Monthly Archives: April 2014

حلواني يدق ناقوس الخطر: ضرورة إيجاد حل لمشكلة مكب النفايات قبل حدوث كارثة بيئية

دق عضو مجلس بلدية طرابلس ورئيس لجنة البيئة والحدائق العامة الدكتور جلال حلواني، ناقوس الخطر مطالباً بإيجاد حل لمشكلة مكب النفايات قبل حدوث كارثة بيئية. كلام حلواني جاء خلال محاضرة تحت عنوان “الواقع البيئي للشاطىء البحري في طرابلس: مشاكل وحلول” ألقاها في ندوة نظمتها رابطة المعماريين في نقابة المهندسين في طرابلس عن “الواجهة البحرية في طرابلس والميناء، نعمة أم نقمة؟”

Jalal HALWANI-Nakaba 2

وعدّد حلواني أهم مصادر تلوث الشاطىء في طرابلس وهي: مجرى نهر أبو علي، مكب النفايات، المسلخ، مرفأ طرابلس، مرفأ الصيادين، وأقنية تصريف المجاري.

أما حول المكب، فقد عرض حلواني إلى كمية النفايات التي تم إدخالها إلى المكب منذ عام ٢٠٠٠ وحتى عام ٢٠١٣، ولفت النظر إلى أن كمية النفايات اليومية الواردة إلى المكب تقدر بين عامي ٢٠٠٠إلى ٢٠٠٨ بشكل وسطي يومي بحدود ٢٥٠ طن باليوم، وصلت إلى ٣٥٠ طن باليوم قبل أحداث سوريا. أما الآن فيصل إلى المكب يومياً ما يقارب ٤٠٠ طن. وتكلم عن مشاكل المكب العشوائي مركزاً على مشكلة العصارة (LIXIVIAT – LEACHATE) المكونة من خليط من المواد الكيميائية الخطرة والسامة والتي تنساب إلى البحر مباشرة أو عن طريق نهر أبو علي لأن المحطة التي يُفترض بها معالجة هذه السموم معطّلة منذ حوالى سنة، عارضاً صوراً لهذا التلوث تُظهر حجم الكارثة.

كما عرض حلواني إلى الغاز الحيوي (Biogaz) الذي ينبعث بسبب التحلل البيولوجي للنفايات العضوية وذكر أن المحرقة التي من المفترض أن تقوم بحرق هذا الغاز معطلة منذ أكثر من سنة، وخلُص إلى أن الواقع الحالي للمكب كارثي لأنه وصل إلى مرحلة الإستيعاب القصوى وأن هناك احتمال حدوث انهيارات، وكذلك إمكانية حدوث حرائق بسبب توقف محرقة البيوغاز. وذكر أن العُصارة تتكدس في الترسبات القعرية sediments  التي يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق السلسلة الغذائية عن طريق تلوث الأسماك. ودقّ ناقوس الخطر مطالباً بإيجاد حل في أسرع وقت قبل حدوث كوارث.

Pic

جبل النفايات بجانب مرفأ طرابلس

حول مجرى نهر أبو علي، ذكر الدكتور حلواني أن مجرى النهر يحمل معه مياهاً مبتذلة من صرف صحي وملوثات صناعية من كل البلدات الموجودة على ضفاف النهر، من منبعه في قضاء بشري مروراً بأقضية الكورة وزغرتا حيث لا وجود لشبكات صرف صحي، حتى أن بعض البلدات تلجأ إلى تفريغ الجور الصحية داخل المجرى عن طريق الصهاريج بصورة غير قانونية. كما أن العُصارة الناتجة عن مكب النفايات تأخذ طريقها أيضاً إلى نهر أبو علي. كل هذه الملوثات تصل إلى البحر وتتكدس الملوثات الكيميائية الغير عضوية في الترسبات القعرية. وخلص حلواني إلى القول بأن مجرى نهر أبو علي هو مصدر موبوء ومشبَع بالملوثات وأنه يشكل خطراً حقيقياً على الشاطىء والبيئة البحرية.

أما المسلخ، فإن كل المخلفات السائلة تنساب عبر قناة مباشرة إلى الشاطىء، أما المخلّفات الصلبة فتُنقل إلى المكب المجاور.

وفيما يتعلق بمرفأ طرابلس، فذكر حلواني أن تلوث الشاطىء مصدره السفن التي لا تحترم القوانين الدولية المتعلقة بالبيئة وتتخلص أحياناً من مخلفاتها بطريقة غير شرعية في حوض المرفأ. أضاف أن مرفأ طرابلس بصدد اتخاذ الإجراءات العملية لمنع حدوث تلوث في حوضه وأنه بصدد الحصول على شهادة الجودة الإدارية البيئية وتطبيق نظام الادارة البيئية Environmental Management System EMS  وفقاً للمواصفات القياسية العالميةISO 14001:2004 ، والبدء بتطبيق معايير الصحة والسلامة وحماية البيئة والجودة في كافة عملياته والخدمات التي يقدمها.

العصارة في مكب النفايات في طرابلس

العصارة في مكب النفايات في طرابلس

وبالنسبة لمرفأ الصيادين فإن غالبية الصيادين يقومون بغسل مراكبهم وتنظيفها في الحوض مع ما تحمل هذه المياه من زيوت وأوساخ.

وفيما يتعلق بتصريف المجاري مباشرة في البحر، فذكر حلواني أن هناك ١٢ قناة تصريف مياه مبتذلة على طول الشاطىء، من المرفأ إلى الملعب الأولمبي، وذلك بانتظار تشغيل محطة معالجة المياه المبتذلة التي كان من المتوقع أن يبدأ العمل بها سنة ٢٠١٠، وهي ما زالت إلى هذا اليوم تنتظر توصيل أقنية الصرف الصحي، وهي قادرة على معالجة ١٣٥ ألف متر مكعب في اليوم.

وتمهيداً لطرح حلول للمشاكل البيئية، ذكّر حلواني باتفاقية برشلونة المتعلقة بالتلوث البحري. كما طرح في ختام محاضرته الحلولالتالية:

1- الإسراع بتشغيل محطة معالجة المياه المبتذلة.

2- إستكمال بناء شبكة الصرف الصحي في قضائي الكورة وزغرتا ومعالجة هذه المياه في المحطة ومنع تصريف المياه المبتذلة في مجرى نهر أبو علي.

3- إيجاد حل سريع لمشكلة مكب النفايات والانتقال إلى مكب بديل ومعالجة واقعه البيئي.

4- إيجاد مسلخ جديد تتوافر فيه المواصفات الصحية والبيئية.

5- تطبيق الإدارة البيئية في مرفأ طرابلس.

6- إيجاد نظام للإدارة البيئية في مرفأ الصيادين.

من حقنا أن نعرف ماذا نأكل

من اللحوم الفاسدة إلى اللبنة…

من يحمي أسواقنا من المنتجات الغذائية الملوّثة والفاسدة؟

1

تعود إلى الواجهة من حين إلى آخر قضية تلوث المواد الغذائية، أكانت مستوردة أو مصنّعة محلياً، أو التي لا تتمتع بالمواصفات الصحية اللازمة، لا سيما المعلبات والمنتجات الحيوانية من دواجن وأبقار وطيور، وآخر “مآثرها” هي اكتشاف مواد حافظة ضارة بالصحة تُضاف إلى بعض ماركات اللبنة. ومع انتشار الأمراض المتأتية من هذه الحيوانات والتي تُكشف تباعاً من جنون البقر وصولاً إلى انفلونزا الطيور، تصبح الحاجة ملحة إلى اتخاذ التدابير الآيلة إلى عدم غزو هذه الأمراض الأراضي اللبنانية وإن بشكل غير مباشر عن طريق استيراد المنتجات الحيوانية من الدول التي تعاني من هذه الفيروسات.

 

مع تطور المبادلات التجارية والمواصلات والتقنيات يخضع الغذاء لتأثيرات كثيرة إيجابية أو سلبية تفرض على المجتمعات والدول أن تكون جاهزة لها وإلاّ تحولت، والفقيرة منها خاصة، إلى مكبّ للنفايات للدول المنتجة بلا رادع سوى تحقيق الأرباح. وإذ تشدد الدولة اللبنانية عبر وزاراتها المختصة على أنها تتخذ جميع الإحتياطات لمنع انتشار الأمراض في لبنان من خلال الإستيراد من بعض الدول، تؤكد الجهات والجمعيات التي تُعنى بسلامة الغذاء أن السوق اللبنانية مليئة بالمواد الغذائية والحيوانية الفاسدة التي تُستورد من الخارج أو تلك المصنّعة في الداخل، نتيجة افتقار وزارة الزراعة للقوانين والقوائم التي تضم المواصفات اللازمة التي يجب أن تتمتع بها المنتجات الغذائية والحيوانية.

ومع الأخذ والرد وتحميل كل طرف المسؤولية للطرف الآخر لا بد من السؤال: من يحمي أسواقنا من المنتجات الغذائية الملوثة أو الفاسدة؟

وما هي الشروط والمواصفات التي تضعها وزارة الزراعة على المواد المستوردة، سيما الحيوانية منها؟

وكيف يتم التعامل مع المنتجات الحيوانية في ظل ما يُحكى عن انتشار مرض انفلونزا الطيور في الدول المجاورة؟

 

في البدء دعونا نتحدث عن الشروط التي تضعها وزارة الزراعة على المنتجات الغذائية والحيوانية المستوردة، ومنها حيازة التاجر على:

1-    شهادة صحية من بلد المنشأ، مصدّقة من وزارة الزراعة وتحمل أختاماً صحيحة ومعروفة من الدول المصدّرة.

2-    شهادة المنشأ الأصلية، إذ أن الوزارة ترفض إدخال أية بضاعة رُفضت في بلد آخر غير بلد المنشأ.

3-    تأمين بوليصة شحن الباخرة التي تحمل البضاعة.

4-    فاتورة بتكاليف الباخرة.

5-    فاتورة بأسعار البضاعة، لأن السعر يعطي فكرة حقيقية عن الجودة التي تحملها المواد واللحوم المصدّرة.

 

وفي حال استوفى التاجر كل الشروط المطلوبة وسُمح له بإدخال بضاعته، تأمر الوزارة بفحص البضاعة في مختبر “الفنار” المعتمد من قبل الدولة اللبنانية، الذي يقوم بدوره بإعطاء نتيجة الفحص المخبري، وعلى الإثر يتم اتخاذ القرار، إما بتصريف المنتجات في السوق بعد التأكد من صحتها أو في حال ثبت أن النتيجة غير صالحة فيوصى إما بإعادة شحنها إلى البلد المصدّر أو بإتلافها.

 

وفي حال اتخذ التاجر قرار الإتلاف بعد تعذّر إعادة المنتجات الغذائية إلى مصادرها الأصلية، يُطلب إلى النيابة العامة القيام بعملية الإتلاف وتقع الأعباء المادية في هذه الحالة على صاحب البضاعة.

من الأسباب التي تؤدي إلى فساد المنتجات واللحوم، أو قلة جودتها، أن يعمد صاحب البضاعة إلى إطفاء البرادات عنها بهدف التوفير خلال فترة الشحن، التي قد تستغرق حوالى الخمسة عشر يوماً، ما يؤثر على جودة البضاعة. وقد تحافظ هذه البضاعة على صحتها، إلا أن نوعيتها تتغير عما هو منصوص عليه في العقد.

المعلوم أن عمليات الإتلاف التي تقوم بها وزارة الزراعة ليست دائماً كافية إذ أن ما يحصل من فحوص على المواد المستوردة لا سيما اللحوم المثلجة ليست كافية.

يبيع اللحوم في الهواء الطلق

يبيع اللحوم في الهواء الطلق

السوق مخترق بالمواد غير الصحية

 في حين تنفي الجهات الرسمية أي حديث عن إدخال منتجات إلى لبنان سبق أن مُنعت في بلدان أخرى، تؤكد الجمعيات التي تُعنى بشؤون المستهلك أن السوق اللبناني مخترق بالمواد غير الصحية حيث يدخل إليها “ما هب ودب” حتى أصبح المواطن يتجه لشراء المنتجات ذات الماركات العالمية الموثوقة، ما يضطره إلى الدفع أكثر بسبب عدم وجود مواصفات وشروط تضعها الدولة في وزاراتها المعنية على الإستيراد من الخارج، أو حتى التصنيع المحلي.

ما يحلّ هذه المشكلة هو إقرار مشروع قانون لضبط عملية الإستيراد ضمن مواصفات معينة ومعتمدة دولياً، ولوضع شروط على الصناعة المحلية. وهذا الأمر يعطّله حال البلاد في ظل الأوضاع الراهنة.

 

مشاكل تصنيع الأغذية

 ثمة في لبنان مصانع لا تحمل رخصاً قانونية من وزارة الصناعة، كما تغيب الإحصاءات الرسمية لمصانع الغذاء اللبنانية، حتى وزارة الصناعة تجهل الأرقام لأنها لا تحصي. لكن ثمة مصانع عليها علامات استفهام في مجالات الألبان والأجبان والطحينة والحلاوة وفي تربية الفرّوج وفي المياه المعبأة في غالونات، إضافة الى الكبيس والزيت والزيتون. والسؤال: ماذا بقي من الأغذية السليمة؟ وكيف يعرفها المواطن؟

مؤشر واحد يكفي: فالأسواق الأوروبية والأميركية أصبحت ترفض منتجات لبنانية كثيرة مصدّرة إليها لأنها لا تستوفي الشروط العالمية التي يتوجب توافرها، لكنّ المستهلك في لبنان يتناول هذه المنتجات بما تحمله من بكتيريات وأمراض.

المعروف أن معظم مصانع الغذاء قديمة والعمل فيها بدائي والدّولة لا تشجّع الإستثمار لتحسينها. والمشاكل تصيب أكثر ما تصيب 3 مشاكل رئيسية في صناعة الغذاء تطاول قطاعات الطحينة والحلاوة، الألبان ومشتقات الحليب، والمياه.

فعلى سبيل المثال وبعد أن كان لبنان يصدّر الطحينة والحلاوة منذ ما يزيد على 40 عاما إلى الدول الغربية، أصبحت هذه الدول تتشدّد حيال هذين المنتجين عندما بدأ مواطنوها استهلاك هذه المنتجات بكثافة مع زيادة شهرة المطبخ اللبناني، واكتشفت المختبرات الغربية فيها بكتيريا خطرة هي السالمونيلا وهي شديدة الضرر على صحة الإنسان تسبّب في الحالات العادية الإسهال والتقيؤ والحرارة المرتفعة، وإذا تكرر تناولها تؤدي إلى سرطان الأمعاء، بحسب أطباء الصحة.

آخر الشبهات حول سلامة الغذاء طالت صحن اللبنة!

آخر الشبهات حول سلامة الغذاء طالت صحن اللبنة!

بداية المعالجة

أوّل من تنبّه الى خطورة المشكلة الغذائية الصحية كان الإتحاد الأوروبي، وهو الشريك الإقتصادي الرئيسي للبنان. وبعد انخراط لبنان في اتفاقية الشراكة، درس الإتحاد الأوروبي مشروعاً رأى فيه أن الجودة والسلامة في الصادرات الغذائية من لبنان إلى أوروبا هما الأساس، ووضعهما سيئ في لبنان. فقدّم هبة بقيمة 15 مليون يورو بهدف تحسين مستوى جودة السلع والخدمات لتقديم غذاء سليم وآمن للمستهلك اللبناني، والمساعدة على زيادة الصادرات اللبنانية إلى أوروبا.

وقد بادرت وزارة الإقتصاد مع الإتحاد الأوروبي إلى وضع برنامج الجودة الذي يهدف إلى تأمين البنية التحتية للمختبرات الصحية التي تراقب نوعية الغذاء للتأكد من سلامته وجودته وصلاحيته للإستهلاك.

في لبنان مختبر واحد لديه اعتماد في مجالي الـMicro Biology والكيمياء هو معهد البحوث الصناعية. ومشكلة المختبرات ليست بقليلة، لأن ثمة سلعاً تصدَّر إلى الخارج تبعاً لفحوص تفيد بأنها سليمة، فإذا بها تُعاد وترفَض من مختبرات الخارج إذ تُكتشَف فيها جرثومات وبكتيريات.

لذا يتعامل الصناعيون مع المختبر المركزي التابع لوزارة الصحة في عين التينة، والمختبر التابع لوزارة الزراعة ومعهد البحوث الصناعية التابع لوزارة الصناعة الذي تتمتع شهادته بصدقية دولية عالية. لكن المشكلة في المختبر المركزي تكمن في نقص الموظفين، إذ أن الدولة لا توظّف كما أن فحوصاته مجانية مما يزيد عليه الضغط، فيستغرق الفحص ثلاثة أسابيع وهي فترة زمنية طويلة بالنسبة إلى صناعيّ يريد تصدير بضاعته.

وقد دفع تداخل الصلاحيات بين الوزارات المعنية بمراقبة جودة المنتجات الغذائية بالعديد من المهتمين إلى المناداة بإنشاء هيئة وطنية لسلامة الغذاء تكون مستقلة وتضمّ اختصاصيين يديرونها، ويشرف عليها مجلس مكوّن من الوزارات المعنية ومن القطاع الخاص. هذا الأمر سيؤدي تلقائياً إلى سحب صلاحيات الوزارات في مجال تقويم المخاطر وحصرها في يد متخصصين، في حين تظل الصلاحية التنفيذية أي إنزال المراقبين والفحوصات في أيدي الوزارات.

 

سلامة الغذاء ومسؤولية البلديات

 إن دور أكثر من 3500 بلدية في لبنان على صعيد الإرشاد والرقابة له تأثير بالغ على سلامة الغذاء ونوعيته. وتكمن مسؤولية البلديات خاصة في الرقابة على الملاحم والأفران ومتاجر ومصانع المواد الغذائية. كما على الدوائر الصحية في البلديات مسؤولية في مراقبة طريقة عرض اللحوم والأجبان والألبان على قارعة الطريق، علماً أن عرض المأكولات في الهواء الطلق يشكّل مصدراً لتلوّثها.

 

سلامة الغذاء والزراعة

يمكن اعتبار المزارعين الحلقة الرئيسية في تأمين سلامة الغذاء، مع ذلك فهم لا يمتلكون المعلومات الصحيحة والكافية بما يخصَّ الأمراض والمبيدات واستعمالات الأسمدة. وقد وقع المزارعون في شِراك شركات المبيدات والأسمدة والبذور التي تديرهم كما تشاء مصالحها. ونتيجة ذلك تُظهر كل التحاليل التي تجري أحياناً في لبنان أو في الخارج وجود كميات كبيرة من رواسب المبيدات والأسمدة الكيميائية الخطرة في الإنتاج الزراعي. وهكذا يعيش المزارع على أرض تربتها ملوّثة، ويروي زراعته بمياه ملوثة ويغذّيها كيفما اتفق بالمبيدات والأسمدة والهرمونات المسموحة والممنوعة وسط غياب أي إرشاد زراعي أو رقابة، والمواطن يدفع بذلك أثماناً صحية واقتصادية كثيرة.

وبسبب غياب الرقابة الفاعلة فقد لجأ بعض المزارعين المحاذية أراضيهم لمجاري الأنهر، والتي تتميز بكونها مصباً للمياه الملوثة في أغلب المناطق اللبنانية، إلى الإستفادة من المياه الآسنة في هذه الأنهر واستخدامها في ري المزروعات المختلفة من خضار وفواكه بغية الحصول على محاصيل جيدة.

بالتأكيد هناك بعض المزارعين الذين يبذلون جهوداً كبرى لتأمين إنتاج خالٍ من الأسمدة الكيميائية أو المبيدات، لكن حجم المشكلة يبقى أكبر من أية جهود فردية.

أي من هذه المواد الغذائية سليم وأيها ملوث؟!

أي من هذه المواد الغذائية سليم وأيها ملوث؟!

سلامة الغذاء والإستيراد

فيما يخص الإستيراد يمكن التأكيد أن الكثير من المواد الأولية للصناعات الغذائية لا تخضع للمواصفات الدولية. وتدخل لبنان، شرعياً أو بالتهريب، كثير من السلع التي لا تخضع لأية رقابة أو لرقابة صورية.

أما المستوردون فهمّهم الأوحد تأمين أرباحهم عبر الإحتكارات المعلنة وغير المعلنة، فتدخل الكثير من المنتجات بدون أية مواصفات أحياناً ولا تجري التحاليل دائماً في مختبرات موثوقة.

وقد أدى كل هذا إلى إغراق السوق بمنتجات، جزء كبير منها ذو نوعية سيئة وبعضها يشكّل خطراً حقيقياً على الصحة العامة (ملونات، مبيدات رديئة، بذور معدلة وراثياً…) وبالرغم من الجهود الحكومية التي بُذلت على أكثر من صعيد، إلا أن سلامة الغذاء لا زالت خارج الإهتمام الكافي والمطلوب.

 

تلوث الأسماك 

تراجعت المخاوف من احتمال تلوث الأسماك بفعل التسرّب النفطي الناتج عن قصف معمل الجية خلا حرب تموز 2006 بعد تأكيدات من مختلف الجهات الرسمية والمختصة بخلوّ الأسماك من أي آثار للتلوث. لكن منظر بعض الصيادين الذين يلتقطون الأسماك من مياه تلوثها مجارير الصرف الصحي يبقى منظراً شبه معتاد في لبنان. كما أن العديد من مراكب الصيد تصطاد السمك على مسافة قريبة من الشاطئ حيث تنتشر الملوثات والنفايات من كل نوع. السؤال هنا: كيف عاشت تلك الأسماك وعلى ماذا تغذّت؟ وما هي عواقب تناول مثل هذه الأسماك على صحة الإنسان؟

في النهاية فلا حلّ جذرياً لهذه المشكلة المتفشية، وإذا وُجدت حلول فهي أن يتنبه المواطن إلى مواصفات السلعة ووضع إسم المصنّع وعنوانه ومنشأ السلعة بالكامل وأن لا يكتفي بعبارة “إنتاج لبنان”.

تأثير الإعتماد المفرط على السيارة

Pic

أصبحت الحوادث المرورية وما ينتج عنها من خسائر بشرية ومادية من أبرز المشكلات التي تواجهها الدول والمجتمعات. وتتّضح هذه المشكلة بشكل حادّ في البلدان النامية. ويُتوقع بحلول عام ٢٠٢٠ أن ترتفع نسبة الوفيات بسبب الحوادث المرورية في بلدان العالم النامي إلى حوالى ٨٠٪ مما هي عليه الآن.

وقد اكتسبت فكرة التقليل من استخدام السيارات والإعتماد المفرط عليها، كجزء من عملية مكافحة حوداث السير على الطرقات والحدّ منها، أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة. وأصبح لدى الدول في أميركا وأوروبا خطط عمل في هذا المجال. فاستراتيجية الدول المتقدمة تهدف إلى خفض عدد السيارات الخاصة التي تدخل إلى مراكز المدن الرئيسية، خاصة في ساعات الذروة. فقد ثبت لديهم من الواقع العمليّ فائدة هذا الإجراء في خفض المشاكل المرورية ورفع مستوى السلامة على الطرق.

وتسعى بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تقليل الإعتماد على استخدام السيارات الخاصة داخل المدن الرئيسية، عن طريق أساليب مختلفة، منها تشجيع استخدام وسائل النقل العام واستحداث قوانين لذلك، وفرض رسوم مرتفعة على وقوف السيارات في وسط المدن. كما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية مليارات الدولارات على تطوير مرفق النقل العام وزيادة كفاءته، فهناك نحو ٣٠٠ حافلة نقل عام لكل مائة ألف نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى وسائل النقل العام الأخرى مثل مترو الأنفاق.

ومن المعلوم أن من أهم سبل رفع مستوى السلامة المرورية التي ينبغي الأخذ بها، الإهتمام بوسائل النقل العام ورفع كفاءتها للتقليل من الإعتماد على السيارة الخاصة، والتحوّل إلى وسائل النقل العام الآمنة، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبعض دول شرق آسيا.

المشاكل الناتجة عن الإعتماد المفرط على السيارة

يترافق الإستعمال الكثيف للسيارات بمشاكل عديدة:

أولاً: الأخطار البيئية:

 1- تؤدي السيارات إلى تلوّث الهواء المحليّ بسبب انبعاث الغازات السامة كأوكسيد النتروجين، أوكسيد الكبريت والمُركّبات العضويّة المتطايرة التي تؤثّر على صحّتنا.

2- تساهم السيارات بالمشاكل البيئية العالمية التي تهدّد استقرار كوكب الأرض، مثل المطر الحمضيّ وارتفاع حرارة الأرض الناتج عن زيادة نسبة ثاني اوكسيد الكربون، حيث أن أكثر من ٢٥% من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في لبنان مصدرها قطاع النقل.

3- تساهم السيارات في التلوّث الضوضائي، وخاصة في لبنان، بسبب ازدحام السير وكثرة التزمير والمحرّكات القديمة.

4- تُخلّف السيارات كمية كبيرة من النفايات الصلبة والسائلة التي تلوّث الهواء والماء وتتلف القيمة الجمالية للأراضي، من هذه النفايات: زيوت السيارات، الإطارات المستعملة، بطّاريات السيارات وهياكل المركبات.

2

ثانياً: الأخطار الإجتماعية الإقتصادية والصحية: 

1- تسبّب كثرة السيارات ازدحاماً في السير مما يؤدّي إلى سلوك سلبيّ لدى السائقين (توتّر، عدائيّة، إلخ..).

2- يشكّل ازدحام السير مضيعة للوقت على الطريق مما يخفّض الفاعليّة والإنتاجيّة، والإرتفاع المتزايد في أزمة السير يسبّب خسارة هائلة في الإنتاجيّة تُقدَّر بملايين ساعات العمل سنوياً.

3- تكاليف نقل عالية واستهلاك للموارد (تكلّف السيارة في البلاد المتقدمة سبعة آلاف دولار أميركي في السنة).

4- عدد السيارات الكبير والإدارة الضعيفة للمرور تزيد من خطر الحوادث، ومن المعروف أن ضحايا حوادث السير في لبنان قد يزيدون في بعض الأعوام عن ٦٠٠ قتيل وعدة آلاف من الجرحى، مع العلم أن عدد الضحايا وصل في العام ٢٠١٣ إلى ٥٦٠ قتيل و٤٣٠١ جريح حسب إحصائيات غرفة التحكم المروري التابعة لقوى الأمن الداخلي.

5- تصل كلفة الأمراض والوفيات بسبب تلوّث الهواء في لبنان إلى ١٣٠ مليون دولار أميركي في السنة.

6- أعلى إنفاق للدولة هو لصيانة وإعادة تأهيل وبناء الطرق والاوتوسترادات لاستيعاب عدد السيارات المتزايد.

حقائق عن النقل البري في لبنان

 1- يبلغ معدّل ملكية السيارات في لبنان حوالى سيارة واحدة لكلّ ثلاثة أشخاص، وهذا المعدّل هو من الأعلى في العالم حتى بين البلدان المتقدمة، وهذه نتيجة لعقلية “لكل فرد سيارة” السائدة.

2- هنالك حوالى ١,3 مليون سيارة في لبنان، ومعظمها قديمة نسبياً وصيانتها رديئة.

3- هناك حوالى ٩٠٠ ألف سيارة خاصة (أي ٩٠% من كلّ المركبات) ومتوسّط عمرها ١٤ سنة.

4- عدد الباصات العاملة التابعة لمصلحة السكك الحديد والنقل المشترك انخفض في الأعوام الماضية من ٢٠٠ باص إلى ما دون المائة.

5- يستهلك قطاع النقل حوالى ٤٥% من مجمل المنتجات النفطيّة المستوردة.

6- تتمّ يومياً ١.75 مليون رحلة في المركبات ضمن منطقة بيروت الكبرى، ٦٨% منها تتمّ بالسيارة (هذه النسبة المئوية لاستعمال السيارة الخاصة عالية جداً، حتى بالنسبة إلى البلدان المتقدّمة حيث لا ينبغي أن تتجاوز هذه النسبة ٥٠%).

7- من المتوقّع أن تزيد الرحلات اليومية بالسيارة في منطقة بيروت الكبرى إلى خمس ملايين رحلة في ٢٠١٥.

8- هناك حوالى ٣٨ ألف نمرة حمراء في لبنان، بينما لا تتجاوز حاجة النقل العامّ أكثر من ١٨ ألف نمرة حمراء.

9- تتراوح نسبة الجزيئات في الهواء في بعض مناطق بيروت بين ١٠٢ إلى ٢٩١ ميكروغرام/م٣ بينما المستوى الآمن لنسبة الجزيئات هو ٧٥ ميكروغرام/ م٣ (من المعروف بأن هذه الجزيئات هي من مسبّبات سرطان الرئة).

10- في بعض مناطق بيروت يتجاوز الضجيج ٧٥ ديسيبيل (وهي وحدة قياس قوة الصوت) بينما معدّل الضجيج في هكذا مناطق لا يجب أن يتجاوز ٧٢ ديسيبيل.

11- أنفقت الدولة حوالى ٥٦٤ مليون دولار أميركي لصيانة وإعادة تأهيل وبناء الطرق والأوتوسترادات في الفترة الممتدة بين ١٩٩١ و٢٠٠٠.

 Pollution

استراتيجية “إدارة الطلب على النقل” في لبنان

لا حلّ للواقع السيء الذي ذكرنا جوانبه السيئة آنفاً إلا بوضع استراتيجية وطنية شاملة للنقل المستدام، وذلك بالتعاون بين وزارات الأشغال العامة والطاقة والداخلية والبيئة ومجلس الإنماء والإعمار واللجنة النيابية للأشغال العامة والنقل، إضافة إلى البلديات والمنظمات المدنية والجمعيات التي تُعنى بالبيئة.

استراتيجية”إدارة الطلب على النقل” التي قامت باقتراحها “جمعية الخط الأخضر” قبل عدة أعوام تهدف للتخفيف من استعمال السيارات وتشجيع استخدام طرق النقل الصديقة للبيئة (النقل العام، استخدام الدراجات، المشي…) من خلال:

– تحسين إدارة ونوعية النقل العام.

– تحسين البنية التحتية لتشجيع النقل غير الآلي (كالأرصفة للمشاة).

– إيجاد إدارة جيدة للمواصلات من خلال فرض قوانين السير.

– تنظيم المواقف العامة للسيارات.

– فرض إلزامية المعاينة الميكانيكية للسيارات على أن تكون جيدة وموثوقة.

محاسن تبنّي هذه الاستراتيجية تتضمن الآتي:

– التخفيف من نسبة تلوث الهواء حتى ٨٠%، ومن التلوث الضوضائي حتى ٥٠% في أماكن تطبيق الخطة.

– التخفيف من زحمة السير، وبالتالي الزيادة بإنتاجية المجتمع والتخفيف من التوتر لدى المتنقلين.

– التقليل من مصاريف الحكومة على شقّ وبناء الطرق وصيانتها.

– التوفير على المستهلك من تكاليف صيانة وتشغيل سيارته.

– الزيادة في السلامة العامة على الطرقات، كون قلة السيارات تعني تلوثاً أقلّ، سرعة أقلّ، وعدائية أقلّ، مما يؤدّي إلى طرقات سالمة.

– التحسين في خيارات النقل: سيصبح بإمكان المواطنين، حتى الذين لا يستخدمون النقل العام، أن يستخدموا هذا الخيار البيئي في الحالات الطارئة.

– تأمين النقل العام للأشخاص المعوّقين جسدياً وغير الميسورين.

– الإستخدام الفعّال للأراضي: التقليل من شقّ طرقات وإنشاء مواقف للسيارات، وذلك لقلة الطلب، مما يؤدّي الى استعمال الأراضي المتوافرة بشكل فعّال أكثر.

– التنمية الإقتصادية: مثل انجذاب السائح أو المتنزّه إلى الأماكن التي لا تجوبها السيارات مثل وسط المدينة.

يوم من دون سيارات

 “يوم من دون سيارات” هو حملة بيئية إبتدأ تطبيقها في فرنسا منذ سنة ١٩٩٨، وتهدف إلى التخفيف من تلوث الهواء الناتج عن الإعتماد المفرط عليها. منذ ذلك الوقت انتشر هذا النوع من الحملات في معظم المدن الأوروربية الكبرى، إضافة إلى العديد من دول العالم ككندا وكولومبيا. والموعد السنوي لـ “اليوم بدون سيارات- Car-free Day” يقع بين ١٦و٢٢ أيلول من كل عام، والمنظّمون يريدون عبر هذه الحملة أن يؤكدوا للناس أنه في إمكانهم التمتع بيوم جميل من دون استخدام سياراتهم، والتعريف بمنافع “النقل المستدام” عبر الإعتماد على الأقدام كأحد بدائل التنقل في المدينة.

يبدو أننا أصبحنا بحاجة لمثل هذا النشاط في لبنان مع تحوّل مدننا وشوارعنا إلى كراج كبير يسيطر عليه أسطول بري جامح من السيارات التي تثقل هواءنا بكمّيات كبيرة من الملوّثات على أنواعها وتملأ رئاتنا بالأمراض. ولعلّ إقامة “يوم من دون سيارات” لمرة واحدة في السنة بتنظيم من البلديات وتنسيق مع الجمعيات البيئية سيمثّل بداية جيدة نحو مواجهة خطر التلوّث الناتج عن السيارات والتوعية حول فوائد استخدام النقل العام أو مجرد المشي بدلاً من الإعتماد المفرط على السيارات.

هيثم خلف

المؤسسات والدستور في لبنان: رجال الدولة أولاً

001

يعيش اللبنانيون في جو يغمره الإشمئزاز والغضب والحزن، ويسيطر عليه ابتذال لقيم الجمهورية وابتزاز أمني. يميل مثقفون ودستوريون ومتلاعبون بالعقول ولبنانيون مخدوعون إلى اعتبار أن لبنان يعاني من أزمة “مؤسسات”. فيعودون بذلك إلى مقولة النظام السياسي الطائفي، واتفاق الطائف. وتُعتمد عبارات فلسفية، فتُذكر أسباب، وغالباً هي أسباب بالمطلق و”بنيوية” متعلقة بطبيعة “النظام” اللبناني.

ننسى أن مفهوم المؤسسة يرتكز على ثلاثة عناصر: المشروع، والتنظيم الذي يضمن الفاعلية والاستمرارية، والقيادة التي تتولى الإدارة. بدون قيادة رشيدة تتحول المؤسسات إلى هياكل بدون روح وإلى بيروقراطية توفّر المكافآت والمنافع والرواتب للقيّمين على هذه المؤسسات.

يعاني لبنان من شحّ في رجال الدولة، في وقت تعمّ انتهازية صارخة، وتبعية وزبائنية، وارتهان إلى درجة العبودية في أوساط أساتذة جامعيين ورجال قانون خاضعين وقضاة ورجال دين. يتمتّع بعضهم بالحصانة، فيما يفترض بهؤلاء أن يكونوا مستقلين ولا يعرّضوا أنفسهم لإهانات. ويعمل صحافيون في مناظرات تلفزيونية في توفير منابر لانتهازيين ومهيمنين وتابعين.

يتمتع اللبناني بصفات رائدة، في الثقافة والمقاومة والتأقلم والمبادرة، لكنه يفتقر إلى معنى الشأن العام، أي الدولة، والمصلحة العامة. ويتم تسخيف الأمور باعتماد المسايرة والمجاملة. ويُعتمد التكتيك في قضايا جوهرية ومصيرية متعلقة بالسيادة ودولة الحق. يحمل المخزون اللغوي اللبناني عبارات عديدة تفسّر هذه النزعة: “معليش، بيناتنا، شو فيها، مشّيها، ما تحمل هالسلّم بالعرض!”…

لا يغيّر أي نظام سياسي أي شيء، إذا كان لبنان اليوم يفتقر إلى رجال دولة يشكّلون أركان الحكم والتغيير. يسترسل لبنانيون في مقاربة قانونية شكلية للمؤسسات لإرضاء الضمير وتغطية كسل فكري. هل تصنع المؤسسات الرجال؟ أم يصنع الرجال أيضاً المؤسسات؟

أفضل الدساتير هي مجرد وصفة طبية، ولكنها ليست العلاج. هل تقيّد صاحب العلاقة بموجبات العلاج والمعايير وقواعد استعمال العلاج؟

 

معنى الشأن العام

من شغل مناصب في مؤسسات عامة لبنانية وعانى القهر والعذاب والتعذيب داخل جدرانها يدرك ما يشكله الشأن العام من غرابة في ذهنية لبنانية سائدة، وخصوصاً في من يطلق عليه إسم مسؤول. صُعقنا خلال تطبيق برنامجين في التنمية المحلية في السنوات ٢٠٠٨- ٢٠١٣ حول “الشأن العام في الحياة اليومية المحلية” و”الحكمية المحلية” في المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم من سلوك الناس حول الشأن العام المشترك في وطن العيش المشترك. يتبيّن أنه من الأسهل تسلّق جبال الإفرست على إقناع سكان أحياء بتشكيل لجان تهدف إلى تحسين نوعية الحياة في الحي طبقاً للقوانين المعتمدة والمطبّقة من البلديات.

يقول شارل ديغول في خطابه لخرّيجي جامعة القديس يوسف في ١٣ تموز ١٩٣١، وكان يومها ضابطاً شاباً: “عليكم خلق روح الشأن العام وتنميتها”. وختم لويس جوزف لوبري Louis-Joseph Lebret تقريره المؤلف من جزئين عام ١٩٦١ حول التنمية في لبنان بالقول:”ما ينقص في لبنان، أكثر من الماء والطرقات والكهرباء، هو مجموعات من الأشخاص يعملون للمصلحة العامة”.

ويؤكد البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي إلى كل اللبنانيين عام ١٩٩٧:”ما يجب تعزيزه، أولاً، وقبل نظام جديد، هو عقلية جديدة (مشدداً من خلال حروف مائلة في النص).
يعيش لبنان حالة انحطاط في قيم الجمهورية. يُعتمد التكتيك في قضايا مصيرية، والتسخيف في مبادئ أساسية، وتُحوّل انتهاكات فاضحة للقانون في التعطيل وانتهاك قَسَم مهني وتعسف أقلية وامتناع عن الحكم وتخريب مؤسسات… إلى بطولات، يناقشها ويتداولها محللون وإعلاميون متواطئون أو ساذجون أو مخدوعون.
يعتبر جايمس فريمان كلارك James Freemen Clark أن رجل السياسة يسعى إلى الفوز بالانتخابات اللاحقة أما رجل الدولة فيفكر في مستقبل الأجيال القادمة. يعاني اللبنانيون من كثرة المماسح في الحياة العامة. يقول تاليران Talleyrand عن سياسي مخادع: “هناك الذين يخشاهم والذين يستعملهم، أي الأعداء والمُماسح”!

إن الانتفاضة الوطنية التي يحتاج إليها اللبنانيون بعد سنوات من المخادعة imposture هي أخلاقية، تحمل قيماً أساسية، بسيطة، أولية، بديهية، ذات بوصلة ومعايير. وصلت الإنتهازية والتبعية والاستبعاد وتسخيف الانتهاكات، بما فيها تعسّف اقلية abus de minorité وامتناع عن الحكم، إلى أدنى مستوياتها في ما يعرف بالأمة.

أين لبنان جبران خليل جبران وكاظم الصلح ورياض الصلح وبشارة الخوري وشارل مالك وفؤاد شهاب والإمام موسى الصدر وصائب سلام، وإدمون نعيم وإدمون رباط ولور مغيزل وجوزف مغيزل وجوزف زعرور وغسان تويني، وجورج افرام…؟ هل هاجرت الشجاعة والأخلاق لبنان؟ كفى تحليلاً في تغيير المؤسسات في وقت يعاني الوطن من افتقار إلى رجال دولة.

بقلم أنطوان مسرة

عضو المجلس الدستوري وأستاذ في جامعة القديس يوسف

نقلاً عن جريدة النهار ١٠ كانون الأول ٢٠١٣

أكثر من ٧٥٠ شركة ومحل تعبئة مياه تعمل من دون ترخيص بينما المرخّص منها هو ٢٣ فقط

Water

تتضارب المعلومات حول العدد الحقيقي لشركات تعبئة المياه في لبنان. منها من تنطبق عليه صفة “شركة”، وأغلبيتها تنطبق عليه صفة “دكاكين”.

وفي ظل تقاذف الجهات المعنية بالمراقبة المسؤولية حول الوجود غير الشرعي للمحال والمعامل وتداخل المسؤوليات في ما بينها، أصبح المواطن هو الضحية نظراً إلى عدم سلامة الكثير منها. فمن المسؤول عن وجودها غير الشرعي؟ هل وزارة الصحة أم وزارة الاقتصاد أم البلديات أم القائمقاميات أم المحافظات أم جميعها؟ وماذا عن القوانين والتشريعات التي تنظم هذا القطاع؟

وفيما تحمّل وزارة الصحة المسؤولية للبلديات والسلطات المحلية، تنزعها الأخيرة عنها لأن الجهة الوحيدة التي تعطي التراخيص هي وزارة الصحة. إلا أن الوزارة لا تتحمل بدورها مسؤولية متابعة أولئك الذين حازوا مرسوم طلب الإجازة ويعملون على أساسه ولهم سلع في الأسواق. أما شركات التعبئة التي تبيع المياه من دون ترخيص، فلا يدري أحد وفق أي قانون رخصت، إذ لا يوجد أي تشريع خاص بها!