Monthly Archives: June 2014

قانون مكافحة تبييض الأموال

Main Pic7

جرائم غسيل الأموال هي نشاط إجرامي لاحق لنشاط جمع المال بطرق غير مشروعة, وخوفاً من المساءلة عن مصدر الأموال كان لزاماً إضفاء مشروعية على هذا المال حتى يسهل التعامل معه من دون إضفاء الشكوك والأدلة القانونية على الأعمال الجرمية السابقة.

فلإضافة الصفة القانونية على أمواله فإن أي تاجر يغسل الأموال يقوم بعمل مشروع وهمي على سبيل المثال، ويسجّل له أرباحاً وهمية كبيرة ويدفع عنه الضرائب المقررة (عملية الغسل) والأرباح هي “مال مغسول”. وهكذا يمكن أن يدّعي المسؤول أن المال هو نتاج تجارته “المشروعة”.

 

لقد استرعت ظاهرة تبيض الأموال اهتمام الدول والحكومات وبدأت بمكافحتها بشتّى الوسائل محاولة تضييق الطريق أمام مجرمي الأموال القذرة. ويُعتبَر لبنان أول دولة عربية تقرّ قانوناً لمكافحة تبيض الأموال وقد صدر قانون مكافحة تبييض الأموال في 20 نيسان 2001، حيث يُعتبَر القانون اللبناني من أشد القوانين التي عاقبت هذا النوع من الجرائم. وقد عدّد القانون الأشخاص والأفعال الذين تطبَّق عليهم العقوبات والتي تتراوح ما بين الغرامة من خمسة ملايين ليرة وحتى 100 مليون ليرة في بعض الحالات, وكذلك الأشغال الشاقة من خمسة سنوات وحتى الأشغال الشاقة المؤبدة. ويعود للمحكمة تطبيق العقوبة التي تتناسب مع الفعل المرتكب. هذا بالإضافة إلى تدابير إحترازية  مثل الحرمان من ممارسة المهنة وإلغاء الترخيص، ويوجد عقوبات فرعية يمكن أن تقررها المحكمة مثل مصادرة الأموال والمعدات.

كما يمكن أن تشدَّد العقوبة في حال تكرار الفعل في تبييض الأموال ويمكن تخفيف العقوبة للشخص الذي يقوم بإعطاء معلومات عن الجريمة بعد كشفها. ويمكن أن يصل هذا التخفيف إلى الإعفاء عندما يقوم الشريك بإعطاء معلومات إلى السلطات قبل علمها بجريمة تبييض الأموال بما يمكّنها من كشفها ومنعها.

 

إضاءة أكثر على هذا القانون فيما يأتي…

 

1- ما هي الأموال غير المشروعة بالنسبة لقانون مكافحة تبييض الأموال؟

يُقصد بالأموال غير المشروعة، بمفهوم هذا القانون، الأموال الناتجة عن ارتكاب إحدى الجرائم الآتية:

أ – زراعة المخدرات أو تصنيعها أو الإتجار بها.

ب – الأفعال التي تقدِم عليها العصابات الإجرامية المنصوص عليها في المادتين 335 و336 من قانون العقوبات والمعتبرة دولياً ضمن الجرائم المنظمة.

ج – جرائم الإرهاب المنصوص عليها في المواد 314 و315 و316 من قانون العقوبات.

د – الإتجار غير المشروع بالأسلحة.

ه – جرائم السرقة أو اختلاس الأموال العامة أو الخاصة أو الإستيلاء عليها بوسائل إحتيالية والمعاقَب عليها في القانون اللبناني بعقوبة جنائية.

و – تزوير العملة أو الأسناد العامة.

 

2- انطلاقاً من الجرائم المذكورة، ما العمليات أو الأعمال التي تُعتبَر تبييضاً للأموال؟

يُعتبر تبييضَ أموال كل فعل يُقصد منه:

أ- إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو إعطاء تبرير كاذب لهذا المصدر، بأي وسيلة كانت.

ب- تحويل الأموال أو استبدالها مع العلم بأنها أموال غير مشروعة لغرض إخفاء أو تمويه مصدرها أو مساعدة شخص ضالع في ارتكاب الجرم على الإفلات من المسؤولية.

ج- تملّك الأموال غير المشروعة أو حيازتها أو استخدامها أو توظيفها لشراء أموال منقولة أو غير منقولة أو للقيام بعمليات مالية مع العلم بأنها أموال غير مشروعة.

 

3- ما هي العقوبات التي فرضها القانون اللبناني على مَن أُدين بجرم تبييض الأموال؟

يُعاقَب كل مَن أقدم أو تدخّل أو اشترك بعمليات تبييض أموال بالحبس من ثلاث إلى سبع سنوات وبغرامة لا تقلّ عن عشرين مليون ليرة لبنانية.

 

4- هل فرض القانون إجراءات رقابة محددة على المصارف في سبيل مكافحة جرائم تبييض الأموال؟

نعم، فبموجب هذا القانون يتوجب على المصارف القيام بمراقبة العمليات التي تجريها مع زبائنها لتلافي تورطها بعمليات يمكن أن تخفي تبييضاً لأموال ناتجة عن الجرائم المحددة في هذا القانون.

 

5- وما هي هذه الإجراءات؟

إن هذه الإجراءات والأصول تتضمن الآتي:

أ- التحقق من الهوية الحقيقية للزبائن الدائمين للمؤسسات المصرفية والمالية وتحديد هوية صاحب الحق الإقتصادي في حال تم التعامل بواسطة وكلاء أو تحت ستار أسماء مستعارة عائدة لأشخاص أو مؤسسات أو شركات أو عن طريق حسابات مرقّمة.

ب- تطبيق إجراءات التحقق ذاتها فيما يتعلق بهوية الزبائن العابرين إذا كانت العملية أو سلسلة العمليات المطلوبة تفوق مبلغاً معيناً من المال.

ج- الإحتفاظ بصور المستندات المتعلقة بالعمليات كافة وبصور الوثائق الرسمية المتعلقة بهوية المتعاملين لمدة خمس سنوات على الأقل بعد إنجاز العمليات أو إقفال الحسابات.

د- تحديد المؤشرات التي تدل على احتمال وجود عمليات تبييض للأموال ومبادئ الحيطة والحذر لكشف العمليات المشبوهة.

هـ- إلتزام المؤسسات المصرفية والمالية بعدم إعطاء إفادات مغايرة للحقيقة بغية تضليل السلطات الإدارية أو القضائية.

و- تحقق مفوضي مراقبة المصارف والمؤسسات المالية من تقيّد هذه المؤسسات بأحكام القانون والنظام وإبلاغ حاكم مصرف لبنان عن أي مخالفة بهذا الشأن.

 

6- ما هي الإجراءات التي حددها القانون للشركات المالية والتجارية الغير خاضعة لقانون السرية المصرفية؟

على المؤسسات غير الخاضعة لقانون سرية المصارف بما في ذلك المؤسسات الفردية، لا سيّما مؤسسات الصرافة والشركات التي تتعاطى الوساطة المالية وشركات الإيجار التمويلي وهيئات الإستثمار الجماعي وشركات التأمين وشركات ترويج وبناء وبيع العقارات وتجار السلع ذات القيمة المرتفعة (حلى، أحجار كريمة، ذهب، تحف فنية، آثار قديمة) أن تمسك سجلات خاصة بالعمليات التي تفوق قيمتها المبلغ الذي حدده مصرف لبنان.

ويتوجب عليهم أيضا أن يتحققوا من هوية الزبائن وعناوينهم بالإستناد إلى وثائق رسمية، على أن يحتفظوا بصورٍ عنها وعن المستندات المتعلقة بالعمليات لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

 

7- هل هناك من هيئة خاصة في مصرف لبنان مهمتها الرقابة على أعمال المصارف والشركات المالية لمتابعة تطبيق هذا القانون؟

نعم، فقد أُنشئت بموجب هذا القانون هيئة مستقلة لدى مصرف لبنان ذات طابع قضائي وتتمتع بالشخصية المعنوية، وهي غير خاضعة في ممارسة أعمالها لسلطة المصرف، مهمتها التحقيق في عمليات تبييض الأموال والسهر على التقيّد بالأصول وبالإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون وتسمّى هيئة التحقيق الخاصة.

 

8- ممّن تتألف هذه الهيئة؟

تتألف هيئة التحقيق الخاصة من:

– حاكم مصرف لبنان، وفي حال تعذّر حضوره، مَن ينتدبه من بين نوابه رئيساً.

– رئيس لجنة الرقابة على المصارف، وفي حال تعذّر حضوره، مَن ينتدبه من بين أعضاء اللجنة المذكورة عضواً.

– القاضي المعيّن في الهيئة المصرفية العليا، وفي حال تعذّر حضوره، قاضٍ رديف يعيّنه مجلس القضاء الأعلى لمدة تعادل مدة تعيين الأصيل عضواَ.

– عضو أصيل وعضو رديف يعيّنهما مجلس الوزراء بناء على اقتراح حاكم مصرف لبنان.

كما تعيّن هيئة التحقيق الخاصة أميناً للسر على أن يتفرغ للأعمال التي تكلفه بها وأن يقوم بتنفيذ قراراتها وبالإشراف المباشر على جهاز خاص من المدققين تنتدبهم الهيئة لمراقبة تنفيذ الموجبات المنصوص عليها في هذا القانون والتحقق منها بشكل مستمر دون أن يُعتَدّ تجاه أي منهم بأحكام قانون سرية المصارف.

banknotes

9- ما هي أصول عمل هيئة التحقيق الخاصة؟

إن مهمة الهيئة الأساسية هي إجراء التحقيقات في العمليات التي يُشتبه بأنها تشكّل جرائم تبييض أموال وتقرير مدى جدية الأدلة والقرائن على ارتكاب هذه الجرائم أو إحداها.

والهيئة هي الوحيدة التي يحق لها رفع السرية المصرفية عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية والتي يُشتبه أنها استُخدِمت لغاية تبييض الأموال لصالح المراجع القضائية المختصة ولصالح الهيئة المصرفية العليا.

 

10- كيف تتبلّغ هيئة التحقيق الخاصة بالاشتباه بعمليات تبييض الأموال؟

يقتضي على المؤسسات المصرفية الخاضعة لقانون السرية المصرفية والشركات المالية والتجارية الغير خاضعة للسرية المصرفية أن تقوم بالتبليغ الفوري عن تفاصيل العمليات التي يشتبهون بأنها تخفي تبييض أموال إلى الهيئة.

كما ينبغي على المراقبين العاملين لدى لجنة الرقابة على المصارف إبلاغ الهيئة عن العمليات التي يطّلعون عليها بمناسبة قيامهم بمهامهم والتي يشتبهون بأنها تخفي تبييض أموال.

 

11- ما الخطوات الأولية التي تتبعها الهيئة عند تلقّيها معلومات عن وقوع عمليات لتبييض الأموال؟

تجتمع الهيئة فور تلقّيها لمعلومات عن وقوع عمليات تبييض أموال من قبل المؤسسات المالية المذكورة سابقاً أو من قبل السلطات الرسمية اللبنانية أو الأجنبية.

وبعد تدقيق المعلومات، تتخذ الهيئة ضمن مهلة ثلاثة أيام عمل قراراً مؤقتاً بتجميد الحساب أو الحسابات المشبوهة لمدة خمسة أيام قابلة للتجديد مرة واحدة إذا كان مصدر الأموال لا يزال مجهولاً أو إذا اشتُبِه بأنه ناجم عن جرم تبييض أموال. وفي خلال هذه المهلة تقوم الهيئة بتحقيقاتها بشأن الحساب أو الحسابات المشبوهة إمّا مباشرة أو بواسطة مَن تنتدبه من أعضائها أو المسؤولين المعنيين لديها أو بواسطة أمين السر لديها أو مَن تعيّنه من بين مفوضي المراقبة. ويقوم كل من هؤلاء بمهامه شرط التقيّد بالسرية ودون أن يُعتدّ تجاهه بأحكام القانون المتعلق بسرية المصارف.

 

12- وما هي الخطوات المتخذة بعد إجراء التحقيقات؟

بعد إجراء التحقيقات، وخلال مهل التجميد المؤقت للحساب أو للحسابات المشبوهة، تُصدر الهيئة قراراً نهائياً إمّا بتحرير هذا الحساب إذا لم يتبيّن لها أن مصدر الأموال غير مشروع وإمّا برفع السرية المصرفية عن الحساب أو الحسابات المشتبه بها ومواصلة تجميدها. وفي حال عدم إصدار الهيئة أي قرار بعد انقضاء المهلة يُعتبَر الحساب محرراً حكماً. ولا تقبل قرارات الهيئة أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية الإدارية أو القضائية.

وعند الموافقة على رفع السرية المصرفية، على الهيئة أن ترسل نسخة طبق الأصل عن قرارها النهائي المعلل إلى كل من النائب العام التمييزي وإلى الهيئة المصرفية العليا وإلى صاحب العلاقة وإلى المصرف المعنيّ وإلى الجهة الخارجية المعنية إمّا مباشرة أو بواسطة المرجع الذي وردت المعلومات عن طريقه.

 

13– هل يجب أن تتمّ إجراءات التحقيق والمتابعة بشكل سرّي أو يمكن إجراؤها بشكل علني؟

باستثناء قرار الهيئة بالموافقة على رفع السرية المصرفية، ينبغي أن يتّسم بالسرية المطلقة واجب الإبلاغ المنصوص عليه في هذا القانون من قبل أي شخص طبيعي أو معنوي، والمستندات المقدمة لهذه الغاية، ومستندات التحقيق وإجراءاته في شتى مراحلها.

 

14– ولكن هل يحمي القانون أعضاء الهيئة أو المصارف من الملاحقة القانونية من قبل الأشخاص المشتبهين بجريمة تبييض الأموال؟

نعم، إذ يتمتّع كل من رئيس وأعضاء الهيئة والعاملين لديها أو المنتدبين من قبلها بالحصانة ضمن نطاق عملهم، حيث لا يجوز الإدعاء عليهم أو على أحدهم أو ملاحقتهم بأي مسؤولية مدنية أو جزائية تتعلقان بقيام أي منهم بمهامّه ومنها الجرائم المنصوص عليها في قانون السرية المصرفية إلا بحال إفشاء السرية المصرفية.

كما يتمتع كل من المصرف وموظفيه بالحصانة عينها عندما يقومون بتنفيذ الموجبات الملقاة على عاتقهم بموجب هذا القانون أو بموجب قرارات الهيئة.

 

15– ما هي العقوبة التي تقع على الأشخاص العاملين في المصارف والشركات المالية والتجارية أو أعضاء لجنة الرقابة على المصارف الذين يقومون بالتغطية على جرائم تبييض الأموال؟

يُعاقَب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة حدّها الأقصى عشرة ملايين ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مَن يقوم بالتغطية على جرائم تبييض الأموال.

 

16– وما الإجراءات الأخرى التي تُتخذ بحقّ المدان بالتبييض إضافةً إلى الحبس والغرامة؟

تصادَر لمصلحة الدولة الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يثبَت بموجب حكم نهائي أنها متعلقة بأي من الجرائم المذكورة أعلاه (راجع الجواب الأول) أو محصَّلة بنتيجتها ما لم يثبت أصحابها، قضائياً، حقوقهم الشرعية بشأنها.

 

وتبقى الإشارة إلى لضرورة تفعيل القوانين الضريبية وتشديد الرقابة على المصارف في العالم وعلى حركة الأموال بينها، وتنسيق التعاون الدولي خصوصاً بالنسبة للدول التي لديها خبرات في مجال مكافحة تبييض الأموال، والتشهير بمبيّضي الأموال عالمياً، وإجراء برامج تدريبية للعاملين في مجال مكافحة تبييض الأموال.

 

وائل حداد

تصحر وجفاف وتلوث… لا تدابير جدية لمعالجة المشاكل البيئية في لبنان

Main Pic6

باتت المشكلة البيئية في طليعة المشاكل التي يواجهها لبنان، فالتراخي في اتخاذ التدابير الضرورية أدى إلى تدهور بيئي على مختلف المستويات. وعلى الرغم من أن لبنان سعى إلى حماية بيئته منذ أوائل التسعينيات عبر عدة خطوات، إلا أن التدابير الجدية التي توقف التدهور البيئي ما زالت بعيدة المنال. ومن بين التهديدات البيئية في لبنان: الإحتباس الحراري، تغيّر المناخ، تلوّث المياه، تلوّث الهواء، مشكلة النفايات، التلوّث الصناعي، الجفاف والتصحّر…

 

لبنان والتغيّرات المناخية

تُظهر المؤشرات الرئيسية لتغيّر المناخ في لبنان وجود تهديد كبير. وتتضمن آثار هذا التغيّر زيادة في حرائق الغابات، وتناقص الناتج الزراعي مما يهدّد بحصول تصحّر كامل خلال السنوات المقبلة، وفقدان الغطاء الثلجي لبعض الجبال نتيجة الإحترار العالمي من جهة، والإرتفاع المطَّرد في درجات الحرارة من جهة أخرى. ولنا في الجفاف الذي شهدناه في شتاء العام ٢٠١٤ أكبر مثال على ذلك.

وتغيّر المناخ مع ما يُصاحبه من عواصف وجفاف، سيؤدي إلى زيادة في الأوبئة والحشرات وحرائق الغابات التي هي في ازدياد مستمر عاماً بعد عام إلى درجة أن معظم غابات لبنان معرّضة إلى أن تختفي لتحلّ مكانها أراضٍ عشبية.

 

الإحتباس الحراري

تشير الدراسات إلى أن انبعاث الغازات، وخصوصاً غاز ثاني أوكسيد الكربون الناجم عن احتراق الغاز الطبيعي والفحم والنفط، أي ما يسمّى بالوقود الأحفوري، هو السبب الرئيس لارتفاع درجة حرارة الأرض، وما ينجم عن ذلك من كوارث طبيعية كالجفاف والحرائق والفيضانات والانهيارات الأرضية واندثار الغابات وارتفاع مستوى مياه البحار. وتشير التقارير إلى أن حصة منطقة حوض المتوسط من التغيُّرات المناخية تتمثَّل في حدوث موجات حرارية ستساهم في تحويل مناخ هذه المنطقة إلى صحراوي جاف مع حلول العام ٢٠٢٥. وتظهر مؤشرات ذلك من خلال الإحصائيات الرسمية التي تبيّن أن لبنان يشهد منذ العام ١٩٩٣تدنياً في معدّل المتساقطات المائية وارتفاعاً في درجات الحرارة وجفافاً.

كما تشير تقارير منظمة “الفاو” إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية في لبنان وجفاف العديد من الينابيع والمساحات الرطبة، كما وأن الانهار وأهمها نهر الليطاني قد دخلت مرحلة الجفاف. ويخلص التقرير إلى أن الزراعة هي الأكثر تضرراً من التغيّرات المناخية، مما سيؤدي إلى اختفاء معظم الزراعات الموسمية التي تحتاج إلى كمية عالية من مياه الريّ وإلى اختفاء بعض أصناف الأشجار المثمرة ذات الاحتياجات العالية من البرودة، بالإضافة إلى ازدياد عدد أجيال الحشرات خلال العام الواحد إلى درجة تصبح مكافحتها أمراً مستعصياً.

 

من مظاهر تلوث الهواء في المدن

من مظاهر تلوث الهواء في المدن

تلوّث الهواء

يشكّل قطاع النقل في لبنان المصدر الأول من مصادر تلوّث هوائه الناتج بشكل أساسي عن الانبعاثات التي تسبِّبها السيارات وقد وصل عددها إلى حوالى ١.3 مليون سيارة خاصة، في حين يُقدّر عدد السكان بنحو أربعة ملايين شخص، ما يعني وجود سيارة واحدة لكل ثلاثة أشخاص. يضاف إلى ذلك محطات توليد الطاقة التي تستعمل أسوأ أنواع الوقود، والمولِّدات المنتشرة في الأحياء التي تزيد من نسبة تلوّث الهواء.

أما قطاع الصناعة، فيحتلُّ المرتبة الثالثة في تلوّث الهواء، والحارقات المنزلية المرتبة الرابعة، وبعدها ورش البناء، والغبار الناتج عن الكسارات والمقالع إضافة إلى الحرائق في الأحراج والغابات والانبعاثات التي تصدر عن مكبات النفايات.

وقد أظهرت الدراسات أخيراً، أن تلوّث الهواء في لبنان تخطّى المعدّلات السنوية، مسجلاً منذ العام ١٩٩٣ ارتفاعاً ملحوظًاً وصل هذا العام إلى ثلاثة أضعاف النسبة المقبولة التي حدّدتها منظمة الصحة العالمية. كما أظهرت الدراسات وجود نسب مرتفعة جداً من ثاني أوكسيد النيتروجين والمواد الجزيئية التي تعرف بتأثيرها السلبي الكبير على الصحة، وتعتبر زحمة السير المسبب الأول لارتفاع نسبة التلوّث في الهواء.

 

تراجع الغابات والزراعة

انخفضت الغابات إلى نحو ٧ في المائة من مساحة لبنان بعدما كانت قبل ٢٥ سنة تغطي ٢٠ في المائة منه، وذلك بسبب التنمية العشوائية والحرائق وقطع الغابات والمقالع. وقد قضت الحرائق بين العامين ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ فقط على أكثر من خمسة ملايين شجرة، أي أكثر من خمسة أضعاف ما تم تحريجه خلال السنوات العشرين الماضية. وأدّى ضعف التنمية الريفية، والجفاف بسبب هدر المياه، إلى إهمال نحو ٤٠ في المائة من الأراضي اللبنانية الصالحة للزراعة، فانجرفت التربة وأصبحت الأرض صحراء قاحلة. وأكد هذا الواقع تقرير “الخطة الوطنية لمكافحة التصحر” الذي صدر في حزيران ٢٠٠٣، حين أشار إلى أن ٦٠ في المائة من الأراضي اللبنانية معرّضة لخطر التصحّر بدرجة مرتفعة. وقد أدّى الاستخدام الكثيف للأسمدة والمبيدات الكيماوية بلا قيود جدية، وبمعدل يتخطى ضعفي المستويات المقبولة، إلى تلويث التربة والمياه واختلال التوازن الطبيعي والتسبب بأمراض عديدة.

حرائق الغابات السنوية من أخطر المشاكل التي تواجه البيئة في لبنان

حرائق الغابات السنوية من أخطر المشاكل التي تواجه البيئة في لبنان

 

النفايات

ينتج لبنان نحو ١.5 مليون طن من النفايات الصلبة سنوياً، ينتهي ٤٠ في المائة منها في مكبات عشوائية، و٥٠ في المائة في مطامر، بينما لا يتم تدوير أكثر من ١٠ في المائة. ومع أن خدمات جمع النفايات شهدت تطوّراً ملموساً خلال السنوات العشر الأخيرة، وازدادت نسبة التدوير، إلاّ أنّ خيار الطمر ما يزال هو المعتمد بشكل أساسي، مع ما يسبّبه ذلك من تلوّث في الهواء والتربة بشكل واضح.

 

تلوث المياه

يواجه لبنان عدداً من التهديدات البيئية التي تشمل تلوث المياه والمخاطر المرتبطة بتغيّر المناخ بالإضافة إلى آثار مخلَّفات حرب تموز العام ٢٠٠٦. ومع احتمال الشروع في عمليات استكشاف النفط والغاز في البحر، تحذّر منظمة “السلام الأخضر” من تعريض المياه الساحلية اللبنانية لمخاطر شديدة قد تسببها حوادث تسرب نفط عارضة.

 

تلوّث الشاطىء

يُعدّ الشاطئ اللبناني من أكبر ضحايا التلوّث، فآلاف الأطنان من النفايات والملوّثات الصناعية تُقذف سنوياً في مياه البحر. وتُشكل المخلَّفات السائلة مصدراً أساسياً من مصادر تلوث مياه الشاطئ اللبناني، إذ غالباً ما تُرمى في البحر من دون أي معالجة مسبقة، وهي تشمل: مياه المجاري والمياه المستعملة في المصانع ومياه الأمطار. وقد أدّى رمي هذه المخلفات على هذا النسق، إلى تلويث مياه البحر وزيادة واضحة في كمية المواد العضوية الحية والبكتيريا في المناطق القريبة من مخارج المجاري، مع ما يترتَّب على ذلك من زيادة في تفشي الأمراض، والتأثير السلبي على الحياة النباتية والحيوانية البحرية، بالإضافة إلى الإضرار بالمناطق السياحية.

من جهة أخرى، تحتلّ المشاريع الصناعية والسياحية والتجارية الخاصة ٥٦ كيلومتراً من الشاطئ اللبناني، أي ٢٣ في المائة منه. وتملأ النفايات معظم الجزء المتبقي، حيث يصل إلى البحر يومياً نحو ألف طن منها عبر مكبّات الشواطئ أو الأنهار والسواقي. ويصب في البحر كل يوم نصف مليون متر مكعب من المياه المبتذلة، بعدما تأخر إنهاء مشاريع محطات المعالجة بسبب خلافات سابقة على الاستملاكات.

ولطالما كان الساحل اللبناني عرضة لمخالفات المصانع المنتشرة، وللصيد البحري العشوائي، غير أن المشكلة الكبرى تمثلت في النفط المتسرّب بسبب عدوان تموز ٢٠٠٦، والذي قدّرت كميّته بنحو ٣٠ ألف طن أو أقل بقليل – تسرّبت من مستودعات معمل الجية التي قصفت خلال العدوان. فالبقع النفطية غطّت ١٦٠ كيلومتراً من الشاطئ شمال الجية، إضافة إلى المادة النفطية التي تسرّبت إلى البحر بواسطة البوارج الإسرائيلية وشكلت بحيرات نفطية مساحتها عشرات الكيلومترات المربعة، ووصلت كثافتها إلى ما يزيد عن ٤٠ سنتيمتر. كما تمّ اكتشاف كميات هائلة من الفيول في قاع البحر مقابل الجية.

 

مشكلة المياه

على الرغم من أن لبنان يشهد معدلاً مرتفعاً نسبياً لتساقط الأمطار، مقارنةً مع سائر بلدان الشرق الأوسط، إلا أنّه من المتوقع أن يعاني عجزاً مائياً بحلول العام ٢٠١٦ بغضّ النظر عن التغيرات المناخية، وذلك بسبب النمو السكاني وسوء الإدارة. ووفق خبراء، فقد تقلص عدد الأيام الممطرة من ٨٠ – ٩٠ يوماً في السنة في المتوسط قبل ٢٠ عاماً إلى ٧٠ يوماً في السنة فقط، مقابل ارتفاع شدّة هطول الأمطار ما يعني تسرب نسبة أقل منها إلى التربة وجريان النسبة الأكبر على الأرض، وهو ما يتسبب في انجراف التربة وحدوث انهيارات أرضية وفيضانات بالإضافة إلى التصحر في نهاية المطاف. وسيضر انخفاض سقوط الثلوج بإعادة تغذية المياه الجوفية والأنهار. ويعني ذوبان الثلوج قبل الأوان في الربيع قلة المياه المتوافرة في الصيف والتي يحتاج إليها المزارعون للريّ.

توفِّر الثلوج ٣٥ في المائة من احتياجات لبنان من المياه، ومع ارتفاع درجات الحرارة، من المتوقع أن يتقلَّص تساقط الثلوج وأن يرتفع خط الثلج الدائم، وفق مسوحات المركز الإقليمي للمياه والبيئة التابع لجامعة القديس يوسف في بيروت.

 

هدر المياه

في حين يعاني اللبنانيون نقصاً في كمية المياه المتوافرة للاستعمال وتدهوراً في نوعيتها، بسبب سوء إدارة الموارد المائية، يتم هدر أكثر من نصف الـ٢٦٠٠ مليون متر مكعب من المياه السطحية والجوفية التي يمكن استغلالها. ناهيك من تلويث المياه العذبة بمجاري المياه المبتذلة، وآبار التصريف التي تحفرها البيوت والمؤسسات والمستشفيات أيضاً، فتختلط مياه المجارير بمياه الشرب. وما لم يتم اعتماد خطة سريعة للحفاظ على موارد المياه وتطويرها، سيصل لبنان العام ٢٠٢٥ إلى حافة ما تصنِّفه الأمم المتحدة بـ “الندرة الحادة للمياه”، وهو لن يستطيع الدفاع عن حقه في ثروته المائية ما دام معظمها يذهب هدراً إلى البحر.

معرض رشيد كرامي الدولي: ذَهَب عاصمة الشمال المتروك

ثلاثة تدابير لتفعيله: هيئة مستقلة لإدارته وموازنة لإعادة تأهيله واستقرار أمني دائم

Main Pic5
قبل وفاته بأشهر عدة، أصدر المهندس العالمي اوسكار نيماير كتيباً ضمّنه أبرز إنجازاته الهندسية التي أشرف على تنفيذها (أبرزها مبنى الأمم المتحدة في نيويورك)، وعندما سُئل لماذا لم ينشر أي صورة عن معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس في الكتيب، غصّ نيماير وأجاب: “لماذا أعرض صوراً للموقع الذي أهملوه حتى قتلوه؟”

تختصر إجابة نيماير حال المعرض المزرية، والذي صُنف ذات يوم ضمن الـ١٤ منشأة الأهم في العالم. فالمتجول في أروقة المعرض وبين قاعاته، وعلى مساحاته الخضراء الواسعة، والمتنقل بين المسرح العائم، والبرك المائية التي أبدع نيماير في هندستها عام ١٩٦٣، سيشهد على كارثة لبنانية من نوع آخر، لا تصيب اللبناني في أكله ورزقه ومعيشته، وإنما تعطيه الخبر اليقين عن حال دولته المترهلة، التي “شاخت” وشاخ معها كل ما من شأنه أن يمنح اللبناني أملاً في حياة أفضل. فيمكن القول أن الدولة زارت المعرض مرتين فقط منذ عام ١٩٩٤، المرة الأولى حين أقر مجلس الوزراء برئاسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري مبلغ عشرين مليون دولار كميزانية لعمله، وهي كانت المرة الأخيرة التي تخصص فيها للمعرض ميزانية للتشغيل، والمرة الثانية كانت في شباط من العام الماضي، حيث أقر مجلس الوزراء تعيين مجلس إدارة جديد للمعرض برئاسة حسام قبيطر، بعد أعوام طويلة من الفراغ وتصريف الأعمال أمضاها الرئيس السابق منذر شعراني (كان ومعه شخص واحد فقط يديران المعرض، ومن ثم تقاعدا لكنهما استمرا في تصريف الأعمال لسنوات طويلة).
لدى دخولك إلى مكتب الرئيس قبيطر تفاجأ أن “أثاث” المكتب لا تنطبق عليه المواصفات العالمية المعتمدة في إدارات الدولة، طاولة اجتماعات أكثر من عادية، مقاعد أصاب بعضها الخلل، ومكتب صغير تكاد تراه في “مكتب المختار”.

الشيء الوحيد الذي تغير هنا منذ ست سنوات، هو إزالة صورة رئيس الجمهورية السابق اميل لحود ورفع صورة الرئيس ميشال سليمان مكانها. في باحات المعرض الداخلية وحدائقه التي تعنى باهتمام دائم لن تكون وحيداً في تجوالك، بل سيرافقك اليمام أنىّ توجهت، ليحدّثك عن “فضيحة” الإهمال الرسمي للوحات هندسية يسقط منها في كل يوم جزء من الباطون ليظهر عليك قضبان من الحديد أصابها الصدأ، وكأنها تختصر لك تداعي المعرض وتراجع دوره يوماً تلو الآخر.

14169420

على المسرح العائم مئات من الكراسي البلاستيكية منها ما لا يزال صامداً ومنها ما استسلم فتكسّر جزء منه أو “طار” كلياً بفعل العوامل الطبيعية، وعلى يمينك وشمالك تجمعات لمياه آسنة تُريك مرآتها معرضاً لا يجهّز نفسه سوى لنشاط الموت.

في الداخل قاعات هي أقرب إلى “خيم” منها إلى قاعات، لا كهرباء هنا ولا تكييف، لا مراحيض صالحة للاستخدام، هي تصلح فقط للاحتماء تحت سقفها هرباً من المطر.

رغم كل هذه الأوبئة التي أصابت محتويات المعرض ومقوماته الحياتية، إلا أن كل شيء يصلح للحياة. المطلوب فقط أن تولي الدولة بصفتها الطبيب المعالج مريضها “المعرض” أولوية خاصة وتصف له العقاقير اللازمة من قانون جديد يرعى عمل مجلس إدارته، إلى ميزانية تشغيلية تسمح للقيمين على الإدارة بإعادة تأهيل ما أنهكته الأيام، إلى استقرار أمني يكون المقدمة لعودة الروح من جديد إلى جسد المعرض.

في قاموس رئيس مجلس إدارة المعرض حسام قبيطر الذي عينته حكومة ميقاتي السابقة مع ستة آخرين، تحضر السيدة فيروز بأغنيتها الأخيرة “إيه في أمل”، فعلى الرغم من تعاسة المشهد البنيوي والحركي للمعرض، يصر قبيطر في حديثه معنا على الأمل بإعادته أفضل مما كان، ويحدد لذلك ثلاث خطوات على المعنيين اتخاذها، أولاً: إصدار قانون جديد يرعى شؤون المعرض ويحوّل مجلس إدارته من مجلس تابع مباشرة لوزارتي الإقتصاد والمال، إلى هيئة مستقلة بصلاحيات واسعة على غرار “كازينو لبنان” وتخضع للرقابة اللاحقة لديوان المحاسبة، وفلسفة ذلك بأن الروتين الإداري المتبع داخل إدارات الدولة يسهم بشكل مباشر في شل عمل المعرض، “إذا أراد أحدهم تنظيم نشاط للأطفال داخل المعرض عليه الانتظار أكثر من شهرين حتى يأتيه الجواب بالموافقة من عدمها، لأن أي أمر علينا اتخاذ قرار فيه في اجتماع المجلس ثم إحالته على وزارة الإقتصاد للتصديق عليه قبل أن يعود إلينا وإذا كان يتعلق بالشق المالي نعود ونحيله على وزارة المال للاطلاع والموافقة، الأمر الذي قد يتطلب أشهراً عدة ما ينفّر الجهات المنظمة ويدفعهم للتوجه إلى أماكن أخرى”، يقول قبيطر. ويضيف: “أما في حال كانت تديره هيئة مستقلة، فيمكنها اتخاذ القرارات مباشرة بالموافقة أو بعدمها ومن ثم تخضع لرقابة ديوان المحاسبة في الأمور المالية إذا كان الموضوع مرتبطاً بأمور مالية”.

ثانياً: لا عمل من دون ميزانية مخصصة للصرف، فكيف “سنعمل ونعيد تأهيل البنى التحتية للمعرض إذا لم تخصص الدولة لنا الأموال اللازمة لذلك؟”، ويشرح قبيطر: “منذ تولينا المهمة رسمياً، عملنا على إعداد دراسة بتكاليف إعادة تأهيل المعرض وترميم ما يجب ترميمه، وفي المحصلة إننا بحاجة إلى ٣٣ مليون دولار للقيام بذلك، نحن لا نقول للدولة قومي بهذه المهمة منفردة، بل اعملي على تأمين الاستقرار في مدينة طرابلس، واجعلي الأمن يسود شوارعها وخذي نشاطات وعقود استثمار (بي او تي) تعيد تأهيل المنشآت وتضخ دماً جديداً في كل أرجاء المعرض.”

ثالثاً: الإستقرار الأمني هو المدخل الوحيد لتفعيل حركة المعرض، ويروي قبيطر ما جرى معه منذ ثلاثة أشهر “حين كنا قاب قوسين أو أدنى من إقامة مدينة للملاهي داخل المعرض لثلاثة ايام وإقامة معرض دولي للسينما. وبعدما أتممنا كل ما يلزم جاءنا اتصال يلغي النشاطات بسبب الوضع الأمني، ونقل مدينة الملاهي إلى بيروت، فكيف تريدون منا أن نكون فاعلين ومنتجين إذا كان عنصر اللاأمن يتحكم بمصير المدينة والمعرض والدولة برمتها؟”.

51725510

المعرض غير جاهز لاستقبال أي نشاط، وهو في حال يرثى لها، ويريد التفاتة رسمية وسريعة لانتشاله مما هو فيه، وإعادة تأهيل بناه التحتية، وإلا سيبقى نشاطه محصوراً في استقباله معرض الكتاب السنوي الذي تقيمه الرابطة الثقافية في طرابلس، والذي هو الآخر يحكي قصة وجع أخرى تكتب فصولها الأوضاع السيئة التي تعيشها طرابلس.