طرقات لبنان تحوّلت إلى غابات من اللوحات الإعلانية. هل تراعي اللوحات الإعلانية الشروط الفنية ومعايير السلامة؟

Main Pic 7

تُعتبر الإعلانات من أقوى أنواع الدعاية في تاريخ الإنسان، وهي تُعدّ من أقوى التأثيرات الثقافية في الوقت الحاضر. كما أصبحت ثقافة الإعلان من أساس الثقافة التجارية التي اجتاحت معظم دول العالم. ومن ضمنها لبنان، حيث تشكّل اللوحات الإعلانية الناطق الفعلي بلسان حال الشارع. إنها، بمعنى ما، مرآة المجتمع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والإنتخابية، وحتى العاطفية.

وتكاد الحاجة إلى الإعلان تكون مَرضيّة أحياناً. فالكل يحتاج إلى أن يعلن عن سلعه وأفكاره وطموحاته ومشاريعه المستقبلية، أفراداً كانوا أو جماعات، شركات أو مؤسسات أو جمعيات، أحزاباً أو تنظيمات.

لم يتخذ الإعلان الشكل الترويجي المتعارف عليه في عالم التسويق إلا بعد انتهاء الحرب اللبنانية الطويلة. فاستراحت الجدران من ثقل الكتابات والشعارات السياسية، وامتنعت عن استقبال صور القادة السياسيين والزعماء المبجّلين، وذلك بعدما وُزّعت اللافتات الإعلانية المرخّصة من بلديات المناطق على جنبات الطرق، وإن في شكل لا يخلو من العشوائية والفوضى. وتنوّعت مضامين الإعلانات مع طغيان الطابع الإستهلاكي والغاية الترويجية.

تنحيف وتجميل، طبخ وأناقة وجمال، سحق أسعار وتنزيلات بالجملة. وحجز المطربون ومن لفّ لفّهم لافتاتهم الخاصة ليؤكّدوا وجودهم على الساحة. ولم يغب المعلنون السياسيون، بل إنهم يحجزون لوحاتهم الخاصة عندما تقتضي الظروف والمناسبات. هذا بعض مما تحفل به اللوحات الإعلانية المنتشرة أينما كان وكيفما كان.

ولكن يبقى التساؤل قائماً، هل تتقيد كافة اللوحات الإعلانية بمعايير الأمن والسلامة العامة؟ وهل تراعي المعايير الأخلاقية والذوق الإجتماعي؟

في سنة ١٩٩٦ صدر مرسوم تنظيمي لقطاع اللوحات الإعلانية على الطرقات رقمه ٨٨٦١. المرسوم كرّس شرعية وجود اللوحات الإعلانية، متضمناً فقرات واضحة عن المواقع المسموح وضع الإعلانات فيها كما لحظ حجم الإعلانات والمسافات التي تفصل بينها. وهي تفاصيل تهدف فيما تهدف للحفاظ على جمالية البلد مع مراعاة تنظيم سوق الإعلانات الذي لا يقلّ حجمه عن ٤٥٠ مليون دولار تشكّل الملصقات ١٦% منه. إلا أن شيئاً منها لم ينفّذ فيما عدا في بعض البلديات، مثل بيروت وجونية مثلاً، علماً أن المرسوم تم توقيعه من عدد كبير من الوزارات وهي: العدل والداخلية والبيئة والأشغال العامة، ما يعني أنه تم قبوله.

ولكن في ظل استشراء فوضى اللوحات الإعلانية على الطرقات في لبنان يصبح ملحّاً السؤال: أين أصبح هذا المرسوم ولماذا لا يطبّق؟ فاللافتات تحوط المواطن كيفما وقع ناظريه يمنة أو يسرة، في وسط الطريق وعلى جانبيها، على الأوتوستراد، في الطرقات العريضة أو حتى في الزواريب. الإعلانات اجتاحت لبنان وشغلت كل الأماكن الفارغة فيه، وإن لم تجد مكاناً لها فرضت نفسها فوق إعلان آخر!

ولكن من المسؤول عن حالة الفوضى المستشرية؟

المعلنون، وزارة الداخلية والبلديات، أصحاب شركات الإعلان، كلهم معنيون من قريب أو من بعيد. الفوضى تتفاقم من دون حسيب أو رقيب. والكل يُجمع على ضرورة إيجاد حل سريع لها.

فوضى اللوحات الإعلانية

لا شك أن وضع أي إعلان على الطرقات السريعة يجب أن يأخذ بعين الإعتبار مسألة سرعة التنقل، إذ يجب على شركات الإعلان أن تراعي خلال وضع الإعلان على الأوتوستراد سرعة قيادة المستهلك المحددة بـ٨٠ كلم في الساعة كمعدل عام وهي فترة لا يمكن خلالها للسائق أن يقرأ أكثر من 4 كلمات لأن هناك حداً معيناً من الإدراك.

لكن الواقع على طرقات لبنان مختلف، فاللوحات الإعلانية مبعثرة على الطرقات: فوق المباني وبين أوتوسترادي الذهاب والإياب وعلى الأعمدة وفوق الجسور. وهناك، على سبيل المثال، نحو ألفي لوحة إعلانية من مختلف المقاييس بين منطقتي الدورة ونهر الكلب! عدد غير قليل منها غير مرخّص، ويحتوي بعضها أيضاً على أرقام هاتفية، يحاول المستهلك أثناء القيادة قراءتها أو تسجيلها، ما يتسبب في شروده الذي ينتج عنه حوادث سير في بعض الأحيان.

وإذا كانت الإعلانات في أميركا تغزو الطرقات والأبنية من دون أن تخرق القانون، فذلك لأن الجهات المعنية تجري دراسات تحدّد مكان وضع الإعلان. أما في لبنان فإن معظم الأمكنة التي توضَع فيها الإعلانات غير مناسبة. كما أن المحتوى لا يناسب أبداً الإعلان الخارجي الذي يجب أن يكون هدفه التكرار فقط. إذ أن تكرار الإعلان نفسه غير مرة يجعل المستهلك يحفظه عن ظهر قلب، غير أن هذا التكرار إن لم يكن مدروساً يفقد الإعلان هدفه الأساسي وتكون ردّة فعل المستهلك تجاهه عكسية ويستحيل بعدها أن يركّز على إعلان معين حتى يصل به الأمر إلى رفض الإعلان.

كما أنه من المناسب أن يقدّم المعلن نفسه بطريقة سلسة ومبسّطة وأن لا يقوم عبر إعلانه باقتحام خصوصية الفرد وغزوه لحريته، كحالة بعض المركبات التي تقطع الطريق على السيارات المارّة على أوتوستراد سريع بحجة تغيير الإعلان الذي ينتصف أوتوسترادين! أو اللوحات الإعلانية التي تنتشر على أرصفة مشاة كثيرة في بيروت خاصة وفي باقي المناطق على نحو يشكّل اعتداءعلى حقوق المشاة.

NS

البلديات

تشكّل بلدية بيروت استثناء لناحية ترخيص الإعلانات، إذ ان هذه الصلاحية مناطة بمحافظ العاصمة الذي وحده يعطي التراخيص. وينحصر دور البلدية في مراقبة الشركة الإعلانية التي تضع العامود الثابت المؤجّر والتي يتوجّب عليها دفع قيمة تأجيرية لا تدخل ضمن موازنة الصندوق البلدي بل تتحول إلى المحافظة. وعلى الرغم من ذلك فإن العاصمة لا تخلو من بعض المخالفات حيث يعمد بعض المعلنين أو حتى المرشحين للإنتخابات إلى لصق إعلاناتهم وصورهم على جدران دور العبادة أو إشارات السير الأمر الذي يمنعه القانون. لذلك تقوم شرطة المخافر بتكليف من المحافظ مراقبة هذه الأماكن وضبط المخالفات وتحديد العقوبات اللازمة حسب نوع المخالفة.

هناك ثلاث فئات من اللوحات الإعلانية. اللوحات ٣×٤، يجب أن تفصلها عن الإعلان الثاني مسافة ١٠٠ متر، والفئة الأكبر يجب أن يفصلها عن الإعلان الذي يليها ٢٠٠ متر، والفئة الثالثة وهي الأكثر ضخامة يجب إبعادها عن أقرب إعلان آخر مسافة كيلومتر واحد. وتحاول البلديات فرض هذه القواعد خصوصاً على الأوتوسترادات العامة التي تربط المناطق اللبنانية ببعضها حفاظاً منها على المنظر العام كما على حياة الناس وسلامتهم.

قد تمتنع بعض البلديات عن إعطاء الرخص الإعلانية في حال عدم استيفاء كل الشروط المطلوبة. والجهاز الفني في البلدية له الدور الأبرز في التأكد من قانونية كل إعلان. لكن بعض المعلنين يعمدون إلى وضع إعلاناتهم من دون إعلام الجهات المختصة وقبل الحصول على تراخيص قانونية من المكاتب الفنية في البلديات. هنا للبلدية دور وصلاحية في أن تعاقب المخالفين، لأنها السلطة التي تراعي تطبيق القوانين المرعية الإجراء.

من أحد النماذج بلدية جونية، حيث كانت بعض الشركات ترخّص عشر إعلانات وتعرض في المقابل نحو عشرين من دون أن تصرّح عنها للبلدية. ولكن البلدية استطاعت منذ العام ٢٠٠٤ تغيير معالم الأوتوستراد الذي كانت تغرقه اللوحات الإعلانية قاطعة الرؤية عن زوارها أو العابرين لها، فانخفض عددها من ٣٥٨ لوحة في ذلك العام إلى حوالى الأربعين لوحة حالياً كلها مرخصة.

أنواع اللوحات الإعلانية

في ما يلي بعض أنواع اللوحات الإعلانية والمواصفات العالمية المعتمدة في هذا المجال.

– اللافتات:

يُقصد باللافتة أو الإعلان أي لوحة أو تركيبة أو سياج أو مكان أو وسيلة إعلان لمباشرة الإعلان عليها، بالكتابة أو النقش أو بالأحرف أو بالرسم، وذلك سواء كانت تلك اللافتة قائمة بذاتها أو كانت جزءاً من منشأة.

– لوحات الأرصفة والميادين العامة:

يُقصد بها اللوحات المثبتة في الأرض أو على جسم الأرض، أو اللوحات التي يتم إنشاؤها على الأرض بشرط ألا يكون أي جزء منها متصلاً بأي جزء من مبنى أو منشأة أو لوحة أخرى، وهي نوعان:

1- اللوحات الإعلانية والدعائية المثبتة على الأرصفة الوسطية: ويُسمح بهذه اللوحات قرب الإشارات المرورية الضوئية فقط، ويُشترط فيها ما يلي:

– الإرتداد عن الإشارة الضوئية بما لا يقل عن ٩ أمتار.

– الإرتداد عن حافتي الرصيف بما لا يقل عن ٦٠ متر.

– أن لا تُضيء اللوحات مباشرة على الطريق.

2- اللوحات الإعلانية والدعائية المثبتة على الأرصفة الجانبية: ويُسمح بوضعها على الأرصفة التجارية فقط، ويُشترط فيها الآتي:

– أن لا يقل عرض الرصيف عن ٦ أمتار (إرتداد المبنى).

– أن لا يزيد الإرتفاع الكلي للوحة عن ١.2 متر.

– الإرتداد عن حدود الشارع بما لا يقل عن  ١.5 متر.

– المسافة الفاصلة بين اللوحة الإعلانية والأخرى لا تقل عن عشرين متراً.

– أن لا تعوق اللوحات الإعلانية حركة المشاة على الأرصفة.

– أن لا تُضيء اللوحات مباشرة على الطريق.

– البالونات الإعلانية والدعائية الهوائية:

هي وسيلة مؤقتة تُستخدَم للدعاية أو لترويج مناسبة خاصة، ويجب أن يكون البالون مصمماً لنفخه بالهواء بوسائل ميكانيكية فقط، ويُشترط فيها الآتي:

– استخدام بالون واحد في الموقع الواحد للإعلان عن مناسبة أو افتتاح أو تجارة، ويمكن استخدام بالون آخر متحرك على أن يُستخدم الإعلان نفسه.

– التنسيق مع الجهة المختصة (الطيران المدني في هذه الحالة) لأخذ موافقتها قبل الترخيص بإقامة الإعلان.

– الإعلانات على المركبات (السيارات):

يُشترط فيها ألا يُغيّر الإعلان أو الدعاية شكل المركبة أو يُخفي معالمها أو يؤثر على السلامة المرورية.

– إعلانات الطرق السريعة:

هي اللوحات الإعلانية التي تُقام على جوانب الطرق السريعة، سواء داخل أو خارج النطاق العمراني، ويُشترط فيها الآتي:

– تحديد مواقع اللوحات الإعلانية بالتنسيق مع الإدارة المختصة.

– التقيّد بالشروط المعتمدة لدى الإدارة.

– أن يكون موقع اللوحة في وضع يسمح بقراءة الرسالة المكتوبة عليها بزاوية ومسافة مناسبة.

– أن تكون اللوحات الإعلانية في غير مواقع المنحنَيات.

– أن لا يؤثر موقع اللوحات الإعلانية على سلامة الطريق ومستخدميه.

– اللوحات التذكيرية على الطريق:

يُسمح بها على الطريق السريعة التي تصل بين المدن والمناطق المختلفة، ويُشترط فيها ما يلي:

– إرتداد اللوحة عن حرم الطريق بما لا يقل عن خمسة أمتار.

– أن لا يزيد ارتفاع اللوحة عن خمسة أمتار.

– أن لا تقلّ مساحة اللوحة عن ٠.6 متر مربع.

– اللوحات التحذيرية:

هي اللوحات المؤقتة أو الدائمة، والتي تقيمها إدارات المرافق العامة أو شركات الإنشاء للتحذير من الأخطار أو حالات الخطر بما في ذلك اللوحات التي تدل على الكابلات تحت الأرض أو ما شابه.

– اللوحات الإعلانية على المباني:

يُشترط فيها الآتي:

– أن تكون الحوامل ومشتملاتها مرتدة عن حد واجهة البناء الواقعة على حد الطريق أو عن خط البناء بما لا يقل عن متر واحد.

– أن يكون تصميم وتركيب وتثبيت الإعلان طبقاً للأصول الفنية ومتطلبات السلامة ولا يترتب عليه أي ضرر.

حالات حظر الإعلانات

 

يُحظر وضع الإعلانات في الأماكن التالية:

­ المباني الأثرية.

­ النصب التذكارية أو الإعلامية المقامة على أرضٍ مخصصة للمنفعة العامة، وفي المنتزهات وعلى الأرصفة والأسوار المحيطة بها وعلى الأشجار.

­ الكتابة والنقش على الصخور وغيرها من مظاهر البيئة الطبيعية.

كما يُحظر وضع الإعلانات في أي منطقة إذا كانت:

­ تتعارض مع القوانين والأنظمة النافذة.

­ تتعارض مع النظام العام والآداب العامة.

­ غير نظيفة وبحالة مهترئة.

­ غير مثبتة بمتانة وبطرق مأمونة في المبنى أو المنشأ أو الأرض.

­ ذات تأثير سلبي على السائقين، لجهة تداخلها أو تعارضها مع إشارات وعلامات المرور.

الشروط الفنية للوحات الإعلانية

– الحصول على رخصة من البلدية لمختلف أنواع اللوحات الدعائية، والموافقة على تصاميم اللوحات المبدئية والألوان والمواد المستخدمة.

– إلتزام صاحب الإعلان بالصيانة الدورية وإصلاح الأعطال والتلف الناتج عن الحوادث المرورية والعوامل الطبيعية، ورفع المخلفات الناتجة عن ذلك والتأكد من سلامة التركيبات الكهربائية.

– عدم إعاقة لوحات الإعلانات لحركة المرور أو حجب الرؤية في الطرق العامة وأرصفة المشاة.

– أن لا تكون المواد التي تدخل في صناعة اللوحات الإعلانية من مواد قابلة للإحتراق، وأن تكون اللوحات المثبتة على الأسطح مرتفعة عن السطح بما لا يقل عن ١.20 متر.

– إختيار الموقع المناسب للوحات الإعلانية، بحيث تكون بعيدة عن أماكن الخطر كقربها من المواد القابلة للإشتعال أو مناطق التخزين، وألا تُشكّل نقاط جذب للأطفال، وأن لا تؤثر على درجة إنتباه السائقين.

– أن لا تكون اللوحات الإعلانية مصدر إزعاج صوتي أو ضوئي.

– أن لا تؤثر اللوحات الإعلانية على البصر من جراء تركيبات الألوان وتناسقها.

– مراعاة تركيب اللوحات وإبرازها بشكل فني يضمن تناسقها مع غيرها من اللوحات الأخرى، كما يجب أن لا تؤثر اللوحة على الواجهة الحضارية للمبنى أو الشارع.

– الأخذ في الإعتبار إيجاد مساحة كافية للوحات الإعلانات عند تصميم مبنى جديد يحتوي على محلات تجارية.

– قيام البلدية بمراقبة اللوحات الإعلانية في ما يتعلق بالصيانة والنظافة.

يشكّل الإعلان مورداً مهماً، وهو تعبير فني بيئي وأداة تواصل وعلامة صحة وحياة. وقد أصبحت اللافتات الإعلانية جزءاً لا يتجزأ من بيئة الطريق العام في غالبية دول العالم، وهي بجانب أهميتها الإقتصادية والتثقيفية والإرشادية، تنطوي أيضاً على أبعاد جمالية لها أثرها النفسي الإيجابي على سالكي الطرق، من راكبي السيارات أو المشاة الذي يجدون في الإعلانات على جوانب الطرقات أو أسطح الأبنية والمنتزهات العامة الكثير من اللمسات الفنية والجمالية والإبداعية التي تسرّ النظر.

لكن سيطرة الفوضى والعشوائية على سوق اللوحات الإعلانية تؤدي إلى نتيجة معاكسة لا تقتصر على تشويه المنظر العام فحسب بل قد تصل إلى التسبب بحوادث سير. ومن هنا على الجهات المعنية الإلتفات إلى ظاهرة الإعلانات العشوائية وتطبيق المعايير التي تراعي جانب السلامة وتبرز الناحية الجمالية ليتماشى الإعلان مع التطور العمراني وليرتقي بالمستوى الفني والإبداعي.

 

لطيفة مغربي

المراجع:

– د. الياس الشويري

رئيس الجمعية اللبنانية للسلامة العامة

مجلة الجيش

العدد ٢٤٥ – تشرين الثاني ٢٠٠٥

مكبات النفايات قنبلة موقوتة

Main Pic 6

قبل الحرب وخلالها، لم يعرف لبنان حلاً علمياً بيئياً لملف النفايات على أنواعها. وظلت البلديات تجمع النفايات المختلفة، المنزلية والطبية والصناعية والزراعية وتتخلص منها في مكبّات، تحوّلت في المدن إلى جبال قمامة، وفي القرى والبلدات إلى محارق مكشوفة.

 

ومع إنشاء وزارة البيئة، بدأ الحديث عن حلول للملف وشروط ومعايير، ومخاطر استمرار الرمي العشوائي والحرق والمكبات. لكن الملف تحوّل إلى مشكلة، ولامست الوزارة بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار حلاً ممكناً في سنة ١٩٩٧ عبر ما سُمّي بـ “الخطة الطارئة” لإقفال مكب برج حمود التي بشّرت حينها بخطة شاملة تقوم على مبادئ التخفيف من إنتاج النفايات وفرزها وإعادة استعمالها وتصنيعها، وتحويل العضوي منها إلى مواد صالحة للإستعمال الزراعي وطمر العوادم المتبقية التي لا يمكن، في الظروف الحالية، إعادة استخدامها أو تصنيعها.

لكن التطبيق لم يكن على قياس التخطيط، ذلك أن عمليات الفرز والتسبيخ اصطدمت بمعوقات كثيرة تبدأ في عدم قدرة مواقع التسبيخ على استيعاب المواد العضوية ولا تنتهي عند عدم طلب المواد المفروزة.

وبذلك لم تتحول الخطة الطارئة إلى شاملة، ولا هي تطورت لتحقيق الطمر. وظلت معظم المناطق، خاصة تلك الواقعة خارج محافظتي بيروت وجبل لبنان، تتخلص من نفاياتها عشوائياً. ولم ينجَز من خطة المطامر سوى مطمر زحلة الذي يقتصر العمل فيه على الفرز الأولي والطمر، ولا يتضمن عقد التشغيل تسبيخ المواد العضوية، على الرغم من وجود المطمر في منطقة زراعية، وعلى حدود البقاع الشمالي الذي يشكو من فقر التربة والجفاف، علماً بأن المواد المسبّخة تُغني التربة من جهة، وتخفف من الجفاف لأنها تحفظ الرطوبة من جهة أخرى.

ولا تزال المناطق، ترفض علناً إقامة منشآت معالجة النفايات الصلبة فيها، وخصوصاً المطامر في وقت تتبدل فيه التوجهات والاقتراحات واللجان. وهنا يُطرح التساؤل عن مصير الخطط التي اقترحها مجلس الإنماء والإعمار وصادقت عليها وزارة البيئة لإنشاء المزيد من معامل ومطامر النفايات بعد أن تم رفضها من معظم سكان المناطق الرئيسية المحيطة بها.

 

المكبات: أضرار بيئية منسية

 

لا بد لأي خطة وطنية شاملة ومتكاملة ودائمة لمعالجة مشكلة النفايات أن تنتظر عودة الحد الأدنى من الإستقرار السياسي والأمني الذي يسمح بإعادة البحث عن الحلول الجدية والمستديمة لقضية النفايات وغيرها من القضايا البيئية المزمنة والخطرة، والتي تزداد خطورتها وكلفة معالجتها مع تراكمها وتفاقمها.

ولكن في انتظار الفرج والتوصل إلى استراتيجية متكاملة يصحبها نظام من التشريعات والقوانين والمراسيم التنظيمية، ما هي طبيعة الأضرار الصحية والبيئية التي تسببها مكبات النفايات المنتشرة في أغلب المدن اللبنانية، عدا الأضرار الجمالية الظاهرة للعيان؟ خاصة وأن مكبات ومطامر النفايات تشكّل قنبلة موقوتة، وإن كانت غير منظورة للجميع.

فالعصارة المكثفة والغنية بالمواد العضوية والمعدنية التي تنتج عن المكبات تجد طريقها إلى التربة حيث تترسب وتسبب أضراراً خطيرة فيها وفي المياه الجوفية الموجودة تحتها، وفي حالة المكبات الموجودة على شاطئ البحر – كحالة مكبي طرابلس وصيدا مثلاً – تتسلل العصارة السامة إلى البحر فتقضي على الحياة البحرية بشكل شبه كامل وتسبب تسمماً في كل ما يخزّنه البحر من حياة بحرية وأعشاب. إن هذه العصارة المكثّفة تصنَّف تحت باب المواد السامة والتي يجب التعامل معها بالكثير من الحذر والحيطة والإحتراف نظراً لخطورتها.

هذا فضلاً عن الضرر الذي يشتكي منه أغلب السكان المتواجدين في محيط المكبات ونعني به الروائح الكريهة التي تشتد مع بداية كل صيف والناتجة عن تخمّر النفايات وتفاعلها الكيميائي مما يؤدي إلى إفراز غازات سامة وخاصة الغاز المعروف بـ”الميتان” حيث تتصاعد هذه الغازات من جبال النفايات وإن بشكل غير مرئي في معظم الأحيان ولكن الروائح تشي بوجودها وبتأثيرها الضار على المحيط.

 

لبيئة أكثر جمالاً؟

لبيئة أكثر جمالاً؟

معالجات قاصرة

 

ثلاث جهات أساسية تقع عليها مسؤولية معالجة ملف النفايات في لبنان: وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار من الجانب الحكومي المركزي، والبلديات كسلطات محلية. وبالرغم من أن وزارة البيئة قد أنشئت منذ أكثر من ١٥ سنة وأوكلت إليها صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، وبالرغم من أن مجلس الإنماء والإعمار تأسس منذ منتصف السبعينات وأشرف على إدارة العديد من المشاريع نيابة عن عدد من الوزارات، إلا أن هاتين المؤسستين لم تقدّما حتى الآن أية حلول ذات تأثير إيجابي في سبيل تخطي مشكلة النفايات.

من جهة ثانية، فقد أُلقيت ولسنوات طويلة على عاتق البلديات مسـؤولية إدارة النفايات ومعالجتها مع العلم أنها الحلقة الأضـعف في السلم الإداري من حيث الصلاحيات والإمكانيات المادية والتقنية والقدرة على التنفيذ. مع العلم أن معظم هذه البلديات بقي ولأمد طويل إما مغيباً أو منحلاً أو مستقيلاً أو معيناً أو مداراً من قبل القائمقامين والمحافظين. وبالتالي لا تستطيع أي بلدية أن تعالج مشكلة مكب للنفايات من دون أن تستعين بالدولة.

لذا فإن أي معالجة لمشكلة النفايات يجب أن تراعي أبعاد الأزمة وكلفتها ونتائجها و”خصوصيتها” اللبنانية، وتلاؤم الحلول المقترحة مع طبيعة هذا البلد الصغير بحجمه، الكثيف بسكانه، القليل بمشاعاته والغني بمياهه الجوفية.

والمؤسف أن أكثر المقاربات التي اعتُمدَت لمعالجـة أزمة النفايات اتسمت بالعديد من المفارقات التي أظهرت غياباً لوضوح الرؤية وعدم المساواة في التعاطي بين مختلف المناطق. فكل عملية فلش في البحر أو نقل لمكبّ من مكان إلى آخر لا تُعتبَر “معالجة”. ولعل الخيار الأسلم لمعالجة أي مكب هو في إعادة فرزه أولاً، تماماً كما حصل في مكب النورمندي مع العلم أنه الخيار الأعلى كلفة. ويبقى كل ما طُرح من خيارات أخرى من وضع مواد كيميائية لتصغير الحجم أو الفلش أو النقل إلى مكان آخر، لا يُعتبَر حلولاً جدية أو سليمة.

وتجدر الإشارة إلى أن كلفة معالجة وفرز مكب النورمندي كانت عالية جداً، كما يعرف المتابعون. فالعقد الأولي الذي أبرمته شركة سوليدير مع الشركة الأميركية الملتزمة المعالجة، كان بداية يتجاوز ٥٠ مليون دولار أميركي قليلاً، ثم تطورت هذه الكلفة وتعدّلت مع الوقت لتتجاوز المائة مليون دولار! وقد حصلت خلافات مع الشركة الملتزمة، كما يُشاع، وتوقفت الأعمال مما دفع بالقيّمين إلى نقل ما بقي من المكب إلى مناطق متفرّقة.

 

 

نفايات على شاطئ صيدا

نفايات على شاطئ صيدا

الحلول

 

المتعارف عليه في العالم أن لا حلول مثالية ولكن هناك حلول مناسبة للنفايات، وأبرز هذه الحلول الفرز المنزلي.

ولكن تبقى العبرة في ضرورة أن تتحمل الدولة المسؤولية، وأن تقوم البلديات أيضاً بدورها. وأن يتم تحديد المسؤوليات وحصرها في الوزارات والإدارات المعنية أولاً (وزارة البيئة ومجلس الانماء والإعمار) لا سيما أن الحلول البديلة التي تقوم على الفرز في المصدر وليس في المكب كانت مقترحة منذ أكثر من عشر سنوات ولم يتم تبنيها مما ساهم من دون شك في تراكم المشكلة.

إذن فالأمر يحتاج إلى خطة شاملة تقوم على تخفيف حجم النفايات عبر ترشيد الإستهلاك، وعلى الفرز من المصدر وفي موقع المعالجة، وعلى تشجيع إنشاء المصانع التي تستخدم المواد المفروزة وذلك في محيط موقع المعالجة، وعلى تحويل المواد العضوية إلى مخصّبات للتربة وتطوير عملية التسبيخ وإضافة ما تحتاجه الأراضي الزراعية من مواد مخصَّبة إلى المواد المسبخة بما يؤمّن جدوى الإستعمال ويزيد الطلب على هذه المواد التي تشكّل نحو ٥٥ إلى ٦٠ في المائة من النفايات المنزلية الصلبة.

مع العلم أن عملية الطمر لا تشكل الحل المثالي، فهناك تطوّر عالمي في مجال تقنيات معالجة النفايات يتمثل بخطوتين، الأولى فرز النفايات وفقاً لتصنيفاتها البيئية وهذا يقتضي وجود معمل فرز خاص. أما الخطوة الثانية هي معمل لمعالجة النفايات مع اختيار التقنية المناسبة لمعالجة النفايات، أي أنه بعد عملية فرز المواد العضوية الموجودة في النفايات يمكن أن تعالج وأن يستخرج منها أسمدة، ويمكن أن يستخدم أيضاً جزء من منتجات المعالجة في توليد الطاقة الكهربائية.

 

مكب طرابلس

 

تتعدّى كمية “إنتاج النفايات” في مدينة طرابلس المعدل الوسطي لما هو متوقع لمدينة في حجمها، إذ يتعدى الـ٧٥٠٠٠ طن سنوياً، أي أن ثمة أكثر من ٢٠٠ طن من النفايات تنتجها المدينة يومياً. ووفقاً للمراجع البلدية والمشرفين على مكب النفايات فإن ما يقارب ٢٤٠ إلى ٣٠٠ طن يدخل يومياً إلى أرض المكب، إذ يستقبل مكب طرابلس كل يوم نفايات ثلاث مناطق تشكّل مدن “إتحاد بلديات الفيحاء” وهي البداوي والميناء وطرابلس. مع العلم أن ثمة كمية أخرى من النفايات قابعة ليس في عدد من شوارع المدينة وأرصفتها فحسب، وإنما في الـبراحات المشتركة والخاصة لمختلف المباني وفي العديد من الأراضي المتروكة وغير المبنية في مختلف أرجاء وأحياء مدن الإتحاد.

 

ماذا يُرمى في المكب؟

المعروف أنه تُرمى في المكب النفايات من كل نوع، وهو يحتل نقطة التقاء النهر بالبحر كما أنه يزداد ارتفاعاً في غياب الفرز. وحسب اتحاد بلديات الفيحاء، ففي المكب تُرمى كل النفايات ومن ضمنها نفايات المستشفيات، على الرغم من المعرفة بالمخاطر الناتجة عن هذا النوع من النفايات!

ولعل المشكلة الأبرز التي تميز مكب طرابلس هي موقعه في وسط المدينة مما يفاقم من المشكلة التي تجتاح أنوف المواطنين مع رجوع فصل الصيف، أي مشكلة الروائح الصادرة عن الغازات التي تنتج عن تراكم النفايات في المكب. والمعلوم أن نفايات المكب، تنتج منها أنواع من الغازات، لعل أخطرها حامض السيانور ومشتقات الكلور العضوية وهي مواد عضوية صعبة التحلل وتسبب التسمم للإنسان عند تنشقها.

 

ما هو الحل إذن؟

قبل أعوام قليلة وُضعت للمكب دراسة عن طريق مجلس الإنماء والإعمار لتوسعته ليكفي خمس سنوات عبر بناء حائط وملء الفراغ، والبدء بفرز النفايات، ليس من المنشأ بل قبل دخولها المكب. وقد خصص إتحاد بلديات الفيحاء أرضاً حول المكب ليجري عليها الفرز. وأظهرت الدراسة التي أُعدّت للمكب أن بعض محارق الغاز يجب صيانتها وإنشاء محارق جديدة لتستوعب الغازات الناتجة من التوسعة.

الجدير بالذكر أن جهات بيئية عديدة تحذّر من مخاطر عمليات التوسعة المتكررة للمكب، مع العلم أن فريقاً أوروبياً كان قد زار لبنان في التسعينات للمساعدة في حل مشكلة المكبات واقترح نقل المكب إلى الجهة المقابلة من نهر أبو علي بعد تحضير الأرض اللازمة بوضع عازل وإنشائه كما أُنشئ مكب زحلة.

 

وتستمر مشاكل مكبات النفايات غائبة عن المعالجة وحتى عن وعي المواطنين، والبحث يجب أن يبدأ في إيجاد حلول جذرية تحمي المواطن من أخطار الغازات والروائح والتلوث الظاهر والمخفيّ. غير أن المعضلة الأهم تبقى في غياب أي سياسة وطنية شاملة تأخذ بالحسبان ما هو الأفضل للمواطن وما هي الإمكانات المتوفرة لحل آني ومستقبلي يساهم في الحد من أخطار مكبات النفايات.

 

وائل حداد

هل ترتبط الأشغال العامة بمسألة السلامة العامة؟

Main Pic 5

تنضوي عقود البناء والأشغال في الحقل العام، أي التزامات الأشغال العامة، في إطار العقود الإدارية. ويُعتبر العقد إدارياً إذا نص على ذلك القانون صراحة. ويقتضي التوضيح بأن عقود الأشغال العامة ليست عقوداً إدارية بموجب نص تشريعي، إنما بموجب معايير قضائية (بنود خارقة – ارتباط العقد بالنشاط العام – تنفيذ المصلحة العامة)، وإن إقدام المشترع على تعيين اختصاص القضاء الإداري في العقود الإدارية، لا يعني أنّه أضفى على هذه العقود الصفة الإدارية، لأن هذه الصفة مستمدة من المقاييس.

 

وضوح معايير السلامة العامة في عقود الأشغال العامة

 

لمعرفة ما إذا كان عقد التزام الأشغال العامة يلحظ مفهوم السلامة العامة، علينا أولاً معرفة ماهية هذا العقد.

إن عقد التزام الأشغال العامة هو العقد الذي تبرمه الإدارة بهدف القيام بشغل عام بواسطة متعاقد معه يدعى المتعهّد.

لا يوجد أي نص قانوني يعطي تعريفاً لمفهوم الشغل العام، لكن الفقه والاجتهاد توصلا إلى إعلان بعض عناصره. فقد “اعتبر المجلس الشورى الفرنسي في قراره رقم ٢٥ تاريخ ١/ ٦/ ١٩٢١، “Monségur”، مجموعة لوبون، أن العمل العام هو كل شغل عقاري ينفّذ من قبل شخص عام أو لحساب هذا الشخص بهدف المصلحة العامة”.

وقد توسع مفهوم الأشغال العامة وأصبح يشمل الأشغال التي تقع على الأموال غير المنقولة والتي يقوم بتنفيذها شخص عام أو جهاز مخول قانونياً القيام بمهمة أو خدمات المرفق العام، على أن يهدف من وراء هذه الأشغال تحقيق المنفعة العامة.

يؤدي الشغل العام إلى قيام المنشأ العام أي الشغل الذي اكتمل إنشاؤه، كما يؤدي لتحقيق منفعة عامة أو جماعية على الأقل.

تعتبر أشغالاً عامة، الطرقات والأوتوسترادرات والجسور ومنشآت الموانئ والمعسكرات والمطارات، ومنشآت مجاري المياه ونقل الكهرباء والغاز والمياه والنفط والسكك الحديدية وكل المباني المخصصة للمرافق العامة أو مجرد استعمال العموم.

وانطلاقاً من مفهوم السلامة العامة: “الخلو من الضرر أو من خطر الإصابة بضرر وأخذ الاحتياطات اللازمة للوقاية من الحوادث”، على الإدارة والمتعهد على حد سواء، عند إبرام عقد التزام الأشغال العامة التقيد بالمعايير المحددة للسلامة وأخذها بعين الإعتبار، لأن تأمين المصلحة العامة يجب أن يترافق دوماً مع تحقيق السلامة العامة.

IMG-20130426-WA0011

متابعة تنفيذ عقود الأشغال العامة

 

لدى إجراء عقد بناء أو أشغال عامة أو التزام أو مقاولة، يتمتع كل من الإدارة والمتعهد المتعاقد معه بحقوق أقرتها لهما المبادئ والأعراف القانونية ويعود للإدارة امتيازات أكبر من تلك التي يتمتع بها المتعهد المتعاقد معه. في ما خص السلامة العامة من الضروري التركيز على حق الإدارة بمراقبة الأشغال المنفذة وإدارتها، فالمتعهد يجب أن ينفذ الأشغال تحت مراقبة مهندس الإدارة وإشرافه الذي يعتبر بمثابة المدير الفعلي والحقيقي للأشغال، فضلاً عن حق الإدارة بتعديل شروط العقد وحق فسخه وفرض العقوبات بحق المتعهد الذي يخل بمعايير السلامة العامة المحددة آنفاً.

إن حق الإدارة بمتابعة تنفيذ الشغل العام لجهة التثبت من تطابق التنفيذ الفعلي مع الشروط المتفق عليها والمتعلقة بالسلامة العامة، إنما تفرضه المبادئ العامة التي تقضي “بأن الأضرار المكبدة للأشخاص الثالثين بمناسبة عمليات تنفيذ الأشغال، يعوّض عنها عندما يكون الضرر غير مألوف”، وتبقى الإدارة مسؤولة عن هذه الأضرار التي تصيب الأفراد من جراء تنفيذ أشغال عامة.

توسع القضاء في تفسير الأضرار اللاحقة بالغير والتي تمس السلامة العامة وقضى بوجوب متابعة تنفيذ الأشغال ومراقبتها و ترتيب المسؤولية على عاتق الإدارة عند إخلالها بهذا الموجب:

” إذا احتفظت الإدارة بحق مراقبة الأعمال التي يقوم بها الملتزم الذي رست عليه المزايدة باستخراج البحص والرمل من نهر تابع للأملاك العامة موجبة عليه التقيد بالتصميم وبالتعليمات التي تصدرها إدارة الأشغال العامة، فإن الإدارة تصبح مسؤولة بالتكافل مع الملتزم عن أخطائه”.

فإذا قام الملتزم بحفريات أدت إلى انخفاض مستوى النهر وإلى تحويل مجراه الطبيعي، غير مكترث بشروط الالتزام وطغت المياه على العقارات المجاورة وألحقت ضرراً بالسلامة العامة، فإن هذه الأخطاء التي ارتكبها الملتزم حصلت في سبيل الالتزام وبمناسبته وتكون الإدارة مسؤولة عن إهمالها مراقبة تنفيذ الأشغال مراقبة فعّالة تحول دون وقوع الضرر على الغير.

 

الإهمال والتقصير

 

لا بد في سياق التطرق إلى أهمية متابعة تنفيذ عقود الأشغال العامة من الإشارة إلى أن القضاء قد كرّس مبدأ التعويض عن الأضرار اللاحقة بالغير، واعتبر أن أي إهمال أو تقصير من شأنه إلحاق الضرر بالسلامة العامة إنما يعرّض مرتكبه للمساءلة القانونية.

ومن الأعمال التي تعرّض صاحبها للمساءلة القانونية في هذا الإطار:

  • عدم تهيئة وصيانة الطرقات الرئيسية والإقليمية.
  • عدم تنظيف الطريق أو عدم وضع الإشارة بأن الشجرة النابتة على الرصيف والتي تعلو الطريق لا يتجاوز علوها الثلاثة أمتار.
  • إنهيار حائط نتيجة عيب في الأشغال ونقص في الخرائط.
  • توسيع الطريق بواسطة الجرافات والتسبب بارتجاجات الجدران وانهيارها.
  • عدم وضع مونّس على الطرقات.
  • عدم وضع إشارة ضوئية منبهة للحفر ولكومات الحجارة على الطريق العام.
  • تدهور شاحنة بسبب كومات الحصى الناعم والرمل أثناء قيام الإدارة بتزفيت الطريق.
  • وضع قسطل بعرض الأوتوستراد.
  • قوس نصر غير مشار إليه بإشارات ضوئية.
  • المياه على الطرقات عندما تغمر عرض الطريق بعلو ٤٠ سنتيمتر.
  • التداعي والتصدع المباشر للبناء على أثر تشييد المنشأ أو أشغال التوسيع للطريق أو مد شبكات المياه.
  • تحرك أو انزلاق الأرض على أثر الأشغال.
  • الأضرار من جراء انحسار الضغط والدفع من أرض الطريق العام.
  • سقوط شجرة على حافة الطريق.
  • الأضرار الحاصلة للأبنية من جراء جذوع الشجر القائمة على الطريق العام.
  • الأضرار الناتجة عن تخفيض مستوى الطريق بمعدّل ٧٥ سنتيمتر.
  • الإنهيارات في الطرق العامة وحيطانها وتدهور السيارات من جرائها.
  • وجود حفر في الطرقات العامة يبلغ عمقها ٤٠ سنتيمتر أدّت إلى سقوط شخص ووفاته.
  • وجود حفرة يتراوح عمقها بين ١٠ و ٢٠ سنتيمتر أدت إلى تدهور سيارة وإلحاق الضرر بالركاب.
  • الأضرار اللاحقة بالأبنية نتيجة التصدع عند شق طريق عام وعدم تشييد حائط دعم لحضن التربة الرخوة.
  • الفيضانات وتسرب المياه المتفاقمة من قبل المنشآت العامة المختلفة مثل الجسور، الردميات، السدود، جدران الدعم.
  • الفيضانات الحاصلة من جراء أشغال المرافق البحرية برفع مستوى المياه.
  • الأضرار المسببة للأبنية من جراء تسرب المياه الجارية في الأقنية المتفجرة لحالتها الرديئة.
  • تلويث الحمامات البحرية وعدم إصلاح مجرور انفجر أو انكسار مجرور المياه القذرة الذي يصب على مقربة من الشاطئ.
  • الحريق الناتج عن سقوط شريط كهربائي.
  • الأضرار الناتجة عن انفجارات حدثت من جراء تسرب الغاز.
  • الأضرار اللاحقة بالمشاة في ممر مسمر نظراً لحالة البلاط السيئة.
  • الأضرار الحاصلة للمشاة في ممر للمشاة أمحيت الخطوط الصفراء منه.

 

تضمين عقود الأشغال العامة بنوداً صريحة عن السلامة العامة

 

تتصل الأشغال العامة اتصالاً وثيقاً بالسلامة العامة، سيما وأن أعمال تنفيذ هذه الأشغال يمكن أن تكون مصدراً للأضرار وإلحاق الأذى بالسلامة العامة، لذلك من الضروري عند إبرام عقد التزام أشغال عامة الإستعانة بخبراء متخصصين في حقل الوقاية من الحوادث يعرفون بـ”مهندسي السلامة”، يقومون بإعداد الدراسات، والتصاميم والبرامج التي تجعل من المباني والمدارس والطرقات السريعة وغيرها أكثر أماناً. أي تكون مهمتهم إعداد دفتر شروط خاص يتضمن بنوداً صريحة عن السلامة العامة على أن تكون ملزمة للطرفين ولا يصح العدول عن تطبيقها أو الرجوع عنها.

والجدير ذكره أن الاجتهاد اللبناني قد اعتبر أن دفتر الشروط الذي يتضمن أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الضرر (معايير السلامة العامة) هو بمثابة النظام الذي يفترض التقيد به تحت طائلة المسؤولية: “إن دفتر الشروط الذي يأخذ الملتزم على أساسه عملية الحفر تجاه البلدية وإجراء جميع الاحتياطات التي تقي المارة من الخطر هو النظام الذي تفرض عليه البلدية إتباعه عند قيامه بالأشغال، فيتحتم عليه التقيد بأحكامه تحت طائلة المسؤولية وليس له أن يستبدل ما تضمنته تلك الشروط من التدابير المحددة بما يمكن أن يقوم مقامها، لأن ذلك منوط بالبلدية وحدها التي يعود إليها إقرار التدابير الكافية للسلامة العامة، فإذا لم يتقيّد بدفتر الشروط ولم يضع الحواجز الخشبية المشترط وضعها التي تسد الممر الجاري فيه الحفر يكون مسؤولاً…”.

وكذلك يجب أن يتضمن دفتر الشروط الواجبات المفترض التقيّد بها على الدوام حرصاً على السلامة العامة: “إن موجب الصيانة للطرقات العامة يلقي على عاتق الإدارة القيام بالأعمال الضرورية المتواصلة التي تتطلبها أوضاع هذه الطرقات لتأمين السلامة العامة”.

و”تعتبَر الإدارة مسؤولة عن تقصيرها في صيانة سلامة السير على الطرقات العامة وهي تعد مقصّرة إذا لم تساوِ عرض أحد الجسور مع عرض الطريق المؤدية إليه ولم تضع على حافتيه حواجز واقية”.

كما يفترض بالإدارة إصدار التعليمات المستمرة وكلما دعت الحاجة لذلك “كالتعليمات بإصلاح أو هدم الجدران والأبنية على الطرق العامة، عندما تهدد بالسقوط وإن تداعيها يمكن أن يورط السلامة العامة، وتسأل السلطة العامة إذا تمنعت أو تأخرت عن اتخاذ التدابير التي تفرضها حاجة الضمانات العامة أو إذا اتخذت تدابير غير منطبقة على الخطر الواجب وقفه”.

كما يقتضي تضمين دفتر الشروط بنوداً تفصيلية بهدف الحفاظ على السلامة العامة. فقد أشار مجلس الشورى الفرنسي إلى أنه “تعتبَر غير مألوفة وتشكل خطراً على السلامة العامة النتوءات التي تناهز الخمسة سنتمترات مثل سداد أو غطاء المجرور”، وكذلك الحجارة التي تؤلف نتوءاً في أرض الشارع.

المراجع:

الوسيط في القانون الإداري اللبناني – جان باز

عقود البناء والأشغال الخاصة والعامة – نعيم مغبغب

التزام الأشغال العامة – جريس سلوان

مسؤولية السلطة العامة – موريس نخلة

بعد ٢٥ عاماً على انتهاء الحرب الأهلية التعليم لا يوحّد اللبنانيين

Main

نادراً ما يتسنّى للبنانيين التفكير والبحث في سبل بناء دولة المواطنة في ظل مشاكلهم الأمنية والسياسية. وتلك الثقافة لا تتحقق مبدئياً إلا من خلال نظام تعليم تربوي تعليمي يعزز مبادئ المواطنية والمسؤولية العامة. وهذه هي الحال منذ انتهت الحرب الأهلية قبل ٢٥ عاماً، إذ لم تفلح المحاولات الكثيرة والمؤتمرات والندوات في توحيد المجتمع اللبناني، أقله عبر تقديم رواية متناسقة في كتاب تاريخ موحد.

منتدى التعليم الذي أطلقته شركة “Educity” أخذ على عاتقه البحث في تطوير التعليم مستعيناً بخبراء من مختلف القطاعات المعنية.

لماذا هذا المنتدى؟ سؤال طرأ على بال كثيرين ممن وصلت إليهم الدعوة، خصوصاً الأساتذة ومديري المدارس الذين اعتادوا سياسة الإهمال تجاههم، وتحديداً إذا كانوا يعملون في المدارس الرسمية. لكنّ ممثّل الجهة المنظمة فرحات فرحات يؤكد أنّ هذا المنتدى انطلق بهدف خلق مساحة تلاق بين مختلف العاملين في قطاع التعليم للبحث في الإشكاليات الكثيرة التي تعترض هذا القطاع. ويرى فرحات أنّ كلّ لبناني ينشأ ويتعلّم بحسب انتمائه الطائفي والمناطقي، ما يُسقط فكرة المواطنة كليّاً، في حين أنّ المطلوب من كلّ أستاذ ومدير وخبير تربوي أن يكون له دور في إيجاد الحلول لهذا الواقع عبر قول كلمة “لا” لمذهبة التعليم وجعله مفصّلاً على قياس الطوائف والمناطق.

ما إن افتتح المنتدى فعالياته حتّى بدأت تحدّيات التعليم الحقيقية تظهر في كلّ كلمة ألقاها المعلّمون والخبراء التربويون ليعبّروا عن حجم الصعوبات التي تواجههم وتعيقهم عن تحقيق الرسالة التي يدعو إليها المنتدى أي توحيد المجتمع. فنقيب المعلّمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض لفت إلى أن في الدول التي خرجت من الحروب المدمّرة، كاليابان وألمانيا، أعطيت الأولوية للتربية والتعليم بهدف إعداد جيل جديد قادر على بناء الدولة الحديثة. لكن في لبنان “الطبقة السياسية الحاكمة لا علاقة لها بالتربية أو تنظر لها باعتبارها وسيلة لخدمة المصالح الإنتخابية وهذا ما يؤدي إلى تعشيش الفساد في قطاع التعليم، خصوصاً الرسمي منه، حيث يفتقد لبنان وجود مدارس رسمية إبتدائية ذات مستوى مقبول”. وبسبب ذلك، يُضطر الأهل إلى تعليم أطفالهم في المدارس الخاصة ويتحمّلون الأقساط العالية، وهذا ما أوصل الحال اليوم إلى كون حجم التعليم الخاص يصل ما نسبته ٧٠٪ من القطاع التعليمي كلّه. وما شدّد عليه محفوض أنّ تضخّم أعداد الطلاب السوريين في المدارس اللبنانية، وخصوصاً الرسمية، يزيد عبئاً إضافياً على قطاع التعليم، ما يزيد من أعبائه ويصعّب مهمّة إنقاذه.

 

 

نظرة سوداوية إلى لتعليم الرسمي

 

إذا كان التعليم الرسمي يُعتبر الأساس لتوحيد المجتمع، بما أنّه لا يميّز بين الطوائف والطبقات الإجتماعية في معظم الدول التي تولي اهتمامها لهذا القطاع، ففي لبنان يُعتبر التعليم الرسمي المؤشر الأول لصعوبة التوحيد ووجود عقبات كبرى أمام تغيير الحال الإنقسامية الموجودة حالياً. فبحسب الدكتور حسّان قبيسي الذي يُشرف على الأبحاث الأكاديمية التربوية في الجامعتين اللبنانية والإسلامية، “الدولة لا تـريد الشفـاء للتعليم الرسمي الذي أصبح مهترئاً إلى حدّ أنّ اللبنانيين يهربون منه لتعليم أطفالهم في المدارس الخاصة”. وذلك في حين أنّ تطوير هذا القطاع بالتحديد يؤدي إلى التعليم الوطني المطلوب لأنّ المدارس الرسمية غير طائفية وغير طبقية وهي القادرة على توحيد المجتمع اللبناني.

وعلى رغم وجود بعض التجارب الناجحة في إدارة المدارس الرسمية وتطوير أدائها، مثل التجربة التي عرضتها المديرة السابقة لمدرسة الغبيري إلهام قماطي، فإنّ الحاضرين أجمعوا بشكل شبه كامل على أنّ التعليم الرسمي يمرّ في أصعب المراحل وهو يجد صعوبة في الاستمرار ومنافسة المدارس الخاصة مع كلّ الأزمات والعوائق الموجودة. وقد كانت لافتة مشاركة وزير العمل اللبناني السابق شربل نحّاس الذي رأى أنّ أي دولة في العالم ليس فيها إزدواجية في قطاع التعليم كما هي الحال في لبنان، أي الانقسام الحاد بين التعليم الرسمي والخاص، لأنّ هذه الإزدواجية لا يمكن أن تستمر إلا على حساب القطاع الرسمي، الذي يبقى ضعيفاً بسبب سوء الإدارة وضعف التمويل. وإذا كانت هذه الإزدواجية تؤسس لفرز طبقي حاد وتعميق للمعايير اللاوطنية في التعليم، لا يمكن، بحسب نحّاس، التكلّم عن دور للتعليم في توحيد المجتمع اللبناني.

 

بين التعليم الديني والتاريخ

 

لم يخلُ المنتدى الأول للتعليم في لبنان من النقاشات الحادة حول أجور المعلّمين وقدرة الأستاذ على الاستمرار في هذه المهنة على رغم الأجور المتدنية، وهذا ما يحوّل تركيز كلّ معلّم إلى كيفية جني لقمة العيش وليس التفكير في سبل نقل القيم الوطنية وبناء جيل جديد يؤمن بالدولة الحديثة. وهذه النقاشات أضيفت إلى جدل واسع رافق التكلّم على موضوعين ما زالا يُعتبران شائكين في لبنان، وهما توحيد كتاب التاريخ والتعليم الديني في المدارس، باعتبار أنّ هذين الموضوعين مرتبطان بشكل مباشر بمفهومي الوحدة الوطنية والمواطنة.

فإذا توقفنا عند كتاب التاريخ أولاً، يؤكد عضو اللجنة التي كلّفها وزير التربية السابق حسن منيمنة إعداد الكتاب عبد الرؤوف سنو، أنّه لا يمكن إعداد كتاب تاريخ موحّد في لبنان في ظلّ الأوضاع السياسية والطائفية الحالية. وقد فشلت اللجنة في المهمّة التي أسندت إليها بسبب المشاكل التي واجهتها عند بدئها بكتابة تاريخ الحرب اللبنانية على رغم محاولتها الابتعاد عن تقرير من كان الخاسر أو الرابح. إلا أنّ رئيسة الهيئة اللبنانية للتاريخ مهى شعيب رأت أنّ التاريخ مجال علمي مستقل، وهناك ضرورة لتعلّم وتعليم التاريخ في لبنان باعتباره فرعاً معرفياً متخصصاً مع توعية الرأي العام بأهميته.

أمّا بالنسبة إلى التعليم الديني، فقد ذكر الأمين العام للجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار محمد السماك، أنّ اللجنة اقترحت إعداد كتاب مشترك للتعليم الديني يعلّم القيم المشتركة والإيمان المشترك، لكن العوائق دائماً موجودة، إذ أنّ “لبنان يفتقد إلى جسور المعرفة التي تتيح للبناني التعرّف إلى دين غيره وليس فقط دينه”. من جهته، رأى رئيس معهد المعارف العلمية الشيخ شفيق جرادي أنّ الاهتمام يجب أن ينصبّ على كيفية تحسين ظروف التعليم الديني في لبنان، باعتبار أنّ المشكلة ليست فيه، بل يجب البحث في الأزمة الفعلية، وهي “أنّ كلّ شيء في لبنان يتحوّل طائفياً، ومن هنا يصبح سهلاً أن يتحوّل التعليم الديني إلى مشكلة”.

وقد تبع كلّ جلسة من الجلسات الستّ التي تضمّنها المنتدى نقاش واسع من قبل الحاضرين، لتُكشف أكثر فأكثر الفجوات الموجودة في النظام التعليمي اللبناني، والتي إن بقي التغاضي عنها كما هو اليوم ستزيد ضخامة، ما يُسقط كلّ الطموحات بتحسين دور التعليم على صعيد توحيد المجتمع ليخرج نهائياً من عقلية ثقافة الحرب والنزاع.

الفساد يقتل الملايين كل عام

cash

قالت إحدى المنظمات الحقوقية الأمريكية إن الفساد يتسبب في ازهاق ملايين الأرواح في الدول الفقيرة كما حرمها من حوالي تريليون دولار سنويا.

وأفاد تقرير أصدرته منظمة “وان” المناهضة للفقر، ومقرها الولايات المتحدة، أنه حدث تقدم كبير على مدار العقدين الماضيين في التعامل مع الفقر المدقع، لكن هذا التقدم يواجه الآن خطر الفساد والجريمة.

وأطلقت المنظمة على نتائج التقرير اسم “فضيحة التريليون دولار”.

وتتضمن أنشطة الفساد تأسيس شركات وهمية وغسيل الأموال. وبحسب التقرير، يتسبب الفساد في 3.6 مليون حالة وفاة سنويا.

وتقول المنظمة إنه كان يمكن تجنب الكثير من الوفيات في الدول الفقيرة حال اتخاذ إجراءات لمواجهة التعتيم الذي يسمح بانتشار الفساد، وإنفاق الأموال المنهوبة على قطاع الصحة.

وورد في التقرير أن الفساد “يعيق الاستثمار الخاص، ويحد من النمو الاقتصادي، ويزيد من تكلفة إدارة الأعمال، ويمكن أن يؤدي إلى تخبط سياسي. لكن في البلاد النامية، يكون الفساد قاتلا. فعندما لا تنفق الحكومات مواردها على التأمين الصحي، والأمن الغذائي، والبنية التحتية الأساسية، تخاطر بالكثير من الأرواح، خاصة بين الأطفال.”

كما أورد التقرير بعض النقاط التصورية حال القضاء على الفقر في صحراء أفريقيا، من بينها:

  • تحسين ظروف التعليم ليشمل عشرة ملايين طفل إضافيين في العام.
  • توفير المزيد من الأموال لدفع رواتب 500 ألف معلم إضافي لمرحلة التعليم الأساسي.
  • توفير عقاقير فعالة لمرض الإيدز لأكثر من 11 مليون شخص.

moneybag

وتطالب المنظمة قادة الدول الصناعية الكبرى، الذين يجتمعون في أستراليا في نوفمبر / تشرين الثاني، باتخاذ إجراءات متعددة للتعامل مع هذه القضية، من بينها إتاحة المعلومات للعامة بخصوص ملكية الشركات للحد من غسيل الأموال وكشف هويات المجرمين.

كما تطالب بإقرار قوانين تلزم قطاعات البترول والغاز والتعدين بتقديم تقارير لمنع “سرقة الموارد الطبيعية للبلاد”.

وتوصي المنظمة باتخاذ إجراءات ضد المتهربين من الضرائب “ليتسنى للبلاد النامية الوصول إلى المعلومات المطلوبة لجمع الضرائب المستحقة”، وحكومات أكثر انفتاحا ليستطيع الناس محاسبة السلطات على تقديمها للخدمات الأساسية.

مشروع “مواطنون فاعلون” في طرابلس ثمرة الشراكة بين المجلس الثقافي البريطاني والمركز اللبناني لتعزيز المواطنية

signing

ضمن سياسته لتطوير وتمكين منظمات المجتمع المدني في لبنان، عقد”المجلس الثقافي البريطاني” في لبنان شراكة مع “المركز اللبناني لتعزيز المواطنيّة” في طرابلس من أجل إدارة مشروع تمكين الشباب والمجتمع المدني للتأثير في القرارات المحلية والعالمية، وتعزيز السلام والتعايش بين الثقافات بعنوان “مواطنون فاعلون”.

مشروع “مواطنون فاعلون” أو “Active Citizens” هو مشروع إقليمي- دولي أُطلق عام 2009 في 30 بلداً على أن ينفذ هذا العام في طرابلس. ويهدف المشروع إلى:

  1. تدريب 20 ميسّراً من منظمات المجتمع المدني وتزويدهم بالمهارات والأدواتلينقلوا مادة التدريب إلى 100 من قادة المجتمع المحلي؛
  2. بناء قدرات قادة المجتمع المحلي عبر التطوع مع المنظمات الشريكة في مناطقهم والتفاعل مع مشاركين آخرين لتنفيذ عشر مبادرات ومشاريع عمل إجتماعية سيستفيد منها أهالي المناطق المعنية؛
  3. تزويد منظمات المجتمع المدني بالمهارات والأدوات الكفيلة بالتوعية على مفاهيم المواطنة وبناء السلام والتعايش بين الثقافات المختلفة؛
  4. تمتين التعاون والخبرات بين الشباب الفاعل عبر الزيارات التعلّمية للبلدان المشاركة في المشروع.

 

حول هذا البرنامج، يقول مدير المشروع في المجلس الثقافي البريطاني السيد إيلي الجميّل “لقد وعدنا الشباب في طرابلس في نيسان الماضي ضمن نشاط “هايد بارك طرابلس للسلام” بأننا سنخصص لهم برنامج يعمل على تعزيز دورهم ليفتح لهم آفاقاً جديدة لأننا نؤمن بقدراتهم وقدرات المجتمع المدني لبناء مواطنين فاعلين قادرين على العمل سوياً في سبيل بناء مجتمع يقدّر الاختلاف ويتقبل الآخر”.

من جهة أخرى يقول مدير المركز اللبناني لتعزيز المواطنية، السيد هيثم خلف: “برنامج “مواطنون فاعلون” هو من البرامج التدريبية والتنموية الأكثر تميّزاً. فهو لا يكتفي ببناء القدرات الذهنية والتعلّمية للمشاركين، بل يحفّزهم ويدعمهم لإطلاق مبادرات ومشاريع عمل تنموية-إجتماعية في مناطقهم. إنه مشروع مشهود له بالنجاح في الدول التي طُبّق فيها، مع العلم أن الدول المشمولة حالياً بالمشروع تقع في أقاليم متباعدة جغرافياً وثقافياً، وأعني بها أقاليم جنوب آسيا، الشرق الأوسط، أفريقيا، وشرق أوروبا”. ويختم خلف قائلاً: “إنها مبادرة ممتازة ومشكورة من قبل المجلس الثقافي البريطاني أن تُخصص طرابلس بتطبيق هذا المشروع خلال الأشهر القادمة”.

يشمل مشروع “مواطنون فاعلون” مجموعة من الفعاليات منها: تقييم الحاجات للشباب والمجتمع المدني، ورشة لتدريب مدربين، ورش تدريب قادة وناشطين محليين، تصميم وتنفيذ مشاريع عمل إجتماعية، زيارات تعلّمية وتبادل خبرات مع الدول التي ينفّذ فيها المشروع.

من الجدير بالذكر أنه سيتم قبول الطلبات للمشاركة في دورة تدريب المدربين بين 8 و25 أيلول لاختيار 20 مشاركاً، على أن تُعقد فعاليات الدورة في شهر تشرين الأول.

للمزيد من المعلومات عن البرنامج أو إذا كنتم راغبين بالانضمام إلى لائحة الميسّرين أو المشاركين يرجى مراسلتنا على البريد الإلكتروني: society1@lb.britishcouncil.org

 

 

عن المجلس الثقافي البريطاني

المجلس الثقافي البريطاني هو منظمة المملكة المتحدة الدولية للفرص التعليمية والعلاقات الثقافية. نحن مؤسسة خيرية تعمل لإتاحة الفرص الدولية للأشخاص في المملكة المتحدة والبلدان الأخرى وبناء الثقة فيما بينهم في جميع أنحاء العالم.

ويعمل كادر موظفينا البالغ عددهم 7000 موظف في 100 بلد حول العالم مع آلاف المهنيين والمحترفين وصناع السياسة بالإضافة إلى ملايين الشباب كل عام من خلال برامجنا في اللغة الإنجليزية والفنون والتعليم والمجتمع.

لمزيد من المعلومات، الرجاء زيارة موقعنا الالكتروني:www.britishcouncil.org.lb

 

 

عن المركز اللبناني لتعزيز المواطنية (LCAC)

المركز اللبناني لتعزيز المواطنية هي جمعية أهلية لا تبغي الربح تأسست في مدينة طرابلس في سنة 2006. يعمل المركز على تنفيذ مشاريع هدفها الأساسي تفعيل وزيادة مشاركة المواطنين بشكل عام، والشباب بشكل خاص، في مسائل الشأن العام بعيداً عن أي خلفيات سياسية، حزبية، أو  طائفية، من أجل تدعيم الحريات العامة وتحفيز المواطنين لكي يكونوا مواطنين فاعلين في مجتمعاتهم.

 

وقد نفّذ المركز منذ انطلاقته عدداً من المشاريع الهادفة إلى زيادة الوعي لدى المواطنين بحقوقهم وواجباتهم حسبما ينص عليه الدستور وتضمنها القوانين في لبنان، مثل مشروع “من حقنا نعرف” الذي هدف إلى تعريف المواطنين بحقهم في الوصول إلى المعلومات الرسمية وتحفيز المسؤولين والعاملين بالشأن العام على إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات، ومشروع “الديمقراطية عبر المواطنية” الذي هدف إلى تشجيع الشباب على الاهتمام بمشاكل مجتمعهم والمشاركة في طرح الحلول لها من خلال متابعة قضايا الشأن العام والكتابة عنها في مجلة “المواطن”. كما كان المركز مؤخراً جزءاً من مشروع “نسيج” لتحسين العلاقات بين المجتمعات اللبنانية المضيفة للاجئين السوريين وهؤلاء اللاجئين.

بناء الثقافة المواطنية في لبنان: الجامعات والمدارس ودورها في التنشئة على المواطنية

Main Pic

المواطنية هي ثقافة الاهتمام بالشأن العام والعمل على تطويره، وهي ثقافة شاملة تقوم على تخصيب الحياة الإجتماعية بالمشاركة في العمل الجماعي واحترام القيم الأساسية المؤدية إلى توطيد التماسك في المجتمع، من دون التخلي عن حرية الرأي والمعتقد والتنوع الذي لا يُخِل بالوحدة الوطنية، ثقافة التعاطف والتسامح والحوار والتفكير النقدي والمبادرة في مواجهة التحديات، ثقافة أداء الواجبات طوعاً لا كرهاً والحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية والمال العام والمرافق العامة، ثقافة الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن والتفاني في سبيله من دون تعصب أو انغلاق بل الانفتاح على توطيد أواصر الصداقة والتضامن بين الشعوب.

 

إن مسألة ثقافة المواطنية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب كلبنان يمكن إيجازها بستة أسئلة: لماذا الثقافة المواطنية مهمة اليوم في لبنان؟ هل هناك تناقض بين المواطنية والطوائف؟ ما هي مكونات الثقافة المواطنية؟ ما هي عوائق الثقافة المواطنية لبنانياً؟ ما هو إنتاجنا في هذا المجال؟ ما العمل في المستقبل؟

 

١- لماذا الثقافة المواطنية اليوم موضوع مهم في العالم وفي لبنان بشكل خاص؟

 

الموضوع مهم لثلاثة أسباب:

  • الديمقراطية: الأنظمة التوتاليتارية في العالم مهددة بسبب انتشار وسائل الإتصال الحديثة. كما أن المدفع في نهاية القرون الوسطى قضى على النظام الإقطاعي وتحصيناته، كذلك وسائل الإتصال الحديثة ستسرع في انهيار الأنظمة التوتاليتارية في العالم. وبعد انهيارها، مطلوب من الناس ان يشاركوا في الحكم، فإذا لم يكونوا معتادين على المشاركة وغير متمرسين على الديمقراطية تطرح معضلة كبرى، وهذا ما يحصل الآن في دول الربيع العربي.

 

  • التنمية الإجتماعية – الإقتصادية: أثبتت كل تجارب العالم في السنوات العشرين الأخيرة أن السلطة المركزية وحدها لا تستطيع أن تخطط للناس إذا لم يشارك هؤلاء أو لم يشعروا بأنهم معنيون، ولا يعملون شيئاً للتنمية، في قراهم وبلداتهم ومدنهم ومناطقهم وأحيائهم. هذا ما يسمى في الأدبيات الحديثة التمكين Empowerment أو Capacitating. إنها أكبر مشكلة في البلدان الفقيرة والبلدان في طور النمو. كيف نجعل الناس مشاركين في خطط التنمية؟

 

  • المناعة: كيف نبني مناعتنا اللبنانية تجاه صراعات الداخل ومداخلات الخارج. لدينا تجربة غنية وأليمة في آن. من أهداف الثقافة المواطنية في لبنان تنمية المناعة.

 

٢- هل هناك تناقض بين الثقافة المواطنية وبلد مؤلف من طوائف ومذاهب؟

 

لأكثر من أربعين سنة أثيرت المقولة بأنه ما دام هناك طائفية فلا مجال للمواطنية، وللأسف عند كثير من المثقفين والباحثين. يعني ذلك الإستقالة والإنتظار. بعض رجال السياسة يستفيدون من هذه المقولة ويقولون: طالما أن النظام طائفي نريد حصتنا في الحكم! والناس يبررون ذلك على أساس أنه طالما النظام طائفي فلا مجال لدولة القانون، ولا مجال للمواطنية! إنها مقاربة إيديولوجية قصيرة النظر ولا تثبتها التجارب. أظهرت تجارب عديدة في العالم كيف يمكن بناء المواطنية في بلد متنوع الإثنيات والمذاهب والأعراق. والخلافات في العديد من البلدان أكبر بكثير من الخلافات في لبنان. أعطي مثال بناية مشتركة يسكن في أحد طوابقها إنفتاحي، مجامل، تقدمي… يزور الجميع ويبادلهم الحديث، ويسكنها آخر: فئوي، إنعزالي، “بيتوتي”… لا يتحدث مع أحد! لكن هذا الفئوي والإنعزالي و”البيتوتي” يدفع مساهمته في المصاريف المشتركة ويحضر الجمعية العمومية ويتقيد بنظام البناية. أم التقدمي الانفتاحي والمجامل “يخرب” كل شيء في البناية. لا يدفع ولا يتقيّد بنظام البناية. ماذا نفعل عادة؟ نمارس “النكرزة” و”الحرتقة” ضد كل فرد أو مجموعة حول ما يسميه خصوصياته الثقافية، بدل الاهتمام بالقضايا المشتركة. البناية التي يقطنها المالكون فيها ٨٠- ٩٠ في المائة من القضايا المشتركة. إذا اهتمينا بكل ما هو مشترك تصبح البناية جميلة ونموذجاً لكل البنايات. الزوّار يأتون إليها بارتياح ويعيش الناس فيها براحة. ما حدث في لبنان هو العكس حيث تم التركيز على كل ما يخلف الناس ويفرقهم. إذا قمنا باستفزاز المالك البيتوتي والإنعزالي والفئوي، فالأرجح أنه سيتحول أكثر انعزالية. أما إذا عملنا على توسيع المجال العام المشترك، فالأرجح أنه سيتغير.

لا تناقض بين المواطنية والطوائف شرط توسيع المجال العام المشترك. هناك كلمة “ميثاق العيش المشترك”. ما يزال البعض لغاية اليوم يناقر حول كلمة ميثاق (البعض مع الميثاق والآخر ضده وضد الطائف)، لكن هناك “مشترك”، وكل العمل هو على المشترك. أُدخلت عبارة “ميثاق العيش المشترك” في مقدمة الدستور اللبناني.

20130523_182717

٣- ما هي مكونات الثقافة المواطنية؟

 

حصل كثير من أدلجة (من إيديولوجيا) الأمور. كلمة وطن يحددها لسان العرب بأنها مكان الإقامة. البعض قد يقول بأنني أبسّط الموضوع. والاشتقاق واطَنه يعني مشاركة في الوطن. وانطلاقاً من كلمة وطن كمكان الإقامة، يمكن أن نستخلص ثلاثة مكونات للمواطنية:

– العلاقة بالمكان مع كل أبعادها الجغرافية والتاريخية.

– علاقة بالأشخاص القاطنين في هذا المكان.

– العلاقة بالسلطة التي ترعى الشأن العام في هذا المكان ومع هؤلاء الناس القاطنين فيه.
وبالفعل أي شيء تريدون في المواطنية يندرج في أحد هذه الأبواب الثلاثة. لكن المكون الأهم في الثقافة المواطنية هو ذهني. كل دساتير العالم تنص على أن “الشعب هو مصدر السلطات”، أي أن كل مواطن له سلطة. حتى في الأنظمة الأكثر توتاليتارية للمواطن سلطة. خلال دورات تدريبية لمعلمي التربية المدنية في المدارس الرسمية والخاصة كان هناك حوالي ٣٠٠ معلم يتدربون على البرامج الجديدة في التربية المدنية. بدأنا نعطي شرحاً للبرامج ومحتوياتها، لكنني وجدتهم متشائمين ويائسين وتعبين. اضطررت إلى تغيير توجه الدورة لأن أساس المواطنية ثقة المواطن بقدرته Citizen power، فإذا كان المواطن غير واثق بقدرته فلا ثقافة مواطنية. حتى في أسوأ الظروف، لا يمكن القول: “ما طالع بإيدي شي”. في الإتحاد السوفياتي السابق، الفلاح في السوفخوز كان يذهب إلى عمله صباحاً في المزارع الحكومية، يصل على الموعد ويخرج على الموعد، ولكنه يعمل من دون اندفاع، والأرجح أنه كان يظن أنه غير قادر على تغيير شيء. بعد سبعين سنة، إنهار الإتحاد السوفياتي لأنه لم يحقق أي من الإنجازات الإقتصادية. كان الإتحاد السوفياتي يملك قوة نووية ولكن دون قمح لإطعام الناس. هذا الفلاح الذي كان يظن أنه غير قادر على التغيير هو نفسه من أسباب انهيار الإتحاد السوفياتي. عندما كان يعمل دون اندفاع أو حماس، ويقوم فقط بوظيفته، أدى إلى انهيار الإتحاد السوفياتي.

 

وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أوروبا الشرقية حول بعض الممارسات الدينية التي كانت ممنوعة. حين يدخل عامل إلى منجم تحت الارض يقوم بتأدية إشارة دينية. قد يقول البعض: ماذا يمكنه ان يغيّر؟ وهل يجرؤ على القيام بإشارات دينية فوق الأرض؟ سلوكه في المنجم يعني أنه لم يستقلْ. وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أحد الجنرالات خلال الثورة الفرنسية. عندما حُكم عليه بالإعدام، كان مساقاً إلى المقصلة حاملاً بيديه كتاباً، وفي الموقع الذي بلغه في قراءة هذا الكتاب طوى الصفحة وكأنه يريد متابعة القراءة بعد مماته! هذه طريقة في السلوك. قد يقول البعض أنه في النهاية نُفذ عليه حكم الإعدام. لكن إذا كان المواطن لا يعمل شيئاً، وإذا كانت الحالة ميؤوساً منها بحسب نظريته ولم يفعل شيئاً، فإنه يسرّع الانهيار! عندما لا نعمل شيئاً، حتى في أقسى الظروف وأصعبها، وفي ظروف ميؤوس منها، فإننا نعمل شيئاً لأننا نسرّع الإنهيار. وهذا خطر جداً في السياسة، خاصة عندما ننشر في البلد شعوراً عارماً بعدم القدرة، والإحباط واليأس. في علم السياسة قاعدة النبوءة التي تحقق ذاتها، أي إذا نشرنا فكرة بين الناس أن المستقبل إلى تدهور ولا يوجد فائدة أو نتيجة، فإننا نصل إلى الهدف بالفعل لأننا نكون قد حضرنا الناس نفسياً لكي يأتي التدهور بسرعة أكبر.

ثقة المواطن بقدرته هي أهم عنصر في الثقافة المواطنية. يقول المواطن، كما كانت تردد لور مغيزل: “أنا معني، أنا مشارك، أنا مسؤول”. وبول فاليري Paul Valéry  يقول بسخرية وعمق: السياسة هي فن منع الناس من الاهتمام بما يعنيهم، ويقول Tocqueville: “الناس عندما يقلعون عن التعاطي بالشأن العام فالدكتاتورية تصبح قريبة”. وهذا أمر طبيعي لأن “السلطة، دون تسلّط لا طعمة لها”، حسب بول فاليري أيضاً.  كل سلطة تميل إلى التسلط، لذلك فهي تتطلب مواطنين واعين، مشاركين، يتعاطون دائماً الشأن العام. يصبح أي موضوع ميؤوساً منه بشكل مطلق عندما تستقيل الإرادة.

 

٤- ما هي عوائق الثقافة المواطنية في لبنان؟

 

من أبرز العوائق:

  • صغر حجم البلد: البلد صغير وبإمكان أي كان أن يصل إلى وزير في لبنان من خلال أقارب، معارف، أصدقاء. المتقاضون أمام القاضي في المحكمة هم إما جيران أو يعرفون جيران، وإما أقرباء أو من نفس القرية. كيف يطبق القاضي القانون دون أن يكسب عداوة الناس؟ إنها معضلة تتطلب درجة عالية من الشجاعة في البلد الصغير.
  • التعب: الناس تعبوا. نشأت مواطنية جديدة بعد ١٩٩٠ إختمرت بالحرب والتجربة لكن الظرف الإقليمي لم يتغيّر بل ازداد سوءاً، ورواسب الحرب الإقتصادية مستمرة، والوضع شبه مجمد نسبياً. هناك وضع تعب منه الناس ونطلب منهم أن يتابعوا النضال.
  • رواسب تقليدية في التربية التلقينية: هناك بعض العادات العائلية، وهناك تعليم الأدب العربي والحضارة العربية. عندما نقرأ الأدب العربي كما يلقن في المدارس والجامعات نشعر بأن ليس هناك أناساً يدافعون عن الحريات! كلهم منصاعون، والأمور ماشية. عندما نقرأ تاريخ لبنان، كلما ظهر معارض يكتب عنه المؤرخون بأنه “طمع في السلطة”، أي وكأنهم يقولون بأن السياسة لها ناسها ورجالها فلماذا أنت تتعاطى بما لا شغل لك به؟ والمحزن أن لا تلميذ يرفع يده ويسأل مرة واحدة: ما معنى “طمع في السلطة”؟ لم نكتب بعد تاريخ الحريات وحقوق الإنسان. إنها ورشة كبرى لإعادة قراءة الحضارة العربية وتاريخ العرب وتاريخ لبنان من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.
  • السلطة منبع قيم سلبية: الحكم لا يعطي القدوة للتمثل به، وهذا أيضاً يؤثر سلباً. يقول التلامذة لأساتذة التربية المدنية: ماذا تعلموننا؟ كل شيء مختلف في المجتمع، والتلامذة يعيشون تناقضاً كبيراً.

 

٥- ما هو إنتاجنا في هذا المجال؟

 

لا ننطلق الآن من الصغر في الثقافة المواطنية. صدر إنتاج كبير في السنوات العشرين الأخيرة وهو رائد، ليس على المستوى اللبناني فحسب بل العربي أيضاً وربما على المستوى العالمي. الدراسات حول بناء المواطنية في المجتمعات المتنوعة البنية لا تهم فقط لبنان، بل نصف سكان العالم اليوم. صدرت عدة دراسات وأبحاث، منها برنامج جيل الطليعة. قدنا هذا البرنامج الذي يتضمن جزءاً كاملاً عن التربية المواطنية مع تطبيقات شملت حوالي عشرين ألف تلميذ سنوياً خلال ست سنوات. وصدر كتاب “بناء المواطنية في لبنان” بإشراف وليد مبارك وسعاد جوزف وأنطوان مسرّه، وفيه رصد لما صدر في لبنان في السنوات العشر الأخيرة في موضوع التربية المدنية. وكتب المركز التربوي للبحوث والإنماء صدر منها لغاية اليوم ثمانية أجزاء.

 

٦- ما هو المطلوب للمستقبل؟

 

على الأقل للسنوات الخمس المقبلة، مطلوب لبننة وتعريب الثقافة المواطنية. صدر إنتاج كبير ينقل ما كُتب في أميركا وإنكلترا وغيرهما حول حقوق الإنسان ونحاول تطبيقه في لبنان والدول العربية الأخرى. وهذا لا يصح دائماً. مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان هي عالمية ويجب التشديد على ذلك، لكن التربية على المواطنية غارقة في الخصوصيات. يجب أن نأخذ في الإعتبار الذهنيات والعقليات والتجارب الخاصة لإقناع الناس. عندما نعطي للتلميذ مثلاً لبنانياً حول حقوق الإنسان فإنه يقتنع. الإنطباع العام الآن في الكثير من الدول العربية أن مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية مستوردة من الخارج. إنها ليست مستوردة. هناك كتاب جديد يتحدث عن التجربة الديمقراطية في الشرق القديم. ويجب أن نتأهل لذلك، بمعنى أن نستخرج من تجاربنا الخاصة ونأخذ في الإعتبار الذهنيات، ويجب أن نخرج عن البحث الكياني الذي انتهى. هذا هو معنى العبارة الواردة في مقدمة الدستور: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”. ليس معنى ذلك أن لا حق لكم في تقرير المصير. إذا قررنا أمراً مختلفاً وبالتوافق بعد عشر أو عشرين سنة فإن ذلك من حقنا. معنى “الوطن النهائي لجميع أبنائه” أن الجدل الكياني حول لبنان الصغير أو الكبير أو اللبنانية والعروبة إنتهى بالتجربة. ندخل الآن في البحث السياسي الجدي: كيف أكون أكثر لبنانية؟ وأكثر عروبة؟ كيف أكون اكثر وحدة وتضامناً؟ ولكن للأسف ما زالت الإنتلجنسيا في لبنان مستقرة في سنوات ١٩٢٠ أو ١٩٤٣ أو ١٩٧٥.

 

النقطة المهمة للمستقبل هي ثقة اللبنانيين بلبنان. القضية في لبنان أن تنجح التجربة اللبنانية. عدم نجاح هذه التجربة هو فشل إسلامي، وفشل مسيحي وفشل عربي شديد الخطورة. لبنان هو نموذج للإسلام المنفتح المتعامل مع الآخرين، ولبنان هذا دوره كبير، بالنسبة للمسيحية والعرب. دور لبنان في المرحلة القادمة مهم. لا أدري إذا كان جيل الشباب واعياً لذلك.

وكيف نخلق لدى جيل الشباب الذين ولدوا في آخر الحرب أو بعد مرحلة السلام صدمة نفسية لكي لا نعود إلى المعابر؟ هذا يتطلب بناء ذاكرة جماعية حول مخاطر الإنقسام وفوائد التضامن وخطورة تكرار تجارب الماضي العبثية. كيف نخلق عند الجيل الجديد توبة قومية تجاه صراعات الماضي؟ التاريخ يعيد نفسه لدى الشعوب المتخلفة. هذه أبرز مقتضيات التربية المواطنية.

 

والحوار من منطلقات لبنانية يعني عدم تخوين الآخر. إننا نخوّن الآخر ونقول: هذا وطني وهذا غير وطني! يقتضي عدم تخوين الآخر. كانت هناك مواقف لبنانية رائدة صدرت عن الإمام موسى الصدر. عندما اتخذ قرار العزل قال الإمام الصدر لا. الحرب في جانبها الأهلي بدأت عندما اتخذ قرار العزل، والإمام الصدر قال لا للعزل.

المرجع:

الدكتور أنطوان مسرّه، “مناهج التربية الوطنية والتنشئة المدنية: فلسفة تجدد وبداية مسار تأليفاً وتدريباً وإبداعاً تعليمياً”

من كتاب “بناء المواطنية في لبنان” الصادر في بيروت عن الجامعة اللبنانية الأميركية