كالغازات والأبخرة التي كانت تتصاعد من فوهات البراكين، أو تنتج من احتراق الغابات، وكالأتربة والكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض. إلا أن ذلك لم يكن بالكمّ الذي لا تُحمد عقباه، بل كان في وسع الإنسان أن يتفاداه أو حتى يتحمله. لكن المشكلة برزت مع التصنيع وانتشار الثورة الصناعية في العالم، ثم مع الزيادة الرهيبة في عدد السكان وازدياد عدد وسائل المواصلات وتطورها واعتمادها على مشتقات البترول كوقود. ولعلّ السيارات هي أسوأ أسباب تلوث الهواء بالرغم من كونها ضرورة من ضرورات الحياة الحديثة، فهي تنفث كميات كبيرة من الغازات التي تلوث الجو، كغازات أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت السامة، هذا إضافة إلى مادة الرصاص الصادرة عن احتراق بعض أنواع الوقود التي تحوي هذه المادة بتركيبتها.

6

أسباب تلوث الهواء


تعود أسباب تلوّث الهواء تحديداً إلى المصادر التالية:

1- قطاع النقل والمواصلات على أنواعها: يشكّل هذا القطاع مصدر نحو 70 في المائة من الغازات الملوِّثة الموجودة في الهواء. وهذه النسبة المرتفعة سببها التزايد الهائل في إنتاج واستعمال السيارات والآليات. وبالتالي فإن تزايد عدد السيارات يعني زيادة في كمية الغازات المنبعثة من عوادم هذه السيارات.

2- مراكز الإحتراق الثابتة: تشمل هذه المراكز بوجه أساسي المحطات الحرارية لتوليد الطاقة الكهربائية وسائر المراكز الصناعية التي تستعمل الوقود في مراحل الإنتاج، مثل معامل الصلب والحديد والإسمنت وغيرها. وبالتقدير العام، فإن محطات الكهرباء الحرارية تستهلك ربع الإنتاج العالمي من مواد الطاقة، وبالتالي فإن نسبة مماثلة من الغازات والملوثات الهوائية مصدرها هذه المحطات. وأهم الملوثات الصادرة عن محطات الكهرباء هي غاز ثاني أوكسيد الكربون وأوكسيدات النيتروجين وثاني أوكسيد الكبريت والجزيئات على أنواعها.

3- المراكز والتجمعات الصناعية: تستهلك المراكز والتجمعات الصناعية قسماً كبيراً من الطاقة والمواد الأولية وبخاصة في البلدان المتطورة. ويُعدّ هذا القطاع السبب الرئيسي لتلوث الأرض والتربة والمياه وتزايد النفايات الكيميائية والخطرة، إضافة إلى تلوث الهواء إذا شملت عملية الإنتاج حرق الوقود.
4- العوامل الطبيعية: إضافة إلى المصادر المذكورة أعلاه، الملازمة لتطور حياة الإنسان وتقدمها، هناك مصادر أخرى طبيعية لتلوث الهواء منها البراكين التي تطلق كميات هائلة من الغازات إلى الجو. ومن المصادر الطبيعية الأخرى الغبار والأتربة المُثارة بسبب الرياح، وبخاصة الرياح في المناطق الصحراوية والجافة.

تزيد نسبة تلوث الهواء في المناطق التي تشهد زحمة سير مستمرة

تزيد نسبة تلوث الهواء في المناطق التي تشهد زحمة سير مستمرة

ومن الأمثلة الأكثر شيوعاً عن تلوث الهواء في لبنان مصانع الإسمنت في منطقة شكا، والتي تنفث يومياً سمومها منذ عشرات السنين. ويلاحظ المراقبون تزايداً خطيراً في أمراض الربو والنزلات الصدرية والأمراض المستعصية بين القاطنين في تلك المنطقة، سنة بعد سنة. وتقف الدولة اللبنانية مع وزارة الصحة مكتوفتي اليدين غير عابئتين بتلك الكارثة الصحية والبيئية التي تتسبب بها تلك المصانع عبر عدم التزامها بشروط السلامة العامة.

 

تلوث هواء وروائح كريهة!

تطالعنا الروائح الكريهة التي نشمها في أرجاء مدينتي طرابلس والميناء، خاصة في المناطق القريبة من مكب النفايات المتواجد على مقربة من مصب نهر أبو علي، مع اشتداد الرياح الشرقية التي تحمل معها روائح مقززة تنفذ إلى أنوف المواطنين. إلى جانب تلك الروائح، هناك روائح المجارير التي تصب في مياه شاطئ الميناء الذي أصبح شبه مغلق ويعيش كارثة بيئية خطيرة، ولا أمل بحلّ قريب لهذه المشكلة على المدى المنظور. وعند مراجعة المسؤولين في البلدية، تلمس لديهم عدم وجود خطة مدروسة أو مشروع لحل نهائي لتلك الكارثيتين البيئيتين. فلا مكب النفايات سيُنقل من مكانه، ولا المجارير التي يُفترض على البلديات المعنية أن تكون قد وضعت مصافي تكرير لهذه المياه الملوثة حتى تصب في مياه البحر مكررة وخالية من الميكروبات وبقايا الإنسان. ولا ننسى التسيّب الموجود في بعض شوارع المدينة حيث تطالعنا روائح كريهة ناتجة عن استعمال الأماكن المهجورة أو المخفية عن الأنظار كحمّام طبيعي يقضي فيه الإنسان حاجته. هذا إلى جانب أكياس النفايات وبقايا الأطعمة المرميّة على جوانب معظم الطرقات، مما يزيد في تشويه منظر الأرصفة والشوارع والتسبب في الروائح الكريهة. وما زلنا نشهد إلى جانب كل هذا التسيّب حرقاً للدواليب المستعملة والحديد والنحاس من دون حسيب أو رقيب بهدف التجارة والربح.

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن قضية تلوث الهواء لاسيما في المدن تجاوزت كل الخطوط الحمراء. والدراسات المقارنة والمتفرقة منذ العام 1995 كانت قد أكدت ان نوعية الهواء في لبنان تستدعي إعلان حالة طوارئ لأكثر من مئة يوم في السنة يكون التلوث فيها في حالة الذروة في المدن وعلى ارتفاع بين 600 و700 متر عن سطح البحر.

كما كانت “وحدة البحوث المشاركة حول نوعية الهواء” ، التي تضم باحثين من الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف، والتي أنشاها المجلس الوطني للبحوث العلمية في أواخر عام 2008 ، قد قامت بقياس مستويات الغازات السامة والمواد العالقة في الهواء في مدينة بيروت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ووجدت أن مؤشرات تلوث الهواء في مدينة بيروت تتجاوز بأضعاف الحد الأعلى المسموح به من قبل منظمة الصحة العالمية!

كما أظهرت دراسات فريق العمل أن تلوث الهواء في لبنان لم يعد ينحصر في المدن، بل يمتد إلى ارتفاعات بين 700 و900 متر عن سطح البحر، حسب فصول السنة وحسب اتجاهات الرياح ودرجات الحرارة…الخ، وهذا يعني أن الحديث من الآن وصاعداً لم يعد ينحصر بتلوث هواء العاصمة بيروت، بل بتلوث هواء لبنان بشكل عام، بناء على كل المعطيات المناخية والتوبوغرافية وبناء على التنظيم المدني وكيفية ترتيب الأراضي في لبنان.

كما بينت الدراسات أن تلوث الهواء يكون في أدنى مستوى له في فصل الشتاء، أثناء تساقط الأمطار التي تسقط معها التلوث على الأرض. إلا أن أوقات الشتاء لا تشكل سوى ما يقارب 75 يوماً من أيام السنة وذلك حسب الإحصاءات لعامي 2010 (73 يوم شتاء) والعام 2011 (77 يوم شتاء)، مع معدل انخفاض قياسي خلال هذه السنة 2014. وقد تبين أن التلوث يسيطر على الأجواء اللبنانية طوال 295 يوماً، بينها ما لا يقل عن مئة يكون فيها التلوث في حالة الذروة، وهو رقم مرتفع جداً بالنسبة إلى بلد لطالما تغنينا به على أنه “لبنان الأخضر”. كما أشارت الدراسة إلى اتجاهات الرياح بالنسبة إلى المدن القريبة من الساحل حيث يأتي الهواء من البحر إلى اليابسة نهاراً، في حين يحصل العكس ليلاً. وبالتالي تكون حالة الذروة من التلوث في النهار، ولاسيما بالقرب من الطرق المزدحمة بالسيارات. أما الكلفة الصحية لمعالجة الأمراض الناجمة عن تلوث الهواء فقد بلغت 1,02 من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان!

أما جديد هذا الملف فهو تحرك وزارة البيئة والعمل مع اختصاصيين كي تضع برنامجاً لمراقبة نوعية الهواء، وقد انطلقت المرحلة الأولى من هذا المشروع بخمسة أجهزة موجودة في بعض المناطق اللبنانية وهي أجهزة تعمل بشكل مستمر وتنقل بيانات بشكل “اوتوماتيكي” حول نوعية الهواء إلى وزارة البيئة حيث يقوم اختصاصيون في الوزارة بتحليلها وتحويلها إلى “داتا” لكي تتمكن من مراقبة نوعية الهواء.

و تتمركز هذه المحطات الخمس في الأماكن التالية: معهد التعليم في ثكنة محمد مكي في بعلبك، ثانوية رفيق الحريري في صيدا، حديقة المنشية في زحلة، مجمع الجامعة اللبنانية في الحدث، وحرج بيروت.

ويلاحظ هنا أن هذه المواقع لا تشمل أكثر المناطق “سخونة” من حيث تلوث الهواء فيها، لا سيما على أوتوستراد الدورة نهر الموت انطلياس، حيث تسجل زحمة سير مستمرة وحيث يصطدم الهواء بالجبل القريب ويبقى في المنطقة!

مع ذلك، فإن هذه الطروحات هي جيدة من دون شك، بشرط أن نرى آثارها في حياتنا اليومية! ولتاريخ اليوم لا يمكن تلمّس أي تغيّر أو تحسّن في نوعية الهواء في أجوائنا، فتلوث الهواء ما يزال على أسوأ حال بل هو يسير من سيء إلى أسوأ. وما زلنا نشهد حتى اليوم ازدياداً مخيفاً لانبعاث الملوّثات من مختلف أفران الورش الصناعية، ومن عشرات المولّدات الكهربائية المنتشرة في كل الأحياء وفي قلب مناطق سكنية مكتظة بالسكان. هذا بالإضافة إلى انبعاث الغازات السامة الصادرة عن احتراق الوقود في عشرات السيارات والآليات، خاصة تلك التي تسير على المازوت الذي تُستورَد أسوأ أنواعه إلى لبنان! بالإضافة إلى تلوث الهواء الناتج عن حرق النفايات أو تراكمها وتحللها الأمر الذي يؤدي إلى انبعاث الغازات السامة. ولا ننسى أننا مجبرون خلال فصلي الربيع والصيف من كل عام على استنشاق الروائح الكريهة المنبعثة من وقت لآخر من مكبات النفايات السيئة الصيت.

حرق إطارات السيارات من العوامل التي تزيد من التلوث

حرق إطارات السيارات من العوامل التي تزيد من التلوث

سبل حماية الجو من التلوث

 

يمكن لكل بلدية أن تحارب تلوث الهواء، كما يمكن لكلّ مواطن وبمبادرة فردية منه أن يساهم في التخفيف من نسبة التلوث المتزايدة في الهواء، عبر اعتماد الوسائل التالية:

 1- التقليل قدر الإمكان من استعمال السيارات والإستعاضة عنها بدراجات هوائية أو بالمشي. فالمشي ليس مفيداً للصحة فحسب بل هو مفيد للبيئة أيضاً.

2- استعمال وسائل النقل العامة من باصات أو تاكسيات، بدل استشراء ظاهرة (لكل مواطن سيارة)!

3- إعتماد الوقود الصديق للبيئة.

4- زيادة ارتفاع مداخن المصانع وتزويدها بمرشحات ومصافي لحجز الغبار والدخان.

5- عدم الترخيص بإنشاء أي مشروع صناعي إلا بعد دراسة تأثيره على البيئة.

6- القيام بزرع الأشجار، فكل شجرة قادرة على امتصاص كميات كبيرة من ثاني اوكسيد الكربون.

7- إيجاد فسحات خضراء  كبيرة في المدن المكتظة بالمباني والسكان.

8- إعتماد خطط فعالة لفرز النفايات لتدارك انبعاث الغازات السامة من النفايات في حال تراكمها بشكل عشوائي، ومنع حرق القمامة في الهواء الطلق.

9- التوعية البيئية في المدارس والجامعات.

 ولكن هل من حلول جذرية للتخفيف من حدة تلوث الهواء؟ الجواب هو كلا، مع العلم أن كل مواطن بإمكانه بأن يساهم بقسط ولو ضئيل في عملية الحد من تلوث الهواء أو في تفاقمه.

ترشيد استهلاك المياه: ضرورة وليس ترفاً

1

المياه عنصر أساسي من عناصر البيئة التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهي أساس الحياة على هذه الأرض وأساس حياة الكائنات عليها. ولا تقتصر الماء على الحياة فقط، فهي تدخل في معظم الأنشطة الإقتصادية وخاصة الزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء.

تشكّل المياه حوالى 70 % من سطح الكرة الأرضية، إلا أن نسبة المياه العذبة تشكّل 3 % فقط من إجمالي المياه الموجودة في العالم. ومع تزايد عدد السكان بشكل يصعب على كمية المياه المتوافرة سدّ حاجاتهم، فقد برزت منذ عقدين من الزمن على الأقل مشكلة النقص في المياه الصالحة للشرب. وهذه المشكلة لم تنتج عن الزيادة السكانية في مختلف دول العالم فحسب، مما أدّى إلى استنزاف الموارد المائية، بل كذلك عن زيادة نسبة التلوث في مصادر المياه ومجاريها ومسطحاتها. وبالرغم من الأهمية القاطعة للمياه التى تفرض على كل مواطن مسؤولية الحفاظ عليها، فإن حالة التسيّب السائدة على هذا الصعيد بالإضافة إلى عدم الوعي بخطورة الموضوع أدت إلى وقوع إهدار رهيب للمياه وانتشار طرق الإستهلاك الخاطئ لهذه الثروة الطبيعية.

 شهدنا في الأعوام الأخيرة ازدياداً كبيراً في حرارة الجو خلال أشهر الصيف وتناقصاً في معدلات تساقط الأمطار، وضرب ارتفاع الحرارة أرقاماً قياسية خلال عامي 2010 و2012. هذا الأمر أدى إلى انتشار الجفاف والشحّ في المياه في الكثير من مناطق العالم ومنها لبنان. وبالرغم من تميّز لبنان عن سائر دول الجوار بوفرة مصادر المياه فيه، فإن مشكلة لبنان مع المياه ليست جديدة. ومع أن عواقب الحرب الأهلية لعبت دوراً في خلق أزمة المياه، فإن استمرار هذه الأزمة وتفاقمها يعود إلى سوء الإدارة لدى الجهات الرسمية المختصة وإلى عدم استهلاك الماء بشكل مسؤول ومنضبط من قبل المواطنين.

ثروة المياه في لبنان

2

تتمثل مصادر المياه في لبنان بالموارد التالية:

1- مياه الأمطار.

2- الثلوج المتراكمة التي تُعتبَر خزّاناً مهماً للمياه الجوفية.

3- المياه الجوفية.

4- الأنهار والينابيع والآبار الجوفية.

يصل عدد الأنهار في لبنان إلى سبعة عشرة نهراً أهمها نهر الليطاني، ويُقدَّر عدد الينابيع بحوالى 2000 وعدد الآبار بـ 2500 بئراً.

وتوفر هذ المصادر ما يقارب 10 مليارات متر مكعب, علماً أن التقديرات لدى بعض المؤسسات والخبراء هي متناقضة, حيث أن بعض التقديرات للموارد المائية في لبنان تتراوح بين 3 و5 مليارات متر مكعب.

الأمطار

يبلغ المعدل السنوي العام للمياه على مختلف الأراضي اللبنانية في سنة متوسطة الأمطار نحو 8200 مليون متر مكعب. يتسرّب من هذه الكميات إلى باطن الأرض 1500 مليون م3 في حين يبقى 6700 مليون م3 على سطح الأرض. وفي المياه المتسرّبة إلى داخل الأرض يجري 685 مليون م3 إلى فلسطين والبحر، ويتبخّر 250 مليون م3، فيما يبقى في جوف الأرض 565 مليون م3 كحد أقصى من المياه القابلة للاستعمال.

أما كميات المياه السطحية والتي تبلغ 6700 مليون م3 فيذهب منها إلى سوريا 450 مليون م3 عبر نهر العاصي و220 مليون م3 إلى فلسطين عبر الوزاني والحاصباني، وتبلغ الكميات التي تتبخّر 3850 م3 ويبقى قابلاً للإستعمال 2200 مليون م3. وتُقدَّر كميات المياه التي يمكن استعمالها إن في جوف الأرض أو على سطحها بـ 2767 مليون م3 يُستخدم منها حالياً 1300 مليون م3 ويُهدر 1467 مليون م3 في البحر.

وتُظهر هذه الأرقام أن المياه التي تعبر أنهار وسواقي وأراضي لبنان وتصبّ في البحر، تتعدّى حجم المياه التي تُستخدَم للشفة (350 مليون م3) والصناعة (70 مليون م3) والري (900 مليون م3) في وقت يعيش فيه العديد من المدن والقرى والمناطق شحّاً وتقنيناً في المياه طوال السنة وحتى في أيام الشتاء أحياناً.

تلوّث المياه

 

أشارت دراسة قامت بها منظمة اليونيسف خلال التسعينات إلى أن 60 إلى 70 في المائة من مصادر المياه والشبكات في لبنان معرّضة للتلوث الجرثومي، وهذا التلوث موجود في جميع المناطق اللبنانية. أما أسباب التلوث وفقاً للدراسة فهي:

– عدم وجود حماية لمصادر المياه الطبيعية.

– تعرّض الينابيع والمصادر السطحية لمياه الزراعة والمياه المبتذلة والنفايات الصلبة.

– الطرق غير السليمة للتخلص من المياه المبتذلة والنفايات الصلبة.

– تعرّض شبكات المياه لتسرب المياه المبتذلة إليها.

– غياب الصيانة الدورية لشبكات توزيع المياه.

– غياب الطرق السليمة لتعقيم المياه.

ولفتت الدراسة إلى أن المياه الجوفية تتعرّض لاستغلال عشوائي في غياب القوانين والأنظمة الرادعة. وقد نتج عن استباحة هذه الثروة الطبيعية استنزاف كميات المياه المتوافرة واختلال التوازن بين الوارد الطبيعي المغذّي للخزّان الجوفي وعملية السحب المتمادية للمياه بواسطة آبار ارتوازية ارتفع عددها بشكل عشوائي مخيف.

وهكذا فلبنان مهدّد كسواه من الدول العربية بنقص في المياه بحلول عام 2015 مما يوجب إعطاء أهمية لاعتماد سياسة مائية أي خطط ومشاريع للإستفادة من المياه المتاحة وإيجاد مصادر جديدة لتلبية الحاجات من قبل الجهات المسؤولة. ولكن ما هو دور المواطن؟ وهل يستطيع كل فرد منا أن يساهم في معالجة مشكلة المياه أو تفاقمها؟

3

ترشيد استهلاك المياه

 

إن مشاكل نقص وتلوّث المياه ليست من مسؤولية مصالح المياه أو الوزارات والإدارات المختصة فقط، بل لا بدّ من مشاركة جميع المواطنين في علاج هذه المشاكل وذلك عن طريق اكتساب “وعي مائي” وتنمية الإتجاهات والسلوكيات السليمة لدى المواطنين في تعاملهم مع الموارد المائية بهدف ترشيد استهلاك المياه واستغلالها بشكل أفضل.

ولكن واقع الحال يُظهر إساءة استخدام المياه في المجالات المختلفة، والمواطن اللبناني ليس لديه ثقافة الترشيد في مجال المياه. فعلى سبيل المثال، يجري استهلاك مياه الشرب بلا ضوابط فتُغسل بها السيارات والشوارع وتُروى بها الحدائق. ويبدو أن رخص ثمن المياه ووصولها إلى المستهلكين بأسعار في متناول أيديهم يشكّل دافعاً لهم لإهدارها!

من هنا تبرز أهمية توعية المواطن لإدراك ضرورة حسن استهلاك المياه، خاصة وأن ترشيد استهلاك المياه أصبح يُعدّ مؤشراً على المواطنة الصالحة ورمزاً للتحضّر وإسهاماً حقيقياً في حماية البيئة. وللعلم فإن معظم الدول الأوروبية، التي تمتلك عدداً وفيراً من الأنهار والبحيرات العذبة ولا تتهدّدها مشكلة شح الموارد المائية، تنتهج سياسة ترشيد استهلاك المياه على المستويين الرسمي والشعبي لقناعتها بأن الماء مورد نفيس يجب المحافظة عليه من الهدر.

والمقصود بالترشيد هو الإستخدام الأمثل للمياه الذي يؤدّي إلى الإستفادة منها بأقل كمية وبأرخص التكاليف المالية الممكنة في جميع مجالات النشاط. وعند التحدّث عن ترشيد استهلاك المياه فالهدف الرئيسي هو توعية المواطن بأهمية المياه باعتبارها أساس الحياة والعنصر الأساسي في كافة المجالات الصناعية والزراعية والسياحية. والدعوة إلى الترشيد لا يُقصد بها الحرمان من استخدام المياه بقدر ما يُقصد بها العمل على تغيير الأنماط والعادات الإستهلاكية اليومية بحيث يتّسم السلوك الإستهلاكي للمواطن أو للأسرة بالتعقّل والإتزان وعدم الإسراف.

أشكال الهدر وكيف نوقفه

 Watersplash

إن هدر المياه هو استهلاك الكمية الزائدة عن الحاجة، وهذا النمط من السلوك مرتبط بعادات المواطنين المتوارثة وبقلة الوعي وضعف الإحساس بالمسؤولية. غير أن تلك العادات يمكن تداركها بكل بساطة حفاظاً على الثروة المائية وتخفيفاً من هدرها.

ما هي حالات الهدر التي نمارسها في حياتنا اليومية وما العمل للتخفيف منها تمهيداً للتخلص منها؟

– ترك الحنفية مفتوحة لبعض الوقت من دون فائدة لا يؤدي سوى إلى هدر المياه والخسارة المادية بسبب ما يؤديه ذلك من ارتفاع قيمة فاتورة المياه، المفروض إغلاق الحنفية في حال عدم الحاجة إليها.

– الحنفية التي تسرّب الماء تهدر 726 ليتر يومياً على الأقل، وهذه تشكّل نسبة كبيرة من حصة الفرد من مياه الشرب يومياً. لذلك لا بد من إصلاح أي تسرّب للمياه ضمن المنزل.

– إستخدام كأس عند تنظيف الأسنان يوفّر كميات كبيرة من المياه، إذ غالباً ما تُترك الحنفية مفتوحة أثناء تنظيف الأسنان وبذلك تُهدر كمية لا تقلّ عن ثلاثة ليترات بينما يكفي لتنظيف الأسنان نصف ليتر.

– إستعمال الدوش عند الإستحمام يستهلك تقريباً 20 لتر من الماء، بينما يستهلك حوض الإستحمام (البانيو) ما يزيد عن 140 لتر.

– غسيل أرض المنزل بواسطة خرطوم المياه يتسبب في هدر كبير للمياه، بينما تستهلك طريقة المسح العادي كمية أقل بكثير من المياه.

– إستخدام الغسّالات الحديثة يؤدي إلى توفير الإستهلاك، إذ تستهلك الغسالات القديمة 100 ليتر على الأقل بينما الحديثة تستهلك 25 ليتر.

– إستخدام دلو المياه عند غسل السيارة وعدم استخدام خرطوم المياه لأن الخرطوم يستهلك حوالي 300 لتر في كل مرة.

من جهة أخرى، تقع مسؤولية كبيرة على مصالح المياه والإدارات المسؤولة عنها في مسألة الحدّ من هدر المياه. وهذه المسؤولية تتمثّل بحماية المصادر المائية المتوفّرة والحفاظ عليها كي تبقى صالحة للإستهلاك البشري ومنع تلوّثها، وتجديد أو تبديل شبكات خطوط المياه القديمة والمهترئة للحدّ من نسبة الهدر المائي فيها، إضافة إلى قمع المخالفات والتعدّيات التي تحصل على الشبكات وإيقاع العقوبات اللازمة بحق المخالفين.

الإعتماد الحقيقي يبقى على وعي المواطن

 

لا شكّ أن التوعية حول ضرر الإستعمال غير المسؤول للمياه مازالت تحتاج إلى بذل جهود كبيرة على كافة الإتجاهات ومن كل مؤسسات المجتمع. فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع، ابتداءً من المنزل مروراً بالمدارس والجامعات وكافة المؤسسات الإجتماعية والتربوية والأجهزة الرسمية في الدولة، وصولاً إلى دور وسائل الإعلام الجوهري في مجال التوعية في هذا الشأن.

لقد حان الوقت لتبنّي “ثقافة مائية” أكثر تقشفاً للحفاظ على الثروة الكبرى التي تشكّلها المياه في لبنان واستثمارها بطريقة فعّالة. مع التنويه بأن حاجات المواطنين من المياه قد تصل إلى مرحلة لا تعود خلالها الموارد المائية قادرة على تلبية الطلب المتزايد في حال لم يتمّ اعتماد ثقافة استهلاك مائية مسؤولة ومتطورة، والأمر المشجّع هو أن ترشيد استخدام المياه لا يتطلب إمكانيات اقتصادية أو فنية كبيرة وهو في متناول يد كل مواطن.

وائل حداد

الأبنية المخالفة قبور لساكنيها

Pic

سلطت قضية “مبنى كريمة” الذي كان مهدداً بالانهيار مؤخراً في منطقة أبي سمراء بطرابلس الضوء على ظاهرة مخالفات في الأبنية التي تنامت في الآونة الأخيرة وخاصة في المناطق الشعبية، وهي بدأت تهدد بحصول كوارث إنسانية أكثر ما تتجلى مخاطرها أثناء وبعد كل عاصفة تضرب لبنان وتؤدي إلى ظهور تشققات في العديد من هذه المباني.

وقد شهدت طرابلس خلال العامين الماضيين، على غرار مناطق عديدة من لبنان، فورة عمرانية عشوائية تمثلت بإضافة طبقات على مبان بطريقة مخالفة ومن دون اللجوء إلى مهندسين، وفي ظل غطاء سياسي وأمني عمل على تسهيل مهام المخالفين، الذين استغلوا غياب السلطة المعنية وحال الفوضى وانتشار السلاح، وأنشأوا شقـقاً من دون مراعاة الحد الأدنى من شروط السلامة العامة.

المعلومات تتضارب في طرابلس حول عدد الشقق التي تم إنشاؤها مؤخراً، فمنهم من يقدّر الرقم بـ500 شقة، ومنهم من يصل به إلى حدود الألف شقة! وهذه المخالفات تقع بمعظمها في المناطق الشعبية وضمن عشوائيات سكنية بنيت في السنوات الماضية بطريقة مخالفة وجرى مؤخرا إضافة شقق عليها، ما زاد الطين بلة وحوّل معظم المباني القائمة عليها إلى قنابل موقوتة قد تؤدي في ظروف معينة إلى حصول كارثة إنسانية، قد يصعب التعامل مع نتائجها.

مخالفات في طرابلس وفي كل المناطق

مخالفات في طرابلس وفي كل المناطق

وجاءت موجة البناء المخالف في المدينة لتكشف في شقها السياسي عن عدم احترام قسم كبير من قيادات المدينة ومرجعياتها الأمنية للقانون من جهة، ومن جانب آخر عن حال الفوضى التي تعيشها المدينة، والتي تتخذ من عنوان الحاجة والفقر شعاراً للتمادي في المخالفات، والتي لم تعد تقتصر على من يقوم بها بعدما كشفت تقارير صحافية أن معظم الشقق التي شيدت، قام المخالفون ببنائها بطريقة مخالفة على مبان لم يؤخذ رأي قاطنيها ومورست عليهم عمليات ضغط وتشبيح وتهديد لعدم القيام بأي تحرك أو رفع دعاوى قضائية، وهو ما وضعهم بين نارين، إما السكوت خوفاً من ردات فعل المخالفين وإما تحمل النتائج السلبية للمخالفات.

ويمكن القول إن معاناة سكان “مبنى كريمة” تلخّص جانباً من القضية، حيث جرى تشييد شقق إضافية من دون أخذ رأي السكان أو الاستماع إلى مخاوفهم، خصوصاً وأن من نفذ عملية البناء كان يحظى بغطاء سياسي سهّل له التمادي في مخالفاته.

لكن حجم الكارثة لدى السكان الذين اضطروا لترك المبنى، وتنفيذ اعتصام أمامه وتحويل قضيتهم إلى قضية رأي عام، وضع المخالفين في دائرة الضوء خاصة بعدما تخلى عنهم الداعمون، وفق ما أكدت تقارير صحافية قالت بأن ” الجهات التي كانت سهلت لهم عملهم، طالبت بتحميلهم المسؤولية وسجنهم إذا اقتضى الأمر”!

وتسود المدينة حال من الخوف من تداعيات تلك المخالفات مستقبلاً، خصوصاً في المناطق الشعبية، والتي لجأ بعض من فيها إلى القضاء المختص، وعملوا على رفع دعاوى بحق المخالفين الذين أنشأوا شققاً على أسطح مبانيهم.

مخالفات على  عينك يا تاجر

مخالفات على عينك يا تاجر

وقد ساهمت التحركات والضغوط والإتصالات التي قام بها سكان مبنى كريمة بصدور مبادرة أعلنتها بلدية طرابلس تمثلت بقرار صرف مبلغ 200 مليون ليرة على تدعيم المبنى، مع الاستغراب أن البلدية لم تعمد إلى فرض غرامة على المخالف والدفع للمتضررين من جيبه الخاص!

في الخلاصة، فإن الملفت في هذه القضية هو أن “أبطال” مخالفات البناء في طرابلس معروفون بالأسماء من قبل المراجع السياسية والأمنية في المدينة، وهؤلاء جنوا ثروات طائلة مع من يغطونهم، إلا أن الأضواء سُلّطت فقط على مبنى كريمة أكثر من سواه، مع أن أكثر من مهندس وناشط كانوا قد حذروا أخيراً من أن طرابلس مقبلة في السنوات المقبلة على كوارث كبيرة وانهيارات إذا لم تجر عملية صيانة وترميم للأبنية المتصدعة، وقبل ذلك كله وضع حد لمسلسل مخالفات البناء وإيقافه عند حده.

عادة متأصّلة في المجتمع اللبناني: سوء تعامل المواطن مع الممتلكات العامة

1

تمرّ بك مشاهد في لبنان، غير مألوفة في العديد من البلدان الأخرى، ولكنها مألوفة جداً إلى درجة الإعتياد في هذا البلد. فهنا مبنىً مخالف يقضم من الطريق العام وآخر هناك غير مطابق لمواصفات التنظيم المدني، بينما تجد هنالك اقتطاعاً لجزء من الشارع العام أوحتى رصيف المشاة لمواقف السيارات أو لبسطات الفاكهة والخضار والثياب. هذا بالإضافة إلى مشاهد الجدران المطلية بالعبارات والصور والرسوم والأشكال إن على الطريق السريع (الأوتوستراد) أو على جوانب الطرق الرئيسية و الفرعية. فكأنما يد الملصق والخط العشوائي لا تترك منطقة أو زاوية أو جداراً إلا وتملأه بالشعارات والإعلانات والملصقات.

وفي كل مكان على امتداد شاطئنا، تتعدّى بعض المنتجعات والمجمـّعات البحرية والفنادق على الأملاك العامة البحرية بشكل كلّي أو جزئي، فلا تترك مجالاً للمواطن ولا حتى للسلطة العامة بالتصرّف أو التنقّل في هذه الأملاك.

ومؤخراً، أُضيف مشهد إلى سلسلة المشاهد الكثيرة من التعدّي على الأملاك العامة، ألا وهو احتلال الساحات العامة والمكوث فيها وشغلها للسكن والإستعمال المتماديين!

كلّ ذلك يطرح مشكلة كبيرة وعميقة الأثر في مجتمعنا ألا وهي ظاهرة التعدّي على الأملاك العامة التي يبدو أنها أصبحت عادة متأصّلة في مجتمعنا اللبناني، وأصبحنا معتادين عليها إلى درجة أننا نمرّ عليها مرور الكرام.

ما هي الأملاك العامة؟

باختصار هي كل الأملاك التي ليست ملكاً خاصاً لأحد بل هي ملك للدولة أو للبلديات، والتي يمكن وصفها بالتالي أنها “ملك لجميع المواطنين”. وتُعتبَر أملاكاً عامة الطرقات والشوارع والساحات والأرصفة وخطوط الكهرباء والهاتف والمياه والشواطئ، مع الإشارة هنا إلى الوضعية الخاصة للشواطئ في لبنان حيث أن الشريط الساحلي الذي لا يتعدى طوله الـ 220 كلم والذي من المفترض أن تكون النسبة الأكبر فيه متاحة لجميع المواطنين، نجد أن هذه النسبة الأكبر هي على العكس من ذلك غير متاح الوصول إليها للجمهور إلا بعد دفع رسوم دخول معينة.

حالة متجذّرة وقديمة

مخالفات البناء في بلدة علما

مخالفات البناء في بلدة علما

يمكن اعتبار سوء تعامل المواطن مع الممتلكات العامة ظاهرة لبنانية ميّزت مجتمعنا منذ وقت طويل وخاصة بعد اندلاع الحرب وحتى الآن، وهي للأسف ظاهرة شاملة إذ أنها تشمل المناطق اللبنانية كافة بنفس النمط من ذهنية التعدّي وعدم احترام الملكية العامة، وبشكل نسبيّ بين منطقة وأخرى. إن احترام أو التعدي على الأملاك العامة يمكن النظر إليه من عدة زوايا:

1- الزاوية القانونية: فالقانون هو الذي يحدّد الأملاك العامة ويحميها وينظّم أسلوب التعاطي معها. ومن هنا فالمواطن محكوم (ولو نظرياً!) بالتقيّد بالقانون الذي ينظّم علاقته بهذه الأملاك، والسلطة لها الحق القانوني بالتصرّف واستعمال وحماية تلك الأملاك. وهنا تظهر إشكالية من جانب المواطن الذي يتعدّى حيناً ويستهتر أحياناً في تعامله مع الأملاك العامة، وكذلك من جانب الدولة التي قد تمتنع، لسبب أو لآخر، عن حماية تلك الأملاك أو إزالة التعدّيات عليها بعد حصولها.

وهنا تجدر الإشارة إلى بعض ما لحظه القانون اللبناني في شأن التعدي على الساحات والطرق العامة مثلاً، فقانون العقوبات اللبناني أشار في المادتين ٧٥٠ و ٧٥١ منه إلى معاقبة كلّ مَن أقدم على تخريب الساحات والطرق العامة أو سدّ الطريق من دون رادع من السلطة بوضعه عليها أي شيء يمنع حرية المرور وسلامته، بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة من مائة ألف إلى مليون ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

2- الزاوية النفسية: فهناك نظرة تقليدية متوارثة ومستمرة لدى أغلب المواطنين، تنظر إلى الأملاك العامة كأملاك يمكن التصرف أو التعدّي عليها، أو في أحسن الأحوال الإستهتار بها. وفي الوقت الذي يبدو فيه ظاهراً من قبل الجمهور احترام الملكية الخاصة، فإن التعدي على الأملاك العامة لا يعدّ من المحرّمات بل هو “شطارة”. والملك العام في أغلب الحالات غير محترم، و”الشاطر” هو من يستخلص حصته منه، مع الحرص على عدم الإنكشاف أمام الجهات المسؤولة. وهذه “الحالة النفسية” يمكن إرجاعها إلى رغبة في “الإنتقام من الدولة” وخاصة من قبل الشرائح الإجتماعية المحبطة اقتصادياً أو اجتماعياً، مع ما يرافق هذا الإحباط من مسلكيات وتعدّيات وكسر للأنظمة والقوانين. هذا الأمر يوصلنا إلى الزاوية الثالثة.

3- علاقة المواطن بالدولة: فمن منطلق التهاون القانوني في التعامل مع الأملاك العامة ومن منطلق النظرة إلى تلك الأملاك على أنها أقلّ حرمة من الأملاك الخاصة، نجد أن نظرة اللبناني هذه جزء من علاقته الأشمل مع الدولة بمؤسساتها وأملاكها. إذ يأخذ المواطن دائماً على الدولة مآخذ جمـّة تكاد تشمل كل نواحي حياته ومعاناته، وهو لا يثق بها ويحذّر من جميع أعمالها التي يضعها في خانة الشك أو المآخذ المسبقة. ويعتبر أن الدولة، في الكثير من مواقعها ومؤسساتها، سلطة محسوبيات وأشخاص مستفيدين من مراكزهم ليس إلاّ. ومن هنا يأتي التعامل من قبل المواطن نفسه مع الأملاك العامة التي تخصّ هذه الدولة، مع العلم أن التعدّي على الأملاك العامة ليس تعدياً فقط على أملاك الدولة، بل هو في جوهره تعدٍّ على حقوق مواطنين آخرين.

مخالفات البناء

وأيضاً في مشاريع القاع

وأيضاً في مشاريع القاع

هذه الظاهرة منتشرة بشكل واسع في لبنان، وهي تتضمّن:

1- البناء على أملاك عامة أو على أجزاء منها، أو استعمال مساحات عامة لأغراض الإستفادة الخاصة. ونورد هنا مثلين معهودين:

الأول : البناء الذي يتعدّى على الطريق العام، أو الذي لا يحترم المسافات الواجب مراعاتها بين مبنى وآخر.

الثاني : استخدام الأرصفة المتواجدة أمام محال تجارية أو صناعية لعرض البضائع والعمل، ويلاحَظ أن التعديات على الأرصفة أصبحت أمراً معتاداً إلى درجة باتت معها الأرصفة حقاً مكتسباً للمتعدّين!

2- مخالفة رخص البناء بما يتسبّب بأضرار على الأملاك العامة أو البلدية أو الخاصة، فبالرغم من صدور تراخيص قانونية يخالف صاحب المبنى شروطه بما يتسبّب بأضرار عديدة.

3- عدم اتباع شروط وطرق التنظيم المدني، وما ينتج عنه من إنشاء أبنية غير متناسقة وغير مرتبة تتميّز بألوان وأشكال واصطفافات متنافرة.

التعدّي على الأملاك العامة البحرية والنهرية

إن حالات التعدّي على الأملاك العامة البحرية والنهرية هي من أبرز ظواهر مخالفات البناء والتعدّي على الأملاك العمومية في لبنان، وذلك أولاً بسبب انتشار هذه المشكلة على طول الساحل اللبناني وعلى العديد من مجاري الأنهار، وثانياً بسبب المبالغ الطائلة التي يجري الحديث دائماً عن إمكانية تحصيلها من قبل الدولة في حال تمّت تسوية هذه المخالفات. فهذه التعديات تغطّي أكثر من 20 مليون متر مربع من الأملاك العامة النهرية و8 ملايين متر مربع من الأملاك العامة البحرية، كما أن إحدى اللجان النيابية قد توصّلت في السابق إلى أن مردود استثمار هذه الأملاك، إذا تمّ تطبيقه، سيعود بـ700 مليار ليرة لبنانية سنوياً على مالية الدولة.

استعمال  الجدران العامة للصق الإعلانات والشعارات والصور

وتبرز هذه الظاهرة خلال الحملات الإنتخابية والدعايات السياسية والمناسبات الوطنية والحزبية (وما أكثرها!)، كما أن المناسبات الفنية تلقي بعبئها على الجدران العامة من خلال الصور والإعلانات. وفي معظم الأحيان، لا يحمّل اللاصق لتلك الإعلانات والملصقات نفسه عبء إزالتها بالرغم من أنها ممنوعة. والطريف أنه في حالة الملصقات الإنتخابية، حيث يقوم مرشّحون نيابيون وبلديون بترشيح أنفسهم للقيام بالخدمة العامة (؟) ويملأون الجدران بصورهم وشعاراتهم، لا تتمّ إزالة صور هؤلاء المرشحين إلا بعد وقت طويل من انتهاء العمليات الإنتخابية وإلا بعد توجيه إنذارات لهم من قبل الجهات المختصة، هذا إذا أُزيلت أصلاً.

إن هذه الظاهرة تبرز استسهال بعض المواطنين الكتابة على الجدران العامة للإعلان والتسويق أو حتى التسلية.

إحتلال الساحات: بين التعبير الديموقراطي وانتهاك الأملاك العامة

بدأت الساحات العامة في لبنان “تُخصّص” للإعتصامات الإعتراضية منذ أكثر من عامين، فمن تحرّك قوى ١٤ آذار في عام ٢٠٠٥ والذي بقي ٧٢ يوماً في ساحة الشهداء إلى اعتصام قوى ٨ آذار في وسط بيروت بين ١ كانون الأول ٢٠٠٦ ولغاية توقيع إتفاق الدوحة في ٢١ أيار ٢٠٠٨، تعددت أوجه هذه الظاهرة واختلفت آثارها السلبية بين حدث وآخر. وبالطبع، فإن المواطنين المعتصمين لم يضعوا أنفسهم في خانة المخالفين لأحكام القانون من ناحية تعدّيهم على الساحات العامة المخصصة لكلّ المواطنين، بل اعتبروا، ووفق توجّهاتهم السياسية، أنهم كانوا يخدمون قضيتهم. كما أنهم نظروا إلى هذا الأمر بصفته تعدياً “مشروعاً” مارسته وتمارسه كل فئة من المجتمع اللبناني على أملاك عامة هنا وهناك على اعتبار أن لكلّ فئة “الحق” في استخدام تلك الأملاك بما أنها عمومية، وبما أن “عرفاً ما” بات معمولاً به في هذا الشأن. وللأسف فإن هذا الأمر غير غريب في مجتمعنا، إذ أنه التعبير الجليّ عن النظرة اللبنانية لا بل العربية إلى كل ما هو عامّ.

ولا بدّ هنا من التذكير بما ينص ّ عليه القانون اللبناني في مثل هذه الحالات، فقانون العقوبات إعتبر في المادة ٣٤٦ منه أن كل حشد أو موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور، يعدّ تجمعاً للشغب ويعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة، إذا تألّف من ٧ أشخاص على الأقل بقصد الإحتجاج على قرار أو تدبير اتخذته السلطات العامة بقصد الضغط عليها. ولكن واقع الحال يقول بأن استعمال الأماكن العامة – ومن قبل كل الأطراف – للإحتجاج والضغط المؤقّت أصبح أمراً اعتيادياً!

إن كثيرين من بيننا يعتبرون انتهاك الأملاك العامة مصدراً للمفاخرة ومقياساً للنفوذ والقوة، فمن ضروب القوة والنفوذ لدى هؤلاء أن يتخطى المرء حدود القوانين والأنظمة دون عقاب. ولذا يبقى تطبيق القانون وتحويله من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية هو الحلّ وهو الحامي للممتلكات العامـّة. فمفهوم احترام الأملاك العامة يجب أن يكرَّس لدى الجمهور ليصبح راسخاً لدى الأجيال المتعاقبة. كما أن التطبيق يجب أن يصاحبه قمع المخالفات والتعدّيات وفرض الغرامات من قبل السلطات المختصة على كل المخالفين ومن دون استثناء. ولعلّ يوماً يأتي تتحوّل فيه الممتلكات العامة من أملاك سائبة إلى أملاك يحترمها الجميع.