Monthly Archives: May 2014

لبنان في المرتبة ١٢٧من أصل ١٧٧ على لائحة الفساد الدولية: الإرادة السياسية تمنع تنفيذ الإصلاح

لبنان في المرتبة ١٢٧من أصل ١٧٧ على لائحة الفساد الدولية

الإرادة السياسية تمنع تنفيذ الإصلاح الاداري

 wormy apple

أصبح الفساد مرضاً مزمناً يلاحق لبنان بكافة فئاته ومؤسساته. ومع تزايد التراخي في تطبيق القانون ضد الفاسدين، وفي ظل الحماية السياسية للمرتشين في إدارات الدولة، ليس مستغرباً أن يحتل لبنان مرتبة دنيا في المؤشر العالمي لمدركات الفساد الصادر في آخر العام ٢٠١٣. ومع وجود الغطاء السياسي أو الحزبي للمتهمين بالفساد، لا نستغرب استشراء عمليات الفساد، فالكثير من المتهمين بالفساد يتحدون علناً القرارات القضائية، أو يستهزئون بمذكرات الجلب الصادرة بحقهم بما يؤكد أنهم مدعومون!

لكن ما هي المعايير التي تم اعتمادها في تصنيف “مؤشر مدركات الفاسد” وكيف للبنان أن يحسّن من مستواه؟

 

المؤشر، الذي تنشره مؤسسة الشفافية الدولية سنوياً، يتعلّق بـ”مدركات الفساد” أي التقييم الشخصي وفق استقصاءات تجريها المؤسسة بواسطة مكاتب متخصصة عبر رجال الأعمال وعدد من الأكاديميين لمستوى الفساد على سلم من ١٠ نقاط. هذا الاستقصاء يعتمد على عدد كبير جداً من الاسئلة المشتركة لجميع الدول تسمح بالقياس من دولة إلى أخرى، وهو يقيس المستوى المقدّر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام. بالتالي فإن المؤشر هو بمثابة علامة فحص لطالب في مدرسة يتكرر من سنة إلى أخرى. وكل علامة، تضع حوافز على الدولة والمجتمع فيها، وبالأخص مؤسسات المجتمع المدني، لتحسين وضعية مكافحة الفساد فيه.

ولا شك أن العمل المطلوب في لبنان هائل ويرتبط بخطة عمل على أكثر من مستوى إن على صعيد الإصلاح السياسي البنيوي أولاً، أو على صعيد الإصلاح الاداري والقضائي ثانياً، أو عبر تعزيز الوعي للمواطن وإشراك أكبر شريحة ممكنة منهم في عملية المراقبة والمساءلة الدائمين، إضافة إلى المؤسسات الدستورية والإدارية المتخصصة بالمراقبة والمحاسبة.

المعلوم أن الفساد لا يقتصر على الرشاوى في الإدارات بل هو متغلغل في جميع مستويات إدارة مؤسسات الدولة، ويدخل ضمنه أيضاً استغلال أو سوء استعمال وظيفة رسمية من أجل تحقيق مكاسب شخصية. أما عن استئصال الفساد فهو أبعد بكثير من الإصلاح الإداري لأنه عملية كبيرة ومعقدة تتطلب إرادة سياسية جامعة. والمثابرة على آلية مكافحة لا يتوقع منها إلا ان تدوم سنوات طويلة والأهم أن يكون هناك خطة واضحة للعمل بحيث يبدأ كل في موقعه في مكان ما، وأن تزيد من المبادرات العملية التي هي ممكنة والتي تتطلب أقلّه تجاوزاً لحالة الاحباط.

ومن الإجراءات التي بإمكانها أن تساهم في مكافحة الفساد وسيط الجمهورية، وهو من المؤسسات المستقلّة التي تساعد المواطن في تذليل العقبات التي تواجهه مع الإدارة في جميع مكوّناته. ومن الإجراءات أيضاً قوانين خاصة تؤمّن حق المواطن في الوصول إلى المعلومات والعقود الرسمية لتشجيعه في لعب دور الرقيب والحسيب على أعمال الادارة، وتحميه في حالة إفشائه المعلومات المتعلقة بالفساد. هذا النوع من المبادرات لا يساهم في تحسين أداء المؤسسات الدستورية والإدارية فحسب، بل يساهم أيضاً في إعادة المواطن للاهتمام في الشأن السياسي العام وإخراجه من دائرة الإحباط وتشركه في صنع الإرادة السياسية لتحقيق الإصلاح ومكافحة الفساد. مع الإشارة إلى أنه من دون هذه الإرادة السياسية لا شيء قابل للإصلاح خاصة في ظل نظام محميات طائفية يزيد من “الطين بلّة” ونكهة خاصة من الحماية على أساس “٦ و٦ مكرر”!

بالخلاصة، فإن احتلال لبنان مرتبة متدنية جداً يعكس آثار قضايا الفساد المتكررة على الرأي العام اللبناني والعالمي إضافة إلى تعقيد المعاملات الإدارية وكثرة الرشاوى في حين ينعكس عدم البت في القضايا العالقة سلباً على تقييم المستفتين لمستوى الفساد في لبنان. إن عملية تحسين التصنيف متعلقة بالإرادة السياسية الفعلية التي تظهر من خلال التعامل مع الملفات بجدية وموضوعية بحيث يرى الرأي العام التغييرات الحاصلة عبر ملاحقة ومحاسبة الفاسد الذي ينعكس إيجاباً على البلد.

آفة الرشوة: تعطيل للتنمية وتشويه لصورة البلد

Main Pic3

الرشوة جريمة عمرها من عمر الإنسان، جذورها ممتدة في عمق التاريخ، وأشهرها بلا منازع يوم باع يهوذا الإسخريوطي معلمه يسوع الناصري بثلاثين من الفضة دفعها له حاخامات اليهود. أما في العصر الحديث فهذه المسألة الإجتماعية الخطيرة ألهمت عدداً من الباحثين الأكاديميين في دول عدة حول العالم. كما أنها أيضاً الشغل الشاغل لكبار السياسيين والإداريين الشرفاء في هذا العالم.

 

لو أردنا تبسيط وصف “الرشوة”، فهي أحد أخطر الثقوب التي تستنزف خزائن الدول وجيوب الشعوب في الوقت عينه. وللرشوة أبعاد إجتماعية متعددة، بُعد إقتصادي – مالي، وبُعد حقوقي، وبُعد مسلكي – أخلاقي.
البعد الإقتصادي – المالي يكمن في أن الموظفين المرتشين يستنزفون خزينة الدولة في آلية تحصيل رسومها من المواطنين ذوي العلاقة (هذا بالطبع شكل واحد من أشكال الرشوة وطريقة نهب مال الدولة).
فالموظف المرتشي مستعد دوماً للإقدام على فعل الغش في مسؤوليته الرسمية في مقابل مبلغ محدد من المال يتلقاه من مواطن صاحب علاقة بمعاملة رسمية ما. ومثال على ذلك: تاجر بناء (وهم كثر اليوم) يلجأ إلى الموظف المسؤول عن تحديد القيمة التأجيرية لشققه التي ينوي بيعها. في المقابل، الموظف الفاسد مستعد كل الاستعداد للكذب على نفسه ودولته بتدوين مساحة كل شقة اقل بكثير من مساحتها الفعلية.

النتيجة هي: الموظف الفاسد قبض الرشوة والتاجر “الفاجر” دفع قليلاً من ماله ولكن بالمقابل ربح الكثير من جراء تهربه من دفع الرسم الفعلي للدولة كضريبة على ممتلكاته. أما الخاسر الوحيد في هذه المعادلة المنحطة فهي الدولة، وبطلاها مجرمان اثنان أحدهما مُفسد وثانيهما فاسد.

في البعد الحقوقي، الموظف الفاسد أخذ مالاً لاحق له فيه أبداً. فحق الموظف الرسمي هو راتبه وما قد يتبع ذلك من امتيازات قانونية تقدّمها له الدولة. أما أي مبلغ يدخل إلى جيب الموظف الرسمي خارج ما تحدده له دولته هو مال حرام يجب أن يحاسبه عليه القانون. والمواطن الذي ارتكب فعل الرشوة قام بالتلاعب والالتفاف على حقوق دولته عليه، بالتواطؤ مع الموظف المرتشي.

الأمر المهم هو أن حق الدولة في نهاية الطريق هو حق الشعب، فإن الدولة المسيّبة حقوقها هي بالضرورة مسيبة لحقوق شعبها. تقول النظرية العلمية: “كل ما يبدأ خطأ سوف ينتهي بالضرورة خطأ”.

يعتقد كبار الباحثين الإقتصاديين في لبنان أن تخلّف الدولة عن قيامها بواجباتها تجاه شعبها سببه الأول الفساد.

في البعد المسلكي- الأخلاقي، حسب رأي علم الإقتصاد وعلم الإجتماع معاً، المرتكز الأساسي والأول لدولة فعالة وعادلة وناهضة متطورة هو الأخلاق. المجرم ليس فقط من يقتل إنساناً. القتل جريمة فردية لها أسبابها ودوافعها العديدة، أما المواطن الذي يُقدم على فعل الرشوة والموظف المرتشي كلاهما مجرم بحق شعب بأكمله.

بناء على بحث أكاديمي قامت به دائرة الإقتصاد في جامعة لبنانية حول الرشوة في لبنان، يؤكد البحث أن مجموع ما سُرق ونهب من مال داخل أجهزة الدولة وخارجها منذ العام ١٩٩٢ إلى اليوم يشكّل أكثر من ٤٠% من الدين العام الملقى على كاهل الشعب اللبناني وهو الآن في جيوب اللصوص أكانوا سياسيين أم رجال أعمال أم موظفين كبار!

أعرف شخصاً حق المعرفة إتى إلي يوماً كي أساعده في الحصول على قرض مصرفي لدفع تكاليف مبنى يملكه ينوي إكماله وبيعه شققاً للناس. قال لي إنه بحاجة إلى أربعين ألف دولار فقط. يومها لم تكن له أية معرفة في العلاقات المصرفية، كان ذلك في صيف ١٩٩٤. ولكن شاء القدر “وحسن الحظ” أن يتعرف إلى شخص مقرّب جداً من أحد وزراء الخدمات في ذلك الوقت ففتح له ذلك الصديق “الصدوق” العزيز الباب الكبير لمشاريع الدولة بحيث صار من كبار المنفذين لمشاريع تلك الوزارة. اليوم تقدّر ثروة هذا المواطن السعيد الحظ بدولته العلية بستين مليون دولار أميركي فقط!

إلتقيته مرة في واجب إجتماعي وخلال حديثنا قال لي بالحرف: إن الوزير “الفلاني عجّلني”! أي أن صديقي المبجل إعترف لي بكل صفقاته أنه صنيعة هذا النظام الرسمي الفاسد وهذه الدولة الفاقدة لمعايير العدالة والأخلاق.
السؤال المهم هنا، إذا جمع هذا المقاول العبقري مبلغ ستين مليون دولار خلال عشر سنوات، فما هو المبلغ الحقيقي الذي جمعه كل من زلمة “الوزير الموقر” ومعالي “الوزير الجزيل الإحترام”؟!
المحصلة برأينا أن الدولة اللبنانية تعج بمئات “الإسخريوطيين” وصفوف شعبنا المسكين مليئة بتجار الهيكل المستعدين في أي لحظة لدفع “الثلاثين من الفضة” ثمناً لمآربهم ومصالحهم الخصوصية.

Bribery

كيف يمكن إذاً بناء دولة وقيامة شعب وسط غابة من اللصوص وعديمي الكرامة؟ كيف يمكن بناء إدارة فعّالة وشريفة وساهرة على شؤون شعبها، إذا كانت أجهزتها الرسمية مسخرة بجيوب الفاسدين العديمي الوجدان؟
يقول رجل الدولة الكبير شارل ديغول:”إذا كنت اريد أن أبني دولة راقية ومتطورة يجب أن يكون جميع المسؤولين فيها لا جيوب في سراويلهم ولا مذلّة في قلوبهم”.

هل يأتي يوم نرى فيه مخلصاً ثائراً وقائداً عظيماً يطرد التجار من الهيكل ويضع القيامة لشعبه الذي ينهشه الطائفيون والمذهبيون والسماسرة العديمو الوجدان؟

 

بقلم د. إيلي الياس

الإدارات العامة في لبنان: بين الفساد المستشري والإصلاح المرجو

2

تعود الحالة المتردية التي تشهدها الإدارة العامة في لبنان، في الدرجة الأولى، إلى الأضرار التي تسببت فيها الحرب الأهلية. وإذا لم يصر إلى إيجاد استراتيجية شاملة تضم مجموعة من المقترحات لبدائل وحلول، تتناول معظم المشاكل الإدارية القائمة، فأنا على قناعة تامة بأنّ التأخير في معالجة مواضع الخلل سيؤدي إلى تفاقم الوضع بما يؤثر سلباً على استقرار المجتمع اللبناني وازدهاره، ويضعف بالتالي الثقة بالحكومة الجديدة ويحد من فعاليتها.

تعاني الإدارة العامة في لبنان حالة متفاقمة من الفساد، إذ لم تشهد البلاد أيّة محاولة جديّة للإصلاح والارتقاء بالإدارة العامة منذ أكثر من أربعين عاماً! أما اليوم، فيمثل مجلس الخدمة المدنية الدائرة المسؤولة عن الموارد البشرية في الجمهورية اللبنانية، الهيئة الأولى للرقابة ضمن الإدارة. وقد قادت خطة تحديث وتحسين أداء المجلس إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات، بما فيها وضع هيكلية استراتيجية لسياسة عامة تهدف إلى تطوير عملية إدارة الموارد البشرية، وتنظيم خطة تطوير مجلس الخدمة المدنية. وقد تم استناداً إلى تلك السياسة تعديل المرسوم الاشتراعي الرقم ١١٤، وإعادة النظر في نظام تقييم أداء الموظفين الحكوميين. ولاقى هذا المشروع النجاح في بعض الأحيان، والفشل في أحيان أخرى، إلا أنّ الحاضر الأبرز كان التدخلات السياسية على طول الطريق.

 

المشاكل الداخلية

تواجه الإدارة العامة في لبنان العديد من المشاكل، وبخاصة في ما يتعلق بالفساد المنتشر بين الموظفين الحكوميين، التي تعد من أخطر المشاكل التي تواجهها الإدارة، ذلك أنّها تُظهر الانقسام بين الموظفين الحكوميين من حيث ولاء كل منهم لقيادته السياسية، بدلاً من الحرص على المصلحة العامة، إلى جانب انقسامهم السياسي، في حين أنّ المنفعة العامة هي بكل بساطة الهدف الأول للعمل الإداري في القطاع العام. تتفوق التبعية السياسية لدى الغالبية العظمى من الموظفين الحكوميين على علاقتهم مع الدولة، إذ يرون أنّ وجودهم في الدولة ليس إلّا وسيلة لخدمة مصالحهم ومصالح السياسيين وأصحاب بعض المناصب وأنصارهم. كذلك، حكم العثمانيون لبنان لأكثر من ٤٠٠ عام، وقد عُرفوا خلالها بفسادهم وعقليتهم الإقطاعية. لذا اقتصر ما نقلوه إلينا على تكريس نظام الفساد الإداري وتسليم مقاليد الأمور إلى عدد من العائلات الإقطاعية وملاك الأراضي الذين تقاسموا النفوذ على المناطق في ما بينهم.

 

الأسباب

أصبحت الضوابط وإجراءات المراقبة ضعيفة جداً، لأنّ لبنان لم يشهد أي تحرك إصلاحي منذ أكثر من أربعين عاماً، مما أدى إلى ترسخ البيروقراطية نظاماً جعل من الموظفين الحكوميين كسالى، يمتنعون عن تقديم الخدمات المطلوبة ضمن إطار عملهم. ويتعارض هذا الواقع مع مبدأ “الأخلاقيات الموحدة” Unified Ethics الذي يقول بأنّ مزايا المبدأ والغرض والشخصية تشكل للمدير أو للموظف الحكومي المنطلق الأخلاقي الذي يقوم عليه في تفكيره وقراراته وأفعاله. كذلك تبيّن بعد إجراء العديد من الأبحاث، انعدام فاعلية أنظمة الضبط والمحاسبة في الإدارة، فحتى الوزارات التي يطلب منها بحسب القانون إعداد تقارير نصف سنوية في هذا الخصوص تمتنع عن القيام بذلك. وفي الواقع، غالباً ما تكون العلاقات الشخصية للموظفين الحكوميين في ما بينهم، وعلاقاتهم مع الأطراف السياسية قوّية إلى حد تجاوز سلطة القانون بما يخدم تلك العلاقات، فيؤدي ذلك إلى ارتكابهم مخالفات جديّة للقوانين المطبقة. وهذا أمر غير مقبول أبداً، إذ يرتكب الموظفون الحكوميون، من خلال مثل تلك الممارسات، العديد من الانتهاكات للدستور والقوانين الإدارية، كما أنّه يتنافى مع مبدأ المنفعة العامة الذي يفرض التصرف وفق ما هو مناسب والالتزام بالإجراءات المتبعة.

 

الذرائع والإعتراضات

عند تدقيق مجلس الخدمة المدنية في عمل مختلف الهيئات العامة (الإدارة المركزية واللامركزية والمؤسسات العامة المستقلة)، وُجد ضعف في التنسيق بين المديرين في القطاع العام في ما يتعلق بالهيكلية الإدارية. وكانت الذريعة هي موافقة السياسيين على الهيكلية القائمة على أنّها مؤقتة! أما الذريعة الأخرى فهي المصلحة العليا للدولة أو ما بات يعرف بـ”Raison d’Etat”. بالأسلوب ذاته، مثّل التوازن الطائفي ذريعة مناسبة، وظّفها مديرو القطاع العام والسياسيون أيضاً، بناءً على مبدأ التوزيع “٦+٦ مكرر” لكافة وظائف القطاع العام من الدرجة الأولى (المدير العام – المدير). وقد تمّ الاتفاق في ١٩٨٩ على تقسيم كل الوظائف العامة من الفئة الأولى بالتساوي ما بين المسيحيين والمسلمين.

Pic

الضغط والمخاوف السياسية

هناك انقسام واضح وكبير بين السياسيين في الحياة السياسية اليومية في لبنان، إذ يطمح كلّ منهم من مكانه، وانطلاقاً من مصالحه الخاصة ومصالح طائفته، إلى الحصول على حصّته ضمن الإدارة دون إبداء أي اهتمام بنظام “الجدارة” (Meritocracy) في تعيين الموظفين الحكوميين أو أي اهتمام بالتوصيف / البنيان الوظيفي اللذين وضعهما مجلس الخدمة المدنية. علماً أنّه لا يجري على الإطلاق تطبيق “مبدأ فصل السياسة عن الإدارة” (Politics-Administration Dichotomy)، وهو مبدأ أوجده الرئيس الأميركي وودرو ويلسن، المعروف بـ”أبو الإدارة العامة”، ويدور حول الفصل ما بين الإدارة العامة والشؤون السياسية. يضاف إلى ذلك بروز مخاوف من طريقة التعامل مع مسألة عدم تطبيق هذا المبدأ، وتسود مثل هذه المخاوف في صفوف الموظفين الحكوميين الذين لم يتأثروا بالفساد، وبين أعضاء هيئات التدقيق والمحاسبة. وتتعارض التصرفات الصادرة عن هاتين الفئتين من الموظفين مع مبدأ الأنماط الثلاثة للمطالبة بالشرعية (Validity Claim) وهي الحقيقة والصواب والصدق، وهي مبادئ أساسية في علم الإدارة.

 

الحلول المقترحة

توصي دراسات معمّقة عديدة الإدارة العامة اللبنانية بأهمية تطبيق عملية الإصلاح خطوة بخطوة والاعتماد بالشكل الرئيسي على خطط قصيرة ومتوسطة المدى. وللتوضيح، أقترح اعتماد إطار زمني من خمس سنوات، إذ علينا أن نكون واقعيين في نظرتنا إلى حقيقة أنّه إن لم تضمن الحكومة اللبنانية تطبيقاً فعالاً وواسع النطاق للتدخل المخصّص الذي توجّهه، على سبيل المثال لا الحصر، الخيارات الاستراتيجية، فلن نشهد أي تغيير يذكر. وضمن الخطة الخمسية، يجب على المعنيين اعتماد نظام فترة مكثّفة من أربعة أشهر، بدل اعتماد فترة من عشرة أشهر يتمّ تنفيذ مخططاتها على أربعة مستويات، تليها فترة مراجعة وتقييم لعملية الإصلاح تدوم لشهرين، ثم اعتماد فترة ثلاث سنوات متتالية لتغطية السنوات الخمس كي يكون بالإمكان إكمال خطة الإصلاح. وتجدر الإشارة هنا إلى نقطة إضافية، لكن مؤثرة للغاية وهي “الاهتمام”، إذ يجب على الموظفين الحكوميين والمواطنين اللبنانيين أيضاً أن يكونوا مقتنعين بهذه الخطة وأن يبدوا اهتمامهم بها، فالمواطن هو محرّك رئيسي لأنه في أغلب الأوقات من يحرض الموظف الحكومي ويدفعه نحو الفساد.

يجب أن يكون الإصلاح منهجياً، وأن يبدأ من الحلقة الداخلية ويتوسع باتجاه الخارج. وهنا يتعين على المعنيين أيضاً استخدام مبدأ المنفعة العامة لتوضيح أنّ الهدف من وراء العمل الإداري في القطاع العام هو تحقيق قيمة عامة وشاملة. إذ يجب أن تبدأ عملية الإصلاح من الداخل، وتتجه نحو الخارج بنحو تقدّمي.

للتوعية أهمية بالغة في عملية الإصلاح الإداري، وعلى وجه الخصوص في بلد مثل لبنان، حيث يتعين على عامة الناس أن يعوا تماماً مجريات الأمور، ويجب منح الفرصة للمواطنين كي يعبّروا عن آرائهم وأفكارهم، فتلك هي الطريقة الوحيدة التي تكفل استرجاع ثقتهم بالإدارة. ويُعرف هذا المبدأ بـ”الميدان العام” (Public Sphere)، وهو مبدأ وضع قواعده عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس.

ويمكن القول بأنّ المجتمع المدني قد لعب، إلى حد ما، دوراً في المجتمع اللبناني، وعلى الأخص بعد نهاية الحرب الأهلية في ١٩٩٠. ويتمثّل الدور الأساسي الذي لعبه في أنه نجح، إلى درجة معينة، في عملية إعادة تأهيل العلاقة بين المواطن والحكومة، وذلك من خلال تنفيذ المشاريع العامة. ويعد إشراك المجتمع المدني في هذا التحرك الإصلاحي على درجة عالية من الأهمية لأنّه المحيط الذي يشتمل كل مراحل الإنتاج والتبادل، ما يشكل جزءاً من القطاع الخاص ويتمتّع بمعالم واضحة تميّزه عن الدولة.

كذلك، من الأفضل والمفيد أكثر، وجود هيئة تدقيق واحدة تعنى بالإدارة العامة للموارد البشرية على كل الصعد والمستويات، وأن تكون مسؤولةً مباشرة أمام مجلس الوزراء، ويعدّ مجلس الخدمة المدنية بهيكليته وتوزيع دوائره الهيئة المخولة لأداء هذا الدور.

وأخيراً وليس آخراً، يوصى بإنشاء وزارة للإصلاح الإداري والتطوير، أو وزارة للإدارة العامة ذات حقيبة وزارية مستقلة، بما أنّ الوزارة الحالية، وهي مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، هي وزارة دون حقيبة وزارية ودون مسؤوليات تنفيذية. كذلك إعادة تفعيل وزارة التصميم حاجة ماسة، لأنّها ستؤدي دوراً محورياً وموازياً للدور الذي ستؤديه وزارة الإصلاح الإداري، إذ ستوظّف كلتا الوزارتين مجلس الخدمة المدنية، بوصفه أداةً تنفيذية فعالة.

آخر الفضائح طالت الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي

آخر الفضائح طالت الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي

 

خلاصة

نستنتج من المشاكل والأسباب والذرائع والإعتراضات والحلول التي ذكرناها أنّ باستطاعتنا أخيراً القول إنّ هذا المقترح يؤيد ويدعم الحاجة القصوى إلى إحداث إصلاح إداري عميق التأثير وواسع النطاق في لبنان، كما يبيّن أنّ الجهود التي بذلت سابقاً فشلت في تحقيق أيّة نتائج تذكر، نظراً لوجود مجموعة من العوامل السياسية والمؤسساتية والتطبيقية. وإذا ما كان بمقدور الحكومة اللبنانية، بالتعاون مع كبار المسؤولين الحكوميين، وممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص، تحويل هذا الاهتمام نحو اتخاذ خطوات استراتيجية لتحقيق الإصلاح والتنمية، فيجب على الحكومة ألّا تفوّت عليها الفرصة المتاحة حالياً بل تستغلها بأفضل وجه.

بقلم سيمون كشر- مؤسس “المبادرة المدنية للإصلاح العام في لبنان”

إجتماع في بلدية طرابلس من ضمن نشاطات مشروع هيدا حقك

الأستاذة ليلى شحود والأستاذ محمد سيف خلال اللقاء

الأستاذة ليلى شحود والأستاذ محمد سيف خلال اللقاء

عُقد في مبنى بلدية طرابلس إجتماع شبابي بهدف تفعيل وتعزيز العمل البلدي والأهلي من خلال هيئات المجتمع المدني المحلي.

حضر الإجتماع عن البلدية:

– رئيسة لجنة السياحة في المجلس البلدي الأستاذة ليلى شحود.

– مستشار رئيس بلدية طرابلس لشؤون المجتمع المدني الأستاذ محمد سيف.

وحضر من جهة المجتمع المدني ممثلين عن كل من:

– جمعية التنمية في عكار ومقرها القبة.

– جمعية يوتوبيا ومقرها باب التبانة.

– جمعية لبنان المحبة ومقرها جبل محسن.

DSC_0051_600x400

عدد من الناشطين في المشروع أثناء اللقاء في البلدية

وتمحور البحث حول مشروع “هيدا حقك” الذي أعدته الجمعيات الثلاث المتحالفة ويهدف المشروع إلى نقل مشاكل وهموم الناس إلى السلطات المحلية عبر شباب الجمعيات الأهلية وتطوير خدماتها بما يختص بالشؤون البلدية والمجتمعية. وينشط المشروع في المناطق التي طالها النزاع والتدمير والتشويه والحرمان.

بدايةً شرح ممثل “جمعية التنمية في عكار” ومدير مشروع “هيدا حقك الأستاذ أحمد عمر أهمية المشروع وأهدافه مؤكداً أنه يهدف إلى تحسين الأداء البلدي و يسرّع في تلبية احتياجات المواطنين في مناطق: باب التبانة، القبة، وجبل محسن.

وقال:”يرتكز المشروع على تدريب الشباب الناشط لمعرفة الحقوق والواجبات المدنية وواجبات البلدية وتقنيات التقدم السريع، إضافةً إلى تدريب الشباب على كيفية أداء المهارات الصحفية ودور وسائل الإعلام. كما أنه يعزز آفاق التوعية في المجتمع المحلي ويعتمد على استمارة شكوى توزّع على سكان المناطق المستهدفة في المشروع وجمعها وتقديمها للبلدية”.

كما وتحدث ممثلو الجمعيات عن أهمية عقد لقاءات حوارية في هذه المناطق تجمع شباناً وشابات من الجمعيات الناشطة وأهالي المنطقة مع أعضاء المجلس البلدي ورؤساء المصالح والدوائر في بلدية طرابلس لشرح دور الإدارات المحلية وتعزيز التفاعل بين السكان والبلدية.

DSC_0065_600x400

من جهتها رحبت عضو المجلس البلدي الأستاذة ليلى شحود بممثلي الجمعيات وأثنت على اندفاعهم ونشاطهم ونوّهت بأهمية المشروع المعروض. ولفتت إلى جملة من المعوقات التي تعترض العمل البلدي ومنها ما هو ناتج عن عدم تطوير القوانين البلدية والشغور في ملاك البلدية والتسيّب لدى بعض الموظفين.

وأكدت شحود ضرورة التوفيق بين البلديات والجمعيات الناشطة والتي تقوم ببعض الأعمال التنموية والتأهيلية في مناطق الإشتباكات وعددت بعض المشاريع الصغيرة التي يمكن أن تعزز العلاقة بين البلديات والمجتمع المدني والأهلي وتعكس صورة مشرقة وتبلسم جراحات المناطق المحرومة والمهمشة، وطرحت شحود مثالاً لذلك: “الحارة الجديدة ” في منطقة باب التبانة.

وأعلنت عن تخصيص جلسة للمجلس البلدي للبحث في قضايا وهموم باب التبانة وجبل محسن والقبة.