الإضراب في قانون العمل اللبناني حق لكل مواطن… لكن بضوابط!

تصدّرت واجهة الأحداث في الآونة الأخيرة أخبار هيئة التنسيق النقابية والإضرابات المتتالية التي نفذتها للمطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب لأساتذة التعليم الرسمي ولموظفي القطاع العام.

من دون شك، فإن الإضراب يعدّ مظهراً من مظاهر الحرية النقابية في لبنان. لكن الحق في الإضراب ليس مطلقاً، إذا أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية يشترط ممارسة الإضراب وفقاً للقوانين المحلية في الدولة. كما أن القانون اللبناني عمل على حماية انتظام سير المرافق العامة ذات الأهمية للحياة اليومية للمواطنين مثل مرافق النقل والمواصلات البريدية والتليفونية ومرافق المياه والكهرباء.

 Main Pic 3

يعني الإضراب قيام العمال أو الموظفين العامين أو أصحاب المهن بالتوقف المؤقت عن العمل بشكل جماعي كوسيلة ضغط تهدف إلى تحقيق أهدافهم.

وتختلف الأسباب والظروف التي تؤدي للجوء إلى الإضراب، لكن الإضرابات عادة ما يتم اللجوء إليها إثر فشل أو تعثّر التفاوض الجماعي كوسيلة ضغط على أصحاب العمل أو الدولة.

ويُعتبَر الإضراب بمثابة السلاح الذي يلجأ إليه العمال إثر فشل كافة وسائل الإقناع والتسوية للمطالبة بالحقوق العمالية المحقة والمشروعة وفقاً للطرق التفاوضية. ويمكن تعريف الإضراب بأنه توقف العمال الجماعي عن العمل بقصد الضغط على رب العمل من أجل تحسين شروط العمل، وهو ردة فعل لإعادة التكافؤ بين فئتي مجتمع العمل: الأجراء وأرباب العمل.

ويُرجع البعض صدور قانون العمل اللبناني في 23 أيلول 1946، إلى حد ما، نتيجة للإضراب الذي أعلنه إتحاد النقابات المستقلة اعتباراً من 20 أيار 1946، للمطالبة بالحقوق العمالية وحمايتها. كما أن الاضرابات التي حصلت في بداية الستينات هي من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في صدور قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم في 2 أيلول 1946.

 

 

الحقّ في الإضراب من الوجهة القانونية

 

يُعتبَر الإضراب من أهم حقوق العمال، وقد نصت عليه العديد من الدساتير والتشريعات الدولية، فعلى سبيل المثال أجازت المادة 31 من الميثاق الإجتماعي الأوروبي للعمال حق اللجوء إلى الإضراب، كذلك نصّت الإتفاقية العربية بشأن الحقوق والحريات النقابية على أن “للعمال حقّ الإضراب للدفاع عن مصالحهم الإجتماعية والإقتصادية بعد استنفاد طرق التفاوض القانونية لتحقيق هذه المصالح”.

وبالرغم من عدم وجود نص صريح يشير إلى حق الإضراب في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 إلا أن العديد من مواده تضمنت حقوق الإنسان في مجال التنظيم النقابي وحق العمل وضمان مستوى المعيشة للعمال بما يكفي لضمان الصحة والرفاهية لهم ولأسرهم وغيرها من النصوص ذات العلاقة.

على صعيد القانون اللبناني، لم ينصّ الدستور اللبناني على حق الإضراب، على الرغم من تطرّقه إلى العدالة الإجتماعية. أما قانون العقوبات اللبناني الصادر سنة 1943 فقد حرّم الإضراب في المواد 340 إلى 344 تحت عنوان “جرائم الإغتصاب والتعدّي على حرية العمل” معتبراً أن التوقف عن العمل من قبل المستخدَمين أو العمال بقصد الضغط على السلطات العامة أو احتجاجاً على قرار أو تدبير صادرين عنها، جريمة يعاقَب عليها بالحبس أو بالإقامة الجبرية والغرامة. ولم يتعرّض قانون العمل الصادر سنة 1946 لموضوع الإضراب. لكن قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم الصادر سنة 1946 ألمح إلى الإضراب من دون أن يصرّح به حيث أوجب اللجوء إلى التحكيم بعد انقضاء خمسة عشر يوماً على الأقل من تاريخ التوقّف الجماعي عن العمل بسبب النزاع. كذلك تعرّض القانون ذاته للتوقف غير الشرعي عن العمل من قبل الأجَراء أو أرباب العمل بسبب نزاع عمل جماعي قبل مرحلة الوساطة وفي أثنائها، كما في أثناء مرحلة التحكيم وبعد صدور قرار التحكيم لمعاكسته أو الإحتجاج عليه، فيكون حقّ الإضراب قد أُعطي ليس للأجَراء وحسب، بل كذلك لأرباب العمل. إلا أنه ووفقاً للمفهوم الإجتماعي، نكون أمام إضراب في حال توقف جماعة في مركز التبعية تجاه سلطة-إدارة معينة عن العمل، للحصول على المزايا التي تطالب بها من السلطة-الإدارة ذات العلاقة.

 

شروط الإضراب

 

1- التوقف عن العمل: يفترض الإضراب توقف العمال عن العمل من دون رضا صاحب العمل، ومن دون تنفيذ التزاماتهم الناشئة عن عقد العمل. وبذلك يُعتبَر التوقف عن العمل الشرط المادي للإضراب. ويقتضي أن لا يكون هذا التوقف لمدة طويلة، بل مؤقتاً من جهة، ومقصوداً ومدبّراً من جهة ثانية.

فالتوقف عن العمل يجب أن يكون مؤقتاً، لأن الغاية التي يتوخاها العمال من الإضراب هي تنبيه رب العمل إلى مطالبهم، ما لا يستلزم الإمتناع عن العمل لمدة طويلة. فقد يقع الإضراب لفترة قصيرة (ساعات فقط)، إلا أن هذه المسألة هي مسألة نسبية، فثمة إضرابات تدوم أياماً وأسابيع، في حين لا تدوم أخرى سوى ساعات فقط.

ولكن ما هي المدة القصوى التي يُعتبَر فيها الإضراب مشروعاً؟

حسب مواد قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم فإن المدة المسموح الإضراب فيها قانوناً هي الفترة الواقعة ما بين انتهاء مرحلة الوساطة وابتداء مرحلة التحكيم، وهذه الفترة هي 15 يوماً على الأقل. ومن جهة ثانية يجب أن يكون التوقف عن العمل مقصوداً ومدبّراً، فإقدام الأجَراء على الإضراب يجب أن يكون له طابع القصد في التوقف عن العمل بشكل صريح وواضح ورضائي. وهذا الرضا بالتوقف عن العمل ليس مفترضاً أو ضمنياً، بل هو رضا صريح مظهره الإيجابي التضامن القائم بين العمال، والهادف إلى تعليق العمل بغية التوصل إلى شروط معينة.

 

2- الطابع الجماعي: التوقف عن العمل الذي يمكن اعتباره إضراباً هو التوقف الجماعي. إنما لا يستلزم ذلك أن ينقطع العمال جميعاً ولا أغلبهم عن العمل، ولا أن يصدر به قرار من نقابتهم، بل يكفي أن ينقطع نفر منهم عن العمل ولو كانوا أقلية. أما حول الحد الأدنى من عدد العمال المتوقفين عن العمل الذي يصح إعطاؤه وصف الإضراب، فقد اعتبر الفقه اللبناني أن مفهوم الجماعة يتجاوز أجيرين اثنين، وحدد قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم أحد شروط النزاع الجماعي بأن يكون أحد طرفيه جماعة من الأجَراء. وسواء كانت الجماعة المضربة كبيرة أم صغيرة، فإن المهم على هذا الصعيد هو أن تجمع أكثر من أجيرين ليصح النظر إلى توقف هؤلاء عن العمل كإضراب بمعناه القانوني.

 

3- الهدف المهني: يُعتبَر الإضراب محدداً بغايته، لأنه وسيلة جماعية في يد العمال للضغط على أصحاب العمل بقصد تحقيق مطالب إجتماعية تتعلق مثلاً بزيادة الأجور أو بإنقاص ساعات العمل. فالإضراب هو أداة كفاح للحصول على مزيد من الحقوق، التي يُعتبَر تحقيقها رهناً بوجود المطالب، ما يقتضي أن يبقى الإضراب مهنياً، أي أن يرمي إلى تحسين شروط العمل. وهذا الهدف المهني هو ما حدّده المشترع عندما حصر غاية النقابة في الأمور التي من شأنها حماية المهنة وتشجيعها ورفع مستواها أو الدفاع عن مصالحها والعمل على تقدّمها من جميع الوجوه الإقتصادية والصناعية والتجارية. بينما يحظّر على النقابات الإشتغال بالسياسة والإشتراك في اجتماعات وتظاهرات لها صبغة سياسية. وبالتالي، يكون الإضراب مهنياً عندما يهدف إلى تحسين واقع حال عقود الإستخدام للأجَراء وبقاء المضربين كأعضاء في مجتمع مهني يسعى إلى تحسين أوضاعه لا خروجهم عنه.

 

صور الإضراب

 

ثمة صور مختلفة للإضرابات هي:

1- الإضرابات المتقطعة: يضرب الأجَراء على مراحل متتابعة ومتلاحقة.

2- الإضرابات الدوّارة: وهي التي لا تشمل وحدات المؤسسة جميعها بل تنتقل بالتناوب من وحدة إلى وحدة أخرى، بقصد المحافظة على استمرارية الإضراب من جهة، وعدم حرمان العمال من كل أجورهم من جهة ثانية.

3- الإضرابات الإنسدادية: وتقتصر على توقف عمل الفئة الرئيسية من العمال، وهي كفيلة بوقف دورة الإنتاج في المؤسسة نظراً لأهمية هذه الفئة في تسيير العمل وتنظيمه وإدارته.

4- الإضراب المقنّع: حيث يعمد الأجَراء إلى التظاهر بالقيام بالعمل، وهذا النوع لا يتمتع بالصفات القانونية للإضراب، ولا بشروطه، بل يُعتبَر إخلالاً من الأجير بموجباته.

5- الإضراب السياسي: يُعتبَر الإضراب سياسياً إذا أُعلن احتجاجاً على سياسة الحكومة الخارجية أو الداخلية من دون أن يكون لهذه السياسة أثر مباشر على حقوق العمال. ومع أنه يمكن اللجوء إلى وسائل سياسية لتحقيق أهداف مهنية، فإنه لا يجوز اللجوء إلى وسائل مهنية لتحقيق أهداف سياسية.

6- الإضراب التضامني أو التعاطفي: وهو امتناع العمال عن العمل لتأييد مطالب عمال آخرين، وهو يُعتبَر مؤشراً على تعاطف الأجَراء في ما بينهم لتشكيل قوة ضاغطة في مواجهة رب العمل. فإذا كان الإضراب التضامني في خدمة فئة من الأجَراء ضمن المؤسسة عينها، يُعتبَر مشروعاً. أما إذا كان التضامن مع أجَراء في مؤسسة أخرى أو في قطاع آخر فإن ثمة قرينة على أن هذا الإضراب غير مشروع، إلا إذا تبين أن ثمة جوامع مشتركة بين المُضربين أصلاً والمضربين تضامناً.

 

أنواع الإضراب

 

يختلف الإضراب من حيث النوعية، فإما أن يكون علنياً بامتناع العمال عن العمل بشكل كلّي أو باطنياً من خلال التباطؤ في العمل رغم استمراره.

ويختلف من حيث الكيفية، فإما أن يكون اعتيادياً يتمثل بالإمتناع عن العمل فقط وقد يصاحبه اعتصام في موقع العمل.

ويختلف من حيث المدى فقد يكون إضراباً عاماً وشاملاً لجميع العاملين في أنحاء البلد، وعادة ما تقوم النقابات بمثل هذه الإضرابات، أو جزئياً لفئة محددة أو منشأة معينة ويحصل عند إضراب جزء محدد من العاملين. وقد يكون الإضراب مؤقتاً بمدة محددة قصيرة أو طويلة أو يكون مفتوحاً لحين تحقيق مطاليب المُضربين.

ويختلف الإضراب من حيث الباعث، فقد يكون مهنياً للمطالبة ببعض الحقوق المهنية كزيادة الأجور أو تقليل ساعات العمل، وقد يكون الباعث إقتصادياً وفي هذه الحالة يكون الإضراب شاملاً لقطاعات واسعة احتجاجاً على إجراءات الدولة كفرض الضرائب أو اعتماد سياسة إقتصادية معينة تضرّ بالمجتمع.

وقد يكون الإضراب للتضامن مع فئة أخرى من المُضربين دعماً لهم، وقد يكون الإضراب سياسياً رداً على موقف معين من الدولة في المواقف السياسية أو لتلبية بعض المطالب السياسية.

 

من هنا يمكن تصنيف الإضرابات وفق لمعيارين رئيسيين:

1- الإضراب المشروع: يُعتبَر الإضراب مشروعاً وقانونياً إذا كانت غاياته الحصول على مطالب مشروعة أو الدفاع عن مصالح المهنة بمعزل عن أي اعتبار آخر. ولكي يُعتبَر الإضراب مشروعاً يجب أن يتحقق فيه شرطان أساسيان: الأول شكلي، والثاني موضوعي.

– الشرط الشكلي: أن يكون الإضراب واقعاً بين الوساطة والتحكيم، وهذه الفترة هي 15 يوماً على الأقل، تبدأ من تاريخ إعلان فشل الوساطة وتنتهي عند بدء مرحلة التحكيم.

– الشرط الموضوعي: أن تكون غاية الإضراب مهنية، أي الحصول على مطالب مشروعة أو الدفاع عن مصالح المهنة، وكذلك يجب أن يكون الإضراب ناشئاً عن نزاع عمل جماعي.

2- الإضراب غير المشروع: وهو الذي لا تكون غايته المطالبة بتحسين شروط المهنة، ولا يلتزم الفترة التي حددها القانون، أي بعد مرحلة الوساطة وقبل بدء مرحلة التحكيم.

Advertisements

Tagged: , , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: