المواطنية هي ممارسة يومية وليست حصة دراسية هل ما يزال الحس المواطني موجوداً في لبنان؟

Main Pic

إذا كانت المواطنية هي انتماء شعب بكل أفراده إلى وطن، فإننا نلاحظ اليوم تفاوتاً كبيراً في مفهوم الشعب لهذا الانتماء وإلى الوطن لبنان. فمنهم من يريد الوطن على قياس انتمائه السياسي ليجعل منه ساحة ويربطه بمحاور وصراعات لا يقوى على حملها، ومنهم من يريده كياناً مميزاً قائماً في ذاته ومتعاوناً مع البلدان الأخرى التي تحترم سيادته ونظامه وخصوصيته. من هنا فلا عجب إذا دار الحديث اليوم عن شعوب لبنانية متنافرة لا عن شعب موحد. وهي مشكلة قد تكون مرتبطة بظروف سياسية معينة، ولكنها أيضاً مرتبطة بمفهوم الشعب والوطن والكيان نفسه.

 

عندما يتعاظم الانقسام ويتخذ أشكالاً طائفية لها امتداداتها الخارجية، يضعف الولاء الوطني ويقوى الولاء الطائفي بكل أشكاله. وينعكس ذلك سلباً على الدولة نفسها التي عليها وحدها أن تكون الضامن الأول لحقوق المواطنين والمحافظة على مصالحهم. غير أن الواقع يدل إلى شل قدرة الدولة وتعطيل مؤسساتها وسلب مواردها، لإظهارها وكأنها عاجزة عن القيام بما هو مطلوب منها. والبدائل كثيرة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي.

 

مبادئ المواطنية الصالحة

 

إن تكوين المواطنية الصالحة هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعٍ سليم ووطنٍ معافى. والتربيةُ المدرسية تشكل الاساس في هذا البنيان، لكنها غير كافيةٍ وحدَها لتشكيله، بل لعلها تذهب هباءً ما لم تؤازرْها تربيةٌ مماثلةٌ في الاسرة والمجتمعَ بكل مؤسساته الرسمية والأهلية، ولا سيما في الإعلام بما له من سطوة في عالمنا المعاصر في تكوين الرأي العام وتطويعه.

غير ان هذه التربية على المواطنية، ولكي تكون مفيدة ومنتجة فلا تؤدي الى نتائج عكسية، ينبغي ألا تعتمد على التلقين بل على إعطاء النموذج في السلوك، وهذه التربية على المواطنية تقوم برأينا على أفكارٍ أساسية خمس.

أولاً : الولاء للوطن والخروج من الولاءات الوسيطة أو المظلات الواقية أو البديلة كالولاء للطائفة أو الحزب أو العائلة أو العشيرة التي تحجب علاقة المواطن بالدولة وتلغي هذا الارتباط المباشر بين الفرد والدولة.

والولاء للوطن يتعدى الانتساب الى الوطن بحمل جنسيته الى المشاركة في البناء الوطني وفي الحياة السياسية وصنع القرار.

ثانياً : إقامة دولة القانون، فالمواطنية الحقة لا تنمو أو تعيش إلا في كنف دولة القانون والمؤسسات التي تقوم على خضوع الحاكمين والمحكومين على السواء للقانون، وعلى تحديد أداء الفرد لدوره في إطار المؤسسة والتماهي معها لا في شخصنة المؤسسة وطغيان الفرد عليها.

ثالثاً : فكرة المساواة، فاحترام القانون والمؤسسات متلازم مع مبدأ المساواة امام القانون وهو كما يقول أحد كبار مؤسسي الفقه الدستوري الحديث العميد ليون دوجي، ليس حقاً متميزاً عن سائر الحقوق بل هو ضمانةٌ قانونيةٌ للتمتع بسائر الحقوق، فعبثاً نُلقِّن ناشئتنا قيم المواطنية في نظام لا يؤمن المساواة بتكافؤ الفرص بين المواطنين.

رابعاً : فكرة الحرية، والمساواة لا قيمة لها ما لم تقترن بالحرية، فالحرية هي المجال الخصب الذي تتبلور فيه الشخصية الانسانية وتتفتح فيه المواهب وطاقات الانسان، وكما لا يسأل الانسان في دولة القانون عن عمله غير المستند الى إرادته الحرة الواعية كذلك لا فضل للمرء في أي عملٍ لا يكون نابعاً من ذاته ومن قناعاته، ولا معنى ان نلقن اطفالنا وشبابنا مبادئ الحرية ونحن نجعلهم يعيشون في عبودية فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية، فالحرية هي حق الاختيار، والحرية مرادف للكرامة الانسانية، وهي تعني تحرر الانسان من التبعية والاستزلام والوصاية، وهي تعيش وتنمو وتتبلور في كنف القانون، ولا تعيش في الفوضى ولا تعني التفلت من الضوابط بلا حدود، ولذلك جاء في الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن ان قوام الحرية هو عمل كل ما لا يضير الغير ولا حدود لممارسة الحقوق إلا ما يضمن لاعضاء المجتمع الآخرين ممارسة هذه الحقوق ذاتها.

خامساً : فكرة الديمقراطية، فالحرية والمساواة لا يكفلهما إلا نظام سياسي ديمقراطي يقوم على الاختيار الدوري الحر للحكام والتناوب السلمي على السلطة ، فليس لأحد حق ذاتي في السلطة والحكم شأن يخص الجميـع، وينبغي ان يحظى بموافقة الجميع، ولا فائدة من تربيـة أجيالنا الطالعة على المواطنية الصالحة ما لم نُهيء لهم مناخاً من المشاركة الديمقراطية في مؤسسات المجتمع المدنـي والحكم المحلي وصولاً الى السلطة الوطنية”.

2

واجبات الدولة لتعزيز المواطنية

 

إن المواطنية ليست تعليماً فقط بل ممارسة، وليست وقفاً على المدرسة بل تنبع أيضاً من البيت والمجتمع نفسه. غير أن واجبات جوهرية تقع على الدولة في هذا الخصوص،ويمكن تلخيصها بأربعة:

  • التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، ما بين الدين والدولة، بدلا من اختزال الدين في السياسة أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق.
  • الإنسجام ما بين الحرية التي هي في أساس فكرة لبنان، والعدالة القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، التي من دونها لا يقوم عيش مشترك.
  • الإنسجام ما بين حق المواطن الفرد في تقرير مصيره وإدارة شؤونه ورسم مستقبله، وحق الجماعات في الحضور والحياة على اساس خياراتها.
  • الإنسجام ما بين استقلال ونهائية كيانه، وانتمائه العربي وانفتاحه على العالم.

 

لقد أصبح المطلب ملحاً بقيام دولة مدنية حقيقية في لبنان، قائمة على أسس مرتكزة على التربية المدنية، والقيم التي ترعى مقومات التنشئة على المواطنية الصالحة، الصادقة والفاعلة، من أجل قيام وطن بكل معنى الكلمة.

 

ه.خ.

Advertisements

Tagged: , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: