Monthly Archives: August 2014

بناء الثقافة المواطنية في لبنان: الجامعات والمدارس ودورها في التنشئة على المواطنية

Main Pic

المواطنية هي ثقافة الاهتمام بالشأن العام والعمل على تطويره، وهي ثقافة شاملة تقوم على تخصيب الحياة الإجتماعية بالمشاركة في العمل الجماعي واحترام القيم الأساسية المؤدية إلى توطيد التماسك في المجتمع، من دون التخلي عن حرية الرأي والمعتقد والتنوع الذي لا يُخِل بالوحدة الوطنية، ثقافة التعاطف والتسامح والحوار والتفكير النقدي والمبادرة في مواجهة التحديات، ثقافة أداء الواجبات طوعاً لا كرهاً والحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية والمال العام والمرافق العامة، ثقافة الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن والتفاني في سبيله من دون تعصب أو انغلاق بل الانفتاح على توطيد أواصر الصداقة والتضامن بين الشعوب.

 

إن مسألة ثقافة المواطنية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب كلبنان يمكن إيجازها بستة أسئلة: لماذا الثقافة المواطنية مهمة اليوم في لبنان؟ هل هناك تناقض بين المواطنية والطوائف؟ ما هي مكونات الثقافة المواطنية؟ ما هي عوائق الثقافة المواطنية لبنانياً؟ ما هو إنتاجنا في هذا المجال؟ ما العمل في المستقبل؟

 

١- لماذا الثقافة المواطنية اليوم موضوع مهم في العالم وفي لبنان بشكل خاص؟

 

الموضوع مهم لثلاثة أسباب:

  • الديمقراطية: الأنظمة التوتاليتارية في العالم مهددة بسبب انتشار وسائل الإتصال الحديثة. كما أن المدفع في نهاية القرون الوسطى قضى على النظام الإقطاعي وتحصيناته، كذلك وسائل الإتصال الحديثة ستسرع في انهيار الأنظمة التوتاليتارية في العالم. وبعد انهيارها، مطلوب من الناس ان يشاركوا في الحكم، فإذا لم يكونوا معتادين على المشاركة وغير متمرسين على الديمقراطية تطرح معضلة كبرى، وهذا ما يحصل الآن في دول الربيع العربي.

 

  • التنمية الإجتماعية – الإقتصادية: أثبتت كل تجارب العالم في السنوات العشرين الأخيرة أن السلطة المركزية وحدها لا تستطيع أن تخطط للناس إذا لم يشارك هؤلاء أو لم يشعروا بأنهم معنيون، ولا يعملون شيئاً للتنمية، في قراهم وبلداتهم ومدنهم ومناطقهم وأحيائهم. هذا ما يسمى في الأدبيات الحديثة التمكين Empowerment أو Capacitating. إنها أكبر مشكلة في البلدان الفقيرة والبلدان في طور النمو. كيف نجعل الناس مشاركين في خطط التنمية؟

 

  • المناعة: كيف نبني مناعتنا اللبنانية تجاه صراعات الداخل ومداخلات الخارج. لدينا تجربة غنية وأليمة في آن. من أهداف الثقافة المواطنية في لبنان تنمية المناعة.

 

٢- هل هناك تناقض بين الثقافة المواطنية وبلد مؤلف من طوائف ومذاهب؟

 

لأكثر من أربعين سنة أثيرت المقولة بأنه ما دام هناك طائفية فلا مجال للمواطنية، وللأسف عند كثير من المثقفين والباحثين. يعني ذلك الإستقالة والإنتظار. بعض رجال السياسة يستفيدون من هذه المقولة ويقولون: طالما أن النظام طائفي نريد حصتنا في الحكم! والناس يبررون ذلك على أساس أنه طالما النظام طائفي فلا مجال لدولة القانون، ولا مجال للمواطنية! إنها مقاربة إيديولوجية قصيرة النظر ولا تثبتها التجارب. أظهرت تجارب عديدة في العالم كيف يمكن بناء المواطنية في بلد متنوع الإثنيات والمذاهب والأعراق. والخلافات في العديد من البلدان أكبر بكثير من الخلافات في لبنان. أعطي مثال بناية مشتركة يسكن في أحد طوابقها إنفتاحي، مجامل، تقدمي… يزور الجميع ويبادلهم الحديث، ويسكنها آخر: فئوي، إنعزالي، “بيتوتي”… لا يتحدث مع أحد! لكن هذا الفئوي والإنعزالي و”البيتوتي” يدفع مساهمته في المصاريف المشتركة ويحضر الجمعية العمومية ويتقيد بنظام البناية. أم التقدمي الانفتاحي والمجامل “يخرب” كل شيء في البناية. لا يدفع ولا يتقيّد بنظام البناية. ماذا نفعل عادة؟ نمارس “النكرزة” و”الحرتقة” ضد كل فرد أو مجموعة حول ما يسميه خصوصياته الثقافية، بدل الاهتمام بالقضايا المشتركة. البناية التي يقطنها المالكون فيها ٨٠- ٩٠ في المائة من القضايا المشتركة. إذا اهتمينا بكل ما هو مشترك تصبح البناية جميلة ونموذجاً لكل البنايات. الزوّار يأتون إليها بارتياح ويعيش الناس فيها براحة. ما حدث في لبنان هو العكس حيث تم التركيز على كل ما يخلف الناس ويفرقهم. إذا قمنا باستفزاز المالك البيتوتي والإنعزالي والفئوي، فالأرجح أنه سيتحول أكثر انعزالية. أما إذا عملنا على توسيع المجال العام المشترك، فالأرجح أنه سيتغير.

لا تناقض بين المواطنية والطوائف شرط توسيع المجال العام المشترك. هناك كلمة “ميثاق العيش المشترك”. ما يزال البعض لغاية اليوم يناقر حول كلمة ميثاق (البعض مع الميثاق والآخر ضده وضد الطائف)، لكن هناك “مشترك”، وكل العمل هو على المشترك. أُدخلت عبارة “ميثاق العيش المشترك” في مقدمة الدستور اللبناني.

20130523_182717

٣- ما هي مكونات الثقافة المواطنية؟

 

حصل كثير من أدلجة (من إيديولوجيا) الأمور. كلمة وطن يحددها لسان العرب بأنها مكان الإقامة. البعض قد يقول بأنني أبسّط الموضوع. والاشتقاق واطَنه يعني مشاركة في الوطن. وانطلاقاً من كلمة وطن كمكان الإقامة، يمكن أن نستخلص ثلاثة مكونات للمواطنية:

– العلاقة بالمكان مع كل أبعادها الجغرافية والتاريخية.

– علاقة بالأشخاص القاطنين في هذا المكان.

– العلاقة بالسلطة التي ترعى الشأن العام في هذا المكان ومع هؤلاء الناس القاطنين فيه.
وبالفعل أي شيء تريدون في المواطنية يندرج في أحد هذه الأبواب الثلاثة. لكن المكون الأهم في الثقافة المواطنية هو ذهني. كل دساتير العالم تنص على أن “الشعب هو مصدر السلطات”، أي أن كل مواطن له سلطة. حتى في الأنظمة الأكثر توتاليتارية للمواطن سلطة. خلال دورات تدريبية لمعلمي التربية المدنية في المدارس الرسمية والخاصة كان هناك حوالي ٣٠٠ معلم يتدربون على البرامج الجديدة في التربية المدنية. بدأنا نعطي شرحاً للبرامج ومحتوياتها، لكنني وجدتهم متشائمين ويائسين وتعبين. اضطررت إلى تغيير توجه الدورة لأن أساس المواطنية ثقة المواطن بقدرته Citizen power، فإذا كان المواطن غير واثق بقدرته فلا ثقافة مواطنية. حتى في أسوأ الظروف، لا يمكن القول: “ما طالع بإيدي شي”. في الإتحاد السوفياتي السابق، الفلاح في السوفخوز كان يذهب إلى عمله صباحاً في المزارع الحكومية، يصل على الموعد ويخرج على الموعد، ولكنه يعمل من دون اندفاع، والأرجح أنه كان يظن أنه غير قادر على تغيير شيء. بعد سبعين سنة، إنهار الإتحاد السوفياتي لأنه لم يحقق أي من الإنجازات الإقتصادية. كان الإتحاد السوفياتي يملك قوة نووية ولكن دون قمح لإطعام الناس. هذا الفلاح الذي كان يظن أنه غير قادر على التغيير هو نفسه من أسباب انهيار الإتحاد السوفياتي. عندما كان يعمل دون اندفاع أو حماس، ويقوم فقط بوظيفته، أدى إلى انهيار الإتحاد السوفياتي.

 

وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أوروبا الشرقية حول بعض الممارسات الدينية التي كانت ممنوعة. حين يدخل عامل إلى منجم تحت الارض يقوم بتأدية إشارة دينية. قد يقول البعض: ماذا يمكنه ان يغيّر؟ وهل يجرؤ على القيام بإشارات دينية فوق الأرض؟ سلوكه في المنجم يعني أنه لم يستقلْ. وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أحد الجنرالات خلال الثورة الفرنسية. عندما حُكم عليه بالإعدام، كان مساقاً إلى المقصلة حاملاً بيديه كتاباً، وفي الموقع الذي بلغه في قراءة هذا الكتاب طوى الصفحة وكأنه يريد متابعة القراءة بعد مماته! هذه طريقة في السلوك. قد يقول البعض أنه في النهاية نُفذ عليه حكم الإعدام. لكن إذا كان المواطن لا يعمل شيئاً، وإذا كانت الحالة ميؤوساً منها بحسب نظريته ولم يفعل شيئاً، فإنه يسرّع الانهيار! عندما لا نعمل شيئاً، حتى في أقسى الظروف وأصعبها، وفي ظروف ميؤوس منها، فإننا نعمل شيئاً لأننا نسرّع الإنهيار. وهذا خطر جداً في السياسة، خاصة عندما ننشر في البلد شعوراً عارماً بعدم القدرة، والإحباط واليأس. في علم السياسة قاعدة النبوءة التي تحقق ذاتها، أي إذا نشرنا فكرة بين الناس أن المستقبل إلى تدهور ولا يوجد فائدة أو نتيجة، فإننا نصل إلى الهدف بالفعل لأننا نكون قد حضرنا الناس نفسياً لكي يأتي التدهور بسرعة أكبر.

ثقة المواطن بقدرته هي أهم عنصر في الثقافة المواطنية. يقول المواطن، كما كانت تردد لور مغيزل: “أنا معني، أنا مشارك، أنا مسؤول”. وبول فاليري Paul Valéry  يقول بسخرية وعمق: السياسة هي فن منع الناس من الاهتمام بما يعنيهم، ويقول Tocqueville: “الناس عندما يقلعون عن التعاطي بالشأن العام فالدكتاتورية تصبح قريبة”. وهذا أمر طبيعي لأن “السلطة، دون تسلّط لا طعمة لها”، حسب بول فاليري أيضاً.  كل سلطة تميل إلى التسلط، لذلك فهي تتطلب مواطنين واعين، مشاركين، يتعاطون دائماً الشأن العام. يصبح أي موضوع ميؤوساً منه بشكل مطلق عندما تستقيل الإرادة.

 

٤- ما هي عوائق الثقافة المواطنية في لبنان؟

 

من أبرز العوائق:

  • صغر حجم البلد: البلد صغير وبإمكان أي كان أن يصل إلى وزير في لبنان من خلال أقارب، معارف، أصدقاء. المتقاضون أمام القاضي في المحكمة هم إما جيران أو يعرفون جيران، وإما أقرباء أو من نفس القرية. كيف يطبق القاضي القانون دون أن يكسب عداوة الناس؟ إنها معضلة تتطلب درجة عالية من الشجاعة في البلد الصغير.
  • التعب: الناس تعبوا. نشأت مواطنية جديدة بعد ١٩٩٠ إختمرت بالحرب والتجربة لكن الظرف الإقليمي لم يتغيّر بل ازداد سوءاً، ورواسب الحرب الإقتصادية مستمرة، والوضع شبه مجمد نسبياً. هناك وضع تعب منه الناس ونطلب منهم أن يتابعوا النضال.
  • رواسب تقليدية في التربية التلقينية: هناك بعض العادات العائلية، وهناك تعليم الأدب العربي والحضارة العربية. عندما نقرأ الأدب العربي كما يلقن في المدارس والجامعات نشعر بأن ليس هناك أناساً يدافعون عن الحريات! كلهم منصاعون، والأمور ماشية. عندما نقرأ تاريخ لبنان، كلما ظهر معارض يكتب عنه المؤرخون بأنه “طمع في السلطة”، أي وكأنهم يقولون بأن السياسة لها ناسها ورجالها فلماذا أنت تتعاطى بما لا شغل لك به؟ والمحزن أن لا تلميذ يرفع يده ويسأل مرة واحدة: ما معنى “طمع في السلطة”؟ لم نكتب بعد تاريخ الحريات وحقوق الإنسان. إنها ورشة كبرى لإعادة قراءة الحضارة العربية وتاريخ العرب وتاريخ لبنان من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.
  • السلطة منبع قيم سلبية: الحكم لا يعطي القدوة للتمثل به، وهذا أيضاً يؤثر سلباً. يقول التلامذة لأساتذة التربية المدنية: ماذا تعلموننا؟ كل شيء مختلف في المجتمع، والتلامذة يعيشون تناقضاً كبيراً.

 

٥- ما هو إنتاجنا في هذا المجال؟

 

لا ننطلق الآن من الصغر في الثقافة المواطنية. صدر إنتاج كبير في السنوات العشرين الأخيرة وهو رائد، ليس على المستوى اللبناني فحسب بل العربي أيضاً وربما على المستوى العالمي. الدراسات حول بناء المواطنية في المجتمعات المتنوعة البنية لا تهم فقط لبنان، بل نصف سكان العالم اليوم. صدرت عدة دراسات وأبحاث، منها برنامج جيل الطليعة. قدنا هذا البرنامج الذي يتضمن جزءاً كاملاً عن التربية المواطنية مع تطبيقات شملت حوالي عشرين ألف تلميذ سنوياً خلال ست سنوات. وصدر كتاب “بناء المواطنية في لبنان” بإشراف وليد مبارك وسعاد جوزف وأنطوان مسرّه، وفيه رصد لما صدر في لبنان في السنوات العشر الأخيرة في موضوع التربية المدنية. وكتب المركز التربوي للبحوث والإنماء صدر منها لغاية اليوم ثمانية أجزاء.

 

٦- ما هو المطلوب للمستقبل؟

 

على الأقل للسنوات الخمس المقبلة، مطلوب لبننة وتعريب الثقافة المواطنية. صدر إنتاج كبير ينقل ما كُتب في أميركا وإنكلترا وغيرهما حول حقوق الإنسان ونحاول تطبيقه في لبنان والدول العربية الأخرى. وهذا لا يصح دائماً. مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان هي عالمية ويجب التشديد على ذلك، لكن التربية على المواطنية غارقة في الخصوصيات. يجب أن نأخذ في الإعتبار الذهنيات والعقليات والتجارب الخاصة لإقناع الناس. عندما نعطي للتلميذ مثلاً لبنانياً حول حقوق الإنسان فإنه يقتنع. الإنطباع العام الآن في الكثير من الدول العربية أن مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية مستوردة من الخارج. إنها ليست مستوردة. هناك كتاب جديد يتحدث عن التجربة الديمقراطية في الشرق القديم. ويجب أن نتأهل لذلك، بمعنى أن نستخرج من تجاربنا الخاصة ونأخذ في الإعتبار الذهنيات، ويجب أن نخرج عن البحث الكياني الذي انتهى. هذا هو معنى العبارة الواردة في مقدمة الدستور: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”. ليس معنى ذلك أن لا حق لكم في تقرير المصير. إذا قررنا أمراً مختلفاً وبالتوافق بعد عشر أو عشرين سنة فإن ذلك من حقنا. معنى “الوطن النهائي لجميع أبنائه” أن الجدل الكياني حول لبنان الصغير أو الكبير أو اللبنانية والعروبة إنتهى بالتجربة. ندخل الآن في البحث السياسي الجدي: كيف أكون أكثر لبنانية؟ وأكثر عروبة؟ كيف أكون اكثر وحدة وتضامناً؟ ولكن للأسف ما زالت الإنتلجنسيا في لبنان مستقرة في سنوات ١٩٢٠ أو ١٩٤٣ أو ١٩٧٥.

 

النقطة المهمة للمستقبل هي ثقة اللبنانيين بلبنان. القضية في لبنان أن تنجح التجربة اللبنانية. عدم نجاح هذه التجربة هو فشل إسلامي، وفشل مسيحي وفشل عربي شديد الخطورة. لبنان هو نموذج للإسلام المنفتح المتعامل مع الآخرين، ولبنان هذا دوره كبير، بالنسبة للمسيحية والعرب. دور لبنان في المرحلة القادمة مهم. لا أدري إذا كان جيل الشباب واعياً لذلك.

وكيف نخلق لدى جيل الشباب الذين ولدوا في آخر الحرب أو بعد مرحلة السلام صدمة نفسية لكي لا نعود إلى المعابر؟ هذا يتطلب بناء ذاكرة جماعية حول مخاطر الإنقسام وفوائد التضامن وخطورة تكرار تجارب الماضي العبثية. كيف نخلق عند الجيل الجديد توبة قومية تجاه صراعات الماضي؟ التاريخ يعيد نفسه لدى الشعوب المتخلفة. هذه أبرز مقتضيات التربية المواطنية.

 

والحوار من منطلقات لبنانية يعني عدم تخوين الآخر. إننا نخوّن الآخر ونقول: هذا وطني وهذا غير وطني! يقتضي عدم تخوين الآخر. كانت هناك مواقف لبنانية رائدة صدرت عن الإمام موسى الصدر. عندما اتخذ قرار العزل قال الإمام الصدر لا. الحرب في جانبها الأهلي بدأت عندما اتخذ قرار العزل، والإمام الصدر قال لا للعزل.

المرجع:

الدكتور أنطوان مسرّه، “مناهج التربية الوطنية والتنشئة المدنية: فلسفة تجدد وبداية مسار تأليفاً وتدريباً وإبداعاً تعليمياً”

من كتاب “بناء المواطنية في لبنان” الصادر في بيروت عن الجامعة اللبنانية الأميركية

ظاهرة عمالة الأطفال: المخاطر والتداعيات

Child Labor

تعتبر ظاهرة عمالة الأطفال من الظواهر الإقتصادية والإجتماعية الخطيرة التي تعاني منها دول العالم عموماً، والدول العربية بصورة خاصة. وتؤكد الدراسات المتخصصة بأن أسباب خطورتها تكمن بانعكاساتها السلبية المحتملة على كل من المجتمع والطفل في آن معاً. فوفقاً لتعريف الطفل في مواثيق ومنظمات الأمم المتحد المعنية بالطفولة أو بحقوق الإنسان: كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره سواء كان ذكراً أو أنثى من دون النظر إلى موطنه الأصلي أو مكان إقامته أو دينه أو عرقه أو جنسيته التي يحملها أو أي اعتبارات أخرى تعرف به. وتبعاً للتعريف فإن الأطفال لايملكون الكفاءة أو السن القانونية أو الوعي الكافي وبالتالي هم غير قادرين على تأطير أنفسهم في منظمات أو مؤسسات ترعى حقوقهم كباقي الفئات. لذلك فهذه مهمة الراشدين في المجتمعات المختلفة.

تتعدد الأسباب والموت واحد فتجد هنا طفلاً يحمل معدات ورش ثقيلة لا يستطيع الرجال حملها وتجد هناك آخر يحفر الآبار وينظف مباني الشركات. وتتنوع الصور والشهادات. ويبقى الأطفال هم الضحايا. حيث تشير الدراسات التي أجرتها مراكز بحث ومنظمات حقوقية على مستوى الأمم المتحدة والعالم بما فيها الدول العربية مثل مصر والأردن على سبيل المثال لا الحصر إلى أن هناك ما يقارب ٢٠٠ إلى ٢٥٠ مليون طفل على مستوى العالم يتم استخدامهم في سوق العمل، وفي مجالات لا يقدرون على العمل فيها.

وتكمن أسباب عمالة الأطفال في تفاقم الفقر المدقع الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الأسر في العالم، حيث يساهم الطفل في جزء من نفقات الأسرة. وتتأزم المشكلة على الطفل عندما يتعرض أحد أفراد الأسرة إلى مرض أو إصابة عمل. فعندها تفرض عليه طريقة حياة جديدة سيئة ومغايرة لما سبق. أضف الى ذلك كون الطفل غير مشبع الحاجات فلربما بقناعة أهله وإقناعهم له بأنه سيشبعها عبر مردود عمله الذي هو بالتأكيد متواضع نظراً لما يقدمه الطفل العامل من عمل وجهد كبيرين. واللافت أن حوالي ٧٥% من الأطفال العاملين يعملون في مجال الزراعة مع أهلهم في الريف نظراً لعدم قدرة الأهل على دفع الأجور لعمال يقومون بأرضهم أو لرغبتهم بتوفير تلك التكاليف العالية. وتسجل أعلى النسب لعمالة الطفل في المناطق الأكثر فقراً في العالم. ويعتبر ذلك دلالة واضحة على أن الفقر هو بمثابة العامل الأساس لنشأة وتفاقم الظاهرة التي نحن بصددها.

وفي الإتجاه نفسه تؤكد الدراسات بأن تدني المستوى التعليمي والثقافي للأبوين يدفعان بعض أطفالهما نحو العمل المبكر بدلاً من التوجه إلى مقاعد الدراسة وتحصيل شهادات علمية لصالح الأسرة ورفع سويتها ودخلها مستقبلاً من خلال صناعة العلم والتعليم للجيل الجديد من الأبناء. ويعتبر العامل المذكور من العوامل الخطيرة التي لابد من محاربتها. وثمة وسائل للحد من تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في لبنان. في المقدمة منها: تعميم وترسيخ وفرض التعليم الإلزامي والغرامات المالية وصولاً إلى سجن راعي الأسرة في حال الامتناع عن تقيد الاطفال واستمرارهم في المرحلة الأساسية من التعليم، ونقصد هنا المرحلة الإبتدائية والإعدادية أيضاً.

child labor

ومن الأهمية الإشارة إلى أن الأبوين والأسرة لا يعتبران أنهما الجهة الوحيدة صاحبة الأثر والتأثير على حاضر ومستقبل الطفل. فالأقارب والأصدقاء وأبناء الحي الذي يقطنه الطفل مع أسرته كلها هيئات غير رسمية تؤثر على سلوكيات الطفل وتوجهاته نحو العلم في حال كون المذكورين من طلبة العلم أو العمل أو غيرها من الإتجاهات سلباً أو إيجاباً، فكثيراً ما يحذو الطفل حذو هؤلاء.

بعد سرد أهم المسببات لتفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في لبنان هناك سبب آخر لايمكن غض النظر عنه لكونه هاماً ويتمثل بالتسرب المدرسي بينهم. حيث تشهد المدارس، وخاصة في المناطق الفقيرة مثل باب التبانة، ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة ظاهرة التسرب. وتكمن أسباب إلى كره الطالب للتعليم كطريق لتحقيق الغاية المرجوة والسبب هو قلة الوعي التعليمي لدى الأبوين بتوجيه الإبن نحو العلم. فضلاً عن العنف المتبع في المدارس من ثلاثة اتجاهات. حيث أكدت تقارير دولية أن نسبة العنف المتبع في الدول النامية وخصوصاً تعنيف الطفل تبلغ ثلاثة أضعاف العنف في الدول الأفضل حالاً والمتقدمة. فالعنف مصدره من المدرسة وجهازها التدريسي كالمعلمين والإدارة. فضلاً عن عنف الأسرة على الابن بحال التقصير الدراسي وتدني الدرجات. وهناك نوع من العنف لا يقل خطورة عن مظاهر العنف السابقة ويتمثل بتعنيف الأطفال لبعضهم البعض في حال وجود طفل فقير جداً أو ضعيف الشخصية ومن طبقة إجتماعية أدنى. وهذا مما يدفع إلى التسرب الدراسي أيضاً والالتحاف بسوق العمل قسراً.

وتبقى الإشارة إلى أنه رغم تعدد العوامل التي تدفع الطفل نحو سوق العمل مبكراً. بيد أن الجوهر والمضمون يمكن إحالته إلى أسباب أخرى نجملها بالوضع التعليمي والاقتصادي الذي يعشه. فالتضخم والكساد والتقشف والفساد وسوء توزيع الدخل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسوء الخدمات التعليمية. كلها تدفع باتجاه زيادة معدلات عمالة الطفل في المجتمعات. ولهذا هناك ضرورة ملحة للحد من تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال. وعلى الدولة واجب رفع المستوى التعليمي والصحي لمواطنيها وهذا يتطلب تخصيص الموازنات اللازمة لقطاعي الصحة والتعليم. ومن شأن ذلك أن يؤسس لجيل قادم قادر على استثمار العلم والمعرفة في التنمية المستدامة. وبداية الألف ميل تبدأ بخطوة حقيقية.

بسبب الأزمات المزمنة المواطن يدفع الثمن بتحمّل فواتير مزدوجة في جميع القطاعات!

1

أصبح دفع الفواتير المزدوجة سمة أساسية من سمات العيش في لبنان، حتى أن المواطن اللبناني نادراً ما يعي أنه يدفع فاتورتين شهرياً: مرة للوزارة المختصة التي تتقاضى بدل خدمات لا تقدّمها في أغلب الأحيان، ومرة للمستفيدين من تقصير الدولة الذين “يتبرعون” بتقديم ما تَعده الدولة ولا تفي به. فبين فاتورة الكهرباء واشتراك الموتور، وفاتورة المياه وأجرة السيترن وثمن مياه الشرب، وفاتورتي التلفون الثابت والخليوي، وبين الخدمة الرسمية والخدمة الخاصة التي غالباً ما يرتفع ثمنها وتتدنّى جودتها، لا يبقى للمواطن من خيار إلا أن يخصص القسم الأكبر من معاشه أو مدخوله الشهري لدفع الفواتير على طريقة “مكرهٌ أخوك لا بطلُ”.

 

ساهمت الأزمة السياسية في لبنان وتداعياتها الإقتصادية والأمنية في التأثير بشكل سلبي على حياة المواطنين وعلى مستوى الخدمات المقدّمة لهم، والتي كانت متدهورة أصلاً حتى قبل الوصول إلى الأزمة الحالية. فانهماك الأطراف السياسية كافة في المساجلات والمشاحنات أفضى إلى ازدياد الأوضاع السيئة سوءاً وأدّى إلى مراوحة على صعيد تقديم خدمات أفضل للمواطن، إن لم نقل إلى تخلّف وتراجع في مستوى الخدمات المؤمّنة للمواطنين على صعيد الكهرباء والهاتف والمياه وغيرها.

 

بين كهرباء الدولة ومولّد الحيّ

 

لا تزال الكهرباء الشغل الشاغل للبنانيين منذ انتهاء الحرب وحتى الآن، فما يكادون يخرجون من أزمة في الكهرباء حتى يدخلوا بأخرى. ويبقى التقنين المتواصل والمتزايد هاجساً يومياً لكل فئات الشعب اللبناني، ويمكن ملاحظة ذلك من انتشار مولدات الكهرباء الخاصة في الشوارع والأحياء والأزقة كالفطريات لنشل المواطن من جحيم التقنين، والذي بات عليه أن يدفع فاتورة الكهرباء مرتين. مع الإشارة إلى أن خطط الإصلاح لقطاع الكهرباء رافقت كل وزارات الطاقة وباتت سمة هذه الوزارات، بيد أن جميع هذه الخطط لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ لأسباب معلومة- مجهولة. وإذا كان الحل بخصخصة القطاع فهناك من سيعارضه، وإذا كان الحل بإبقائه ملكاً للدولة فالأرجح أن تدهور الأوضاع في مؤسسة كهرباء لبنان سيزداد سوءاً. والنتيجة أن المواطن اللبناني بخزينته العامة قد دفع أكثر من 13 مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ 1990 ومع ذلك لا زال ينتظر إخراجه بشكل نهائي من ظلمات التقنين إلى نور الكهرباء.

من المعلوم أن العديد من اللبنانيين يدفع فاتورتين لتأمين الكهرباء: الأولى لمؤسسة “كهرباء لبنان” والثانية للمولّدات الكهربائية الخاصة. والمعلوم أيضاً أن ذلك بات قدراً لا مهرب منه منذ أوائل التسعينات وحتى اليوم، خصوصاً في ظل عدم وجود أية مؤشرات لحلّ الأزمة المستفحلة لمؤسسة كهرباء لبنان التي يزيد من تفاقمها ضعف الجباية أو حتى انعدامها في بعض المناطق، إضافة إلى ظاهرة التعليق والسرقة من الشبكات. ونتيجة هذا التدهور تقع على كاهل المواطن الذي يدفع خمسين دولاراً شهرياً مقابل خمسة أمبيرات، في الوقت الذي تتراوح قيمة فاتورة الكهرباء الرسمية شهرياً بين الأربعين والخمسين ألفاً بالحد الأدنى، علماً أن بدل اشتراك المولّد تفاوت بين أربعين وسبعين دولاراً في الأشهر الثلاثة الأخيرة في بعض مناطق بيروت، وما يزيد عن الثلاثين دولاراً في سائر المناطق. والطريف هنا أن قيمة فاتورة الدولة قد تبلغ عشرات الألوف من الليرات حتى ولو كان الاستهلاك صفراً، ذلك لأن شركة الكهرباء تتقاضى بدل إيجار الساعة، وبدل التأهيل، والضريبة على القيمة المضافة، وبدل طوابع وسواها من البدلات قبل الحديث عن قيمة الطاقة المستخدمة. ولعل هذا ما يدفع معظم ربات البيوت إلى التحايل على الموضوع والقيام بكل الأعمال المنزلية التي تستهلك الطاقة حين يجري تشغيل المولّد.

وبالعودة إلى دراسة أجراها الخبير الإقتصادي الدكتور ميشال مرقص حول الكلفة التي يتكبّدها اللبنانيون جرّاء الإشتراك بالمولّدات، سنعلم حجم الضغط الذي ترزح تحته أغلبية المواطنين.

وبحسب هذه الدراسة فقد ارتفعت هذه الكلفة من حوالى 300 دولار للأسرة سنوياً في العام 1997 إلى ما بين 460 و500 دولار في العام 2005 أي ما يوازي 230 مليون دولار للأسر المشتركة بالإنارة في المنازل، ومثلها للمحال والمؤسسات المشتركة. وفي موازاة ذلك هناك المؤسسات التي تملك مجموعات التوليد الخاصة بها، وأهمها الأبنية التجارية والصناعية، المؤسسات، المستشفيات، والفنادق… ما يجعل الإنفاق على تأمين الطاقة من مصادر غير “كهرباء لبنان” يكلّف المواطنين والوطن بين 800 مليون و2,1 مليار دولار سنوياً.

ويشير مرقص في دراسته إلى أن الإنفاق في قطاع المولّدات زاد في العام 2007 حوالى40% نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات، وزيادة ساعات التقنين في الأشهر الأخيرة ما يجعل الكلفة السنوية للأسرة ترتفع اليوم إلى حوالى 650 دولاراً أميركياً. مع العلم أن المولدات الكهربائية الخاصة الموجودة في الأحياء، تحدث ضجيجاً وتلوثاً وتعطي بين 300 و400 ميغاوات خارجة عن نطاق سيطرة الدولة، فضلاً عن أنها لا تدفع الـ TVA ولا ضريبة الدخل، كما أنها تفسد الأدوات الكهربائية في المنازل. هذا إضافة إلى عدم وجود تسعيرة واحدة بالنسبة لاشتراكات المولدات، من دون أن تتحمل البلديات و بقية الجهات المختصة مسؤولياتها في إلزام أصحاب المولّدات بتسعيرة واحدة، خاصة أن أصحاب المولدات أصبحوا يستغلون ارتفاع أسعار المحروقات ويعمدون إلى المضاربة بينهم في الحي الواحد مما يؤدي إلى انفلات في تسعيرة المولدات.

ويبقى الحل الذي يتمنّاه المواطن هو تأمين الكهرباء 24 ساعة على 24 والإستغناء عن اشتراكات المولدات نهائياً!

 

مشكلة مياه الشفة

 

في قديم الزمان كان اللبنانيون يحصلون على مياه الشفة عبر الحنفية! ولكن يبدو أن التطور اقتضى أن لا يحصل المواطن في لبنان على مياه الشرب إلا عبر شراء المياه المعبّأة.

بدأت أزمة المياه خلال الحرب الأهلية ولكن بدلاً من أن تجد لها حلاً في السنوات التي تلت، أخذت في التفاقم عاماً بعد عام. ولا زالت مياه الشفة لا تصل إلى البيوت في العديد من المناطق، وإذا وصلت فلا أحد يجرؤ على تناولها لأن احتمال تلوّثها كبير. وبدلاً من أن تحلّ الحكومات المتعاقبة الأزمة عمدت إلى الترخيص العشوائي لمؤسسات هي أشبه بالدكاكين تقوم بتعبئة وبيع مياه الشفة في غالونات وقناني، من دون أي مراعاة في أغلب الأحيان للمعايير الصحية المطلوبة، والطريف أن مصالح المياه لا تتنازل عن حقها في جباية الفواتير على اعتبار أن المياه التي تصل إلى البيوت تصلح للإستخدام (للغسيل والتنظيف على الأقل!) علماً أن وصولها في فصل الصيف دونه مشقات بسبب الشحّ الذي يضرب الأنهر والينابيع، وهذا يعني في لغة الفواتير أن المواطن يدفع ثمن المياه ثلاث مرات: فاتورة لمصلحة المياه، وأخرى لمياه الشفة وثالثة لشراء مياه الخدمة صيفاً.

 

… والإتصالات

 OGERO5

أما في قطاع الإتصالات فالهاتف العادي متوافر في معظم البيوت، والخليوي خيار فردي لا علاقة له بتلكؤ الوزارة عن القيام بمهماتها. ولكن كلفة التخابر في لبنان لا تزال الأغلى في العالم، وقد فرض هذا الواقع على المواطنين ضرورة اقتناء هاتفين، واحد للتخابر العادي وآخر للتخابر الخليوي في محاولة للتحايل على الفاتورة التي تتضاعف قيمتها إذا استعمل الهاتف العادي لطلب رقم خليوي والعكس صحيح. ولمزيد من الإيضاحات نذكر أنه في حال الإتصال من هاتف ثابت إلى هاتف خليوي وقام المتلقّي بقطع الخط، فإن المتصل يتكبّد بدل دقيقة مقدّر بـ 220 ليرة مع الضرائب. وحتى الآن، لا تفسير علمياً مقنعاً لهذه الظاهرة!

وقد جرى في الآونة الأخيرة تحويل فاتورة الهاتف الثابت من فاتورة فصلية كل ثلاثة أشهر إلى فاتورة شهرية تصدر في الخامس عشر من كل شهر وفترة السماح للدفع تمتدّ حتى الخامس عشر من الشهر التالي موعد صدور الفاتورة الثانية. هذا الإجراء على إيجابيته شكلياً يخفي في طياته سلباً خفياً لجيب المواطن ومكاسب لشركة الهاتف بمجرد تحويل الفاتورة من فصلية إلى شهرية.

فهيئة الهاتف الثابت كانت تتقاضى عن كل فاتورة فصلية طابعاً مالياً بقيمة ألف ليرة لبنانية ومع تقسيم الفاتورة الفصلية إلى ثلاث فواتير شهرية فإن المشترك يدفع الطابع مرتين إضافيتين، بما يرفع المردود من هذه العملية إلى نحو مليار وأربعمائة مليون ليرة لبنانية مصدرها جيوب نحو سبعمائة ألف مشترك في الشبكة الثابتة.

إلى ذلك فالمكسب الاخر من تحويل الفاتورة من فصلية إلى شهرية هو وقوع المشترك المتأخر عن التسديد في مطبّ تسديد 11000 ليرة بدل إعادة الخط في حال قطعه وهو أمر قابل للتكرار ثلاث مرات بعدما كان مرة واحدة كل ثلاثة أشهر!

 

وأيضاً الإستشفاء!

 

لا شك في أن المواطن يتمنى لو أن مبدأ الدفع المزدوج يقتصر على هذا النوع من الخدمات. إذ لا تتوقف الأزمة الخدماتية عند حدود خدمات الكهرباء والمياه والهاتف بل تشمل حتى قطاع الإستشفاء!

فهنا أيضاً الفاتورة مزدوجة، وخصوصاً أن الطبابة المجانية على حساب وزارة الصحة تشكّل مرادفاً لعدم وجود أسرّة شاغرة في المستشفيات. وهذا طبعاً بعد الوقوف في طابور طويل للحصول على موافقة من الوزارة لإجراء عملية على حسابها أو الحصول على دواء باهظ الثمن. هذا هو حال الفقراء والعمال والموظفين ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل وهم كثر، أما الذين يتمتعون بضمان اجتماعي بأشكاله المختلفة (وهو ليس مجانياً بل مقابل بدل سنوي تدفعه المؤسسة وتحسم منه نسبة من راتب الموظف) فحالهم ليست افضل، لأن بطاقة الدخول الفعلية إلى المستشفى هي التأمين الصحي الخاص. ومَن لا قدرة له على شرائه فهو مهدد بأن يموت على باب الطوارئ إذا كان لا يملك مبلغاً يدفعه على الحساب نقداً في حال أصابه عارض صحي طارئ.

 

وحتى الضرائب!

 

صحيح أن الضريبة لا تندرج في نطاق الخدمات، ولكن ينطبق عليها أيضاً “قانون” الدفع المزدوج. فالمواطن يدفع ضريبة الدخل، ويدفع كذلك الضريبة على القيمة المضافة مقابل الحصول على لا شيء، علماً أن المواطن أصبح لا يطمح إلى الحصول على أي مقابل، بل فقط على تفسير مقنع لوجهة استعمال أموال ضرائبه في ظل عدم تأمين الدولة للخدمات بشكل يتلاءم مع استيفائها للضرائب من جيوب المواطنين التي احترقت بنار الفواتير والغلاء.

 

 

لقد بات اللبناني في وضع ميؤوس، والخاسر الأكبر من استمرار الأزمة هو المواطن المغلوب على أمره. فظاهرة الدفع المزدوج للفواتير لم تعد تطاق، والقسم الأكبر من الناس لم يعد يتحمّل حتى مجرد رؤية فاتورة الدفع بما أنها أصبحت بالنسبة له أشبه بحكم بالإعدام على جيوبه وزادت همومه أضعافاً، ناهيك عن المشاكل التي تأتي من كل حدب وصوب على معيشة المواطن وأعصابه.

أما تدارك المشكلة فيجب أن يتمّ عبر اتّباع سياسات فعالة تضع حدّاً لأصحاب الإحتكارات، وتشرف على الذين يقدّمون خدمات للمواطن بديلاً عن الدولة توخياً للمصلحة العامة لجميع المواطنين. هذا مع التشديد إلى أن كل مواطن يتحمل بدوره مسؤولية معينة في تفاقم مشاكله، فبالنسبة لمشكلة الكهرباء مثلاً يجب على كل مواطن أن يلتزم بتخفيف هدر الطاقة وعدم التعليق على الخطوط ودفع ما يتوجّب عليه لمؤسسات الكهرباء التابعة للدولة.

 

لطيفة مغربي